ثقافة المقال

عبقريّة ٌ تمشي على اسْتحياء

بقلم: يوسف الباز بلغيث

حالـما يغفُو بكلِّ حرْفٍ على رمشِ فكرهِ، قُبيلَ إسْدال جفنَيْ ذكائِه،لا يلبثُ غافيًا، متعبًا، منْ شدَّةِ إجهادِه، حتّى يفتحَ عينيْه مطاردًا في خيالِه الخصْبِ ما لهثَ ساعاتٍ ليقطفَ ثمرتَه. وكلّما يرنُو إلى تطويقِ الخيالِ برؤَى واقعِه الدّسمةِ، التّي تأنفُ عزًّا منْ أنْ تظلَّ مجرّدَ مشروعٍ بلا دواليبَ تستفزُّ تحقيقَه،فلا كلُّ الأسطرِ والـمسافاتِ الهندسيّةِ فرقَ بينَه وبينَ سرابٍ  سديمٍ… خانتهُ مرارةُ الواقعِ، فشرّدتِ الأرضَ بعدَ يأسٍ و جفافْ..! و الفلسفيّةِ تعاتبُه على مشقَّةِ العبثِ بها في مجرَّةِ أفكارِهِ الشّاسعةِ..فلا يهدأُ لها بالٌ إلاَّ إذا نامَ ولوْ لِلحظاتٍ، تلكَ التي تُصبحُ ساعاتٍ، بلْ نهارٌ يتفيَّأُ تحتَ ظلالِها بعَرقِهِ الأسمْرِ نسمتَهُ العليلةَ البيضاءْ..!

ما زالَ العالمُ يدورُ فوقَ رأسِه وقدْ طالَه الـمللُ، ورأسُه لا تريدُ الانحناء لدورانٍ أعيَا رواسِيَها، و حطَّ رحالَهُ على غثَيَان ما بقِيَ لها منْ وعيٍّ ! إلاّ أنَّـه لا ينأى ساخرًا بألاعيبِه العجيبةِ السّاحرةِ بلا فائدةٍ تُرتجى، كما لو كان يُحرّكُ ( دوّامةً ) ويضغطُ بأصبُعِه على رأسِها و يَبقى متسلِّيًا بتياراتِها الـمُنعشةِ من حوله..لينتهيَ العالمُ بآخر لفّةٍ تنهكُها ولا تُنهكه.

أغبطُه على مكتبتِه الجميلةِ الهادئِةِ الفوْضاويَّةِ بما يدورُ في فلكِها من أفكارٍ و مناهجَ و نظريَّاتٍ، يتضاربُ أكثرُها ببعضٍ.. و لكنْ بٱنسجامٍ غيرِ مسبُوقٍ .و حالـما تُغربلُها عيناهُ الحَصيفَتان كلّما يُناورُني بما سكَنَ منْ علم . وها أنا أحسَبُني أطوفُ دونَ تأشيرةٍ منْ على فراشةٍ أخَّاذةٍ رياضَ أدبٍ جَمٍّ.يُؤسِّسُ لعالمٍ جديدٍ منَ الرُّؤى، تقفُ مُنتظرة ً الإشارةَ الخضراءَ ، لتَعْبُقَ بما لمْ تضُعْ من قبلْ..!

صالونُه الصّغيرُ لا يعرفُ غيرَ طيفِ العُلوم الكبيرةِ و الفلسفةِ السّاميةِ والآداب الأجنبيّة لونًا، و لا لِهمَّةِ نسْجِهِ نـَوْلاً ! تتعلَّقُ الأغاني التي يبثـُّها فوقَ رُؤوسِ نقاشاتِنا يَمَامَاتٍ، تشْدو  بشمْسٍ غيْداءَ، حَوْراءَ ، لمْ تُشرقْ بَهاءً مثلمَا أسْفَرتْ بصفاءٍ ذلكَ اليوم..! فصَعبٌ إرضاءُ ذائقتِهِ ،غيرُ مُهادنٍ، يُبَادِئـُكَ الحَديثَ و الـمُسامرةَ، ولا يعرفُ مُجاملة ً.. إلاّ بمَا وصلتْ إلى دَغْدَغةِ أساريرهِ بدهْشةٍ على غيرِ مَوعدٍ مــألوفٍ، وتتلبّثُ بفكرهِ الـمُتصوِّفِ بطوافِ الامتياز ! وصَعبٌ مُناكَتتُه ، وإذا فَقِهَ – و هوَ أنفَذ ُ إلى رُوح النـُّكتةِ – سبيلَها على حينِ ٱلتفافٍ غريرٍ..يسقط ضاحكًا ولا تُعاد في حضرتِه مرتينْ..!

أعتزُّ بصحبتِه وبما يُجْدِيني منْ نصائحَ فذّةٍ،  بِهَيْلَمَانِه الكبير ، الذي يلفُّ شغفيَ بما ٱحتوَى منْ ألقٍ و ضياءٍ. فلا أقلَّ منْ أنْ أصِفَهُ بـعبقريّةٍ مُسْتَحِيَةٍ، تكابرُ خيلاءَها بصولجانِ العفّةِ و الصّدق.. إنـّهُ كذلك و بدُون مساحيقَ الأخ و الصديق والفيلسوف الشّاعر الطبيب ” عيسى محمدي “.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق