ثقافة السرد

لوحة الهيبومانيا

بقلم: حنان جمادي *

“لكي ترسم يجب أن تكون مجنونا”: سلفادور دالي

إهداء: إلى غيمة (س . م)

كان الفجرُ يرسِلُ أولى خيوطه لمدينتي الكئيبة وأنا أتمعّنُ سماءَ هذا الكون من نافذةِ مرسمي، تتقاذفني الهواجس، تهبني حزمة من المشاعر عصية على التفسير، تسري في جسدي النحيل طاقة أذهبت النوم وسلطانه واجتذبت الرغبة العارمة في الرسم. وضعت البياض قبالتي، حملت عدة الرسم شاحذا فكرة سريالية ملونة، وإذ بعصفور صغير ذو لون أخضر مائي يحطّ على كتفي الأيسر وأخذ يربت بمنقاره الصغير، أملت حدقة عيني نحوه محافظا على سكوني، فشدني لونه الخلاب للالتفات نحوه أكثر بيد أنّه شعر بحركتي فانتقل إلى الكتف الأيمن و راح يرتب ريشه بمنقاره، يرفرف بجناحيه، يطير مقدار إصبعين ثم يرجع لموضعه السابق على كتفي الأيسر مكررا حركاته بانتظام..

حينها حاولت لطم ذهني لأستفيق فاستدرت لمرآة الحائط ألغي وجود العصفور الذي لا أعلم كيف اهتدى إلي أو كيف سولتُ لنقسي وجوده، ففزعني منظر ذراعي اليسرى التي استحالت لجذع شجرة تفاح في عز الربيع.

تسمرت فاقد التركيز أراقِب يدي وأتحسس باقي جسدي لأتأكد بأنّي لم أتحول لشجرة ، و وثب رعب دامس يجثم على صدري بِعَدَم تمكني من الرسم، ما الذي سيصنعه أشول بيده الغصن؟!

إلا أنّ أغصاني سرعان ما أمسكت الريشة و مزجت الألوان بزهر التفاح، وشعرت بقدرة غريبة على تجسيد صورتي الظاهرة في المرآة، صارت يدي تتحرك لا إراديا على نغم تغريد العصفور، تقسًم قماش اللوحة لأربعة أجزاء و تخط صورتي في الجزء الأيسر السفلي من اللوحة مُمدِدة أغصاني إلى الجزء المقابل.

و ما إن أنهيت الرسم حتى اختفى كل شيء كأنّه لم يكن، أو كأنّه أحدُ أحلام اليقظة الممزوجة بالهذيان، فبدأت أحاول تفسير هلوستي مستذكرا أحداث البارحة .

أتكون السيجارة التي أعطانيها الشاب ذو القبعة، ذاك الذي كان يجلس في زاوية المقهى؟!

.كانت له ملامحا بريئة رغم مظهره المريب وشعره الأشعث، تفوح منه رائحة خبيثة لعرق مزجت بعفونة جوارب، حين وضعته الصدفة في طريقي كان عطشي لسيجارة يبيح أخذها حتى من صَّرَّاف*

هكذا وجدتُ أسئلتي تجرني إلى المقهى الذي استقبلني نادله باسما  مستفسرا عن سبب طول غيابي.

– ما بك يا رجل؟! البارحة كنتُ هنا جالسا مع ذلك الشاب الأشعث، جئت أسأل عنه!

-أي شاب يا سي فريد؟! لم تَجلس بالمقهى منذ خسارة الفريق الذي تشجعه!

عدت إلى مرسمي خائبا، تسكرني أسئلة همدت بعد أن جسدت صورة الشاب وسيجاره في الجزء الذي فوق صورتي تماما. وأنا أرسُم تذكرت العصير الذي جلبته إلهام للمكتب البارحة صباحا و كانت مصرة أن أشربه..

أيعقلُ أنّها وضعت به شيئا جعلني أهذي؟! لا أستبعدُ ذلك فطالما جعلتني أستمع مرغما لما نصحتها به البصارة الفلانية و المُرقي العلاني، وبالرغم من كوني رجلا متزوجا لم تتوان عن إغرائي بحركات جسدها الكاسي العاري ونظرات متمردة ترسلها عبر ألوان عدساتها اللاصقة لتوقظ بها ذكورتي المكبوتة حين تنشز مني زوجتي، لا أستطيع الإنكار بأنّي لم أستلطف ما كانت تقوم به، بل و قد فكرت في اتخذها خليلة ذات لحظة حمق عابرة .

منير وحده كان بإمكانه الحسم فلم يشرب العصير ذو اللون العجيب سوانا..

ألو منير كيف حالك يا صاح، هل أفقت من مفعول العصير؟!

. صباح الخير أي عصير أماتزال نائما؟

-عصير إلهام الذي سقتنا منه البارحة ألا تذكر؟!

-إما أنك لم تستيقظ بعد أو أنّه فعلا كما أشيع عنك في العمل تعشق إلهام، منذ زواجها وأنت تهذي، استمتع يا رجل بإجازتك..

أغلق منير الخط و تركني أهذي بالشجرة والعصفور….السيجارة والشاب….إلهام والعصير.

و بدأت تدور في فكري خزعبلات إلهام عن العفاريت و بأنّ للجن قدرات خارقة توسوس للمسكون بأشياء و تجعله يسمع ويرى ما لا يرى، وأنا ممن يرسمون الأرواح كما تقول إلهام و سيأتي يوم تنتقم فيه تلك الأرواح..

مجرد تفكري في الأمر جعلني أضحك على الجان الذي ترك جميع خلق الله ليتخذني سكنا فلا يسعني تخيله إلاّ كما تعرضه أفلام الكرتون ،ولطرد تلك الأفكار أضفت للوحة صورة الهام جالسة بالقرب من الشاب الأشعث المدخن يقابلهما في الجزء الأيمن الشيء الذي يسكنني وجعلني أهذي بكل هذا…

وأنا أكمل رسمتي دغدغ سمعي صوت بكاء طفل صغير أخذ يقترب وتعلو ذبذباته في صوان أذني ،ترافقه طقطقة كعب حذاء نسائي، ثم توقف صوت الطقطقة متبوع بطرق على الباب ،حاولت أن أصرف عنه نفسي تجنبا لهلوسة جديدة إلاّ أنَّ الطرق تواصل و ارتفعت شدّته فهرعت لفتح الباب لأجد أنّ الطارق زوجتي تحمل طفلي وترمقني بنظرات عتب وحزن; دخلت المرسم مسرعة تُمَشط زواياه بعينيها كمن يبحث عن شيء ما و جلست على كرسي خشبي بكل هدوء بعد أن قامت بمسح الغبار الذي يغشاه، وأنا  ممسكا بمقبض الباب أحاول استيعاب قدومها المفاجئ راحت تصرخ :

“والله ما تحشم، أربعة أيام وأنت تحجز نفسك في هذا السطح القذر بين لوحاتك غير آبه بأسرة تركتها خلفك ورحت تركض وراء جنونك  الذي لم تنل منه شيئا، أم تخال نفسك سلفادور دالي* أو ربما رينيه ماغريت* ،ثم لماذا أغلقت هاتفك ؟! اتصلت بمنير لأعرف مكانك …لا تقف صامتا أتحفني بعذر يليق بذنبك!”

لم أجد ما أجيبها به فأشرت للوحة وإذ بصورتها مع سليم تكمل الجزء المتبقي من الرسمة ما شجعني لأشرح لها حالتي ومعنى كل جزء، و أنّي بدأت أشك بمروري بأعراض الهيبومانيا* و أنا أحاول التخفيف من غضبها سمعت بكاء طفل صغير أخذ يقترب و بدأت تعلو ذبذباته في صوان أذني، ترافقه طقطقة كعب حذاء نسائي، ثم توقف صوت الطقطقة متبوع بطرق على الباب، فتحت الباب رغم يبوسة أطرافي فكانت زوجتي تحمل سليم وترمقني بنظرات عتب وحزن.

وقفة:

الصراف :بائع الكيف

سلفادور دالي ورينيه ماغريت :فنانان تشكيليان من أشهر رواد المدرسة السريالية

الهيبومانيا :هوس خفيف يتميز بالمزاج الجيد جدا, أو بالمزاج العصبي دوما لفترة أربعة أيام على الأقل يكون على شكل ومضات من التفكير السريع والمنتج، ودفقات من الطاقة، وتعتبر طور من اضطراب ثنائي القطب هذا المرض النفسي الذي يصيب بعض المبدعين والفنانين من بينهم دافينشي وفان غوغ.

*كاتبة جزائرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق