ثقافة المقال

“ما الذي تستطيع الفلسفة تقديمه من إجابات على الأسئلة الدينية للشاب المسلم؟”

حسين الوادعي

 الفلسفة رفيقة الدين واخته الرضيعه حسب تعبير بن رشد. واول مباحث الفلسفة هو مبحث “الميتافيزيقا” الذي يناقش طبيعة الكون والإله والدين.فما الذي تستطيع الفلسفة تقديمه من إجابات على الأسئلة الدينية للشاب المسلم؟
سأحاول هنا تقديم اجابة المفكر والفيلسوف الراحل “فؤاد زكريا” على هذا السؤال.
رأى زكريا الحياة الدينية للمسلم المعاصر يغلب عليها الخرافة والتعصب. واثناء معاركة الفكرية من اجل تعليم التفكير العلمي للانسان العادي فوجيء بحالة اليقين المطلق والاجوبة النهائية التي يطلقها الشباب تجاه القضايا الدينية والفكرية. لقد أصبح الشباب يبحث عن حقائق مطلقة وإجابات نهائية متناسيا إن الحقائق نسبية ومتغيرة. وقد ركز فيلسوف العقل على التشويهات الخطيرة التي يمكن أن يؤدي إليها التعصب والانغلاق الفكري. ولهذا طرح شعار “قليل من الشك يصلح العقول”، طالبا من الشباب بالذات تطبيق هذا الشعار في حياتهم العقلية.
لذلك بدا يفكر فيما يمكن ان تقدمه الفلسفة من حلول لمشكلة التفكير عند الشباب المسلم؟ وقد طرح اربع مساهمات فلسفية يستطيع المسلم العادي استخدامها لكي يحيا حياة دينية بعيدة عن الخرافة والتعصب :
1- العلاقة بين بين “ألوهية التشريع وبشرية القائمين على تطبيقه”
2- قضية “صلاحية النصوص لكل زمان ومكان”.
3- قضية “الصراع بين الشكل والمضمون في العقيدة الدينية”
4- قضية الاهتمام المفرط بالجنس عند الجماعات الدينية المعاصرة.
…………………………………………………..
– فالفكر الفلسفي يستطيع أن يسلط أضواء على مشكلة العلاقة بين “ألوهية التشريع وبشرية القائمين على تطبيقه”!
فمهما كانت النصوص إلهية إلا أنها لا تطبق إلا من خلال التفسير البشري، والتفسير البشري لا يمكن إلا أن يكون ذاتيا ومنحازا.ويمكن للفلسفة أن تقدم إجابات حول سبب اختلاف الحركات الدينية وخروجها بتفسيرات مختلفة ومتناقضة رغم ان كلا منها تمثيلها للإسلام الحقيقي. هل السبب المصالح الدنيوية التي توجه التفسير؟ أم الأفكار المسبقة التي يسقطونها على التفسير الديني؟ إذا بدا الشباب المسلم يفكر بهذه الطريقة فأننا سنكسب انجازا هاما يتمثل في عدم النظر إلى رأي رجل الدين على انه يمثل وجهة نظر الدين الحقيقية. إن الفلسفة تستطيع أن تنهي حالة الخلط بين الدين وبين “الفكر الديني”. هذا الخلط الذي لا يقع فيه الشباب المسلم فقط ولكن رجال الدين أيضا دون وعي في أحيان كثيرة. وهذا الخلط هو الذي يجعل الشباب أداة طيعة في أحيان كثيرة لتنفيذ اغراض سياسية ضيقة.
…………………………………………………..
– النقطة الثانية التي يمكن للفكر الفلسفي ان يقدم للفكر الديني مساعدات قيمة هي قضية “صلاحية النصوص لكل زمان ومكان”. فقد ادت ظاهرة ما يدعى بالصحوة الاسلامية الى توسيع نطاق النصوص الدينية لكي تتدخل في كل جوانب الحياة المعاصرة بما فيها جوانب لم يكن للنصوص تدخل واضح فيها في العصور الاسلامية السابقة مثل: الطب والعلوم. ومشكلة الادعاء بصلاحية النصوص لكل زمان ومكان اننا نعيش في عصر سريع التغير في كل المجالات بحيث اصبح التغيير مرهقا وصادما حتى للمجتمعات المتقدمة. وكلما مشى المجتمع في طريق التقدم كلما ابتعدنا اكثر عن العصر الذي ظهرت فيه النصوص واصبح تطبيقها الان يطرح مشكلات وتعقيدات اكبر.
ولهذا يطلب فؤاد زكريا من العقل العربي الدراسة الواعية لتجربة المسيحية في العصور الوسطى والنتائج التي ترتبت على مطالبة الكنيسة بتدخل النصوص في كل مجالات الحياة وصلاحيتها لكل زمان ومكان! فالكنيسة تركت التدخل في تفاصيل الحياة الدنيا وتركت الحياة الدنيا لمتخصصيها ولكن بعد معارك ودماء وثمن انساني مؤثر. فهل نستطيع تجنب المعارك والدماء لو فكر رجال الدين المسلمون والشباب المتحمسون بدراسة تجربة المسيحية في اوربا وهي تجربة متشابهة جدا مع التجربة الحالية للاسلام مع القضايا المعاصرة!!
…………………………………………………..
– القضية الثالثة التي يمكن ان تقدم فيها الفلسفة ايضاحات ذكية لبعض القضايا الدينية للانسان العربي المعاصر هي قضية “الصراع بين الشكل والمضمون في العقيدة الدينية”. فهل مطلوب منا ان ناخذ من النص الديني توجيهاته العامه حول العدالة والحقوق والحياة الفاضلة، ام ان الاحكام الجزئية المتعلقة بالحجاب واللحية والزواج والبيع والشراء تدخل ضمن ما يجب ان نأخذه من توجيهات دينية؟ فاذا نظرنا للتوجيهات الدينية من ناحية “المضمون” فاننا سنركز على المباديء العامة دون التفصيلات المتغيرة.اما اذا نظرنا لها من ناحية الشكل فاننا نقع فيما يقع فيه الخطاب الديني المعاصر من نظرة شكلية سطحية تكاد تفرغ الدين من جوهره الانساني وتجعله مجموعة من الطقوس الميته والمتخلفة.
…………………………………………………..
– ترتبط مشكلة الشكل والمضمون بمشكلة النظرة الجزئية والنظرة الشمولية للانسان.
فكل التيارات الدينية تقريبا بدات تركز خطابها على نواح جزئية وشكلية مثل التحجب واللحية والاختلاط والزي الاسلامي.ولكن، يتساءل فؤاد زكريا : اين الخطاب الديني من القضايا التي تواجه الانسان المعاصر مثل التحدي الصهيوني والهيمنة الغربية والمشكلة الاقتصادية والانهيار الاجتماعي وسيادة القيم الانانية؟ فالجماعات الدينية تركز على قضية الحجاب اكثر من تركيزها على قضية الفساد،وفي اليمن مثلا لم يحرك رجال الدين ساكنا تجاه الفساد ونهب الاراضي، ولكنهم يتحولون الى مقاتلين شرسين اذا عقدت فنانة حفلة غنائية او ظهرت مذيعة في التلفزيون بدون حجاب او ارادت الدولة اصدار قانون يمنع زواج الفتاة في سن ثمان سنوات. يرى فؤاد زكريا ان الفلسفة تستطيع ان تعيد التوازن الى الخطاب الديني فينظر الى جميع ابعاد الانسان ويعطي كل بعد منها الاهمية التي يستحقها دون مبالغة او تضخيم.
…………………………………………………..
– كما ان الفلسفة وعلم النفس يستطيعان ان يبحثا سبب الاهتمام المفرط بالجنس عند الجماعات الدينية المعاصرة. فدعوات الحجاب والاختلاط وحتى منع المراة من العمل ومن المشاركة في السياسة مرتبطة عندهم بالجنس. ورفض هذه الجماعات للغرب والثقافة الغربية يركز على الجوانب الجنسية في هذه الثقافة. وتحريمهم لأي تشريع لمنع زواج الصغيرات ينطلق من ابعاد ومبررات جنسية!!
…………………………………………………..
كان زكريا يرى ان عصور “اليقين” كانت عصور الانحطاط! بينما كانت عصور الشك والتساؤل هي عصور التقدم والنهضة، وان اليقين يجب أن يأتي في النهاية بعد رحلة طويلة مع التفكير والنقد و”الشك”.اما اليقين التي ياتي في البداية فهوالخطر الأكبر على العقول.متى يبدأ الشباب المسلم في تطبيق دعوة فيلسوف الحياة اليومية لإصلاح العقول بالشك والتساؤل بدلا من الوقوع في حضيض “اليقين”؟!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق