ثقافة المقال

لن نخطو إلى الأمام أيها الجزائريون إلا بالثقافة

فريد شرف الدين*

ان مقالي هذا يحمل حقائق موجودة على أرض الواقع، وأنا هنا بصدد اقتراح بعض السبل للقضاء على رمز التخلف، (الجهل)، في احدى الدول الأمازيغية – العربية الإسلامية ألا وهي الجرائر. اننا ومنذ أن استقلت البلاد، وهذا بعد مرور أكثر من خمسين سنة خلت لم نلحظ أي خطوة عملاقة قامت بها البلاد نحو الأمام، عدى خطوات قصيرة ربما تشبه خطوات الرضيع في بداية تعلمه للمشي. وما توصلت اليه مؤخرا أن الجزائر بذلت مجهودات جبارة للتقدم إلى مصاف الدول الكبرى وهذا من خلال المشاريع الضخمة، والتهيئة العمرانية، والى غير ذلك من البرامج الضخمة لإصلاح الجمهورية الجزائرية، إلا أن البلاد نسيت الخطوة الأهم للتطور، ألا وهي نشر الثقافة والوعي بين فئات وشرائح المجتمع الجزائري.

وهذا ما لاحظته في مجتمع فاسد ثقافيا، ان لم أقل أنه ميت ثقافيا، وذلك يتجلى من تصرفات صغرى يقوم بها هذا المجتمع، التي سنذكر بعضا منها، ناهيك عن التصرفات اللاثقافية الكبرى والتي تعتبر من الكوارث الإنسانية التي تضاهي الكوارث الطبيعية الربانية، ولنبدأ مثلا بأن هذا المجتمع لا يحترم أدنى القوانين التي تسنها الدولة، كقانون النظافة، (عذرا الدولة لم تسن قانون عام فيما يخص النظافة ولم أسمع به أبدا في الجزائر)، ولكن ورغم هذا إلا أنه بإمكان الفرد الجزائري أن يضع قانونا عاما في الحي يخص مجال النظافة، إلا أننا وللأسف نجد بأن المجتمع يجعل من حيه ومدينته مفرغة عمومية للنفايات والأوساخ، التي قد تكون السبب في وفاة الآلاف سنويا في الجزائر من الأمراض التي تسببها تلك النفايات، كما أن المجتمع الجزائري لا يراعي أدنى شروط النظافة في أي مكان خاص أو عمومي كالمحلات الحساسات لبيع الوجبات السريعة، والأماكن العامة، وأماكن الترفيه والتسلية، فقد تجد أنه بكل مكان من الأمكنة المذكورة انعدام شروط النظافة إلى درجة الصفر، ضف إلى هذا عدم انتشار ثقافة احترام اللوحات الإرشادية كمنع التدخين مثلا في الأماكن العامة سواء مستشفيات أو مدارس أو جامعات إلى غير ذلك من الأماكن العامة التي يمنع فيها التدخين، إلا أنه لا يوجد أي مانع لدى هذا الشعب في خرق تلك القوانين ومن هنا نمر أيضا على عمليات الفساد التي تطال المرافق العمومية للدولة والخاصة بالأفراد ناهيك عن عمليات السرقة التي تنفذ من طرف عصابات تجوب البلاد دون رقيب أو حسيب ونعرج أيضا على ثقافة الحوار لدي المواطن الجزائري، والتي تعتبر منعدمة بنسبة تسعين في المئة بين أطراف المجتمع، حيث يجب توعية الناس بفن الحوار مع أي شخص سواء كان مسؤولا أو مواطن من العامة، حيث أني ألحظ أن ما يجول بداخل الحوار الجزائري من شحن وتوتر عصبي ينتهي في بعض الحالات إلى كوارث عظمى متمثلة في جرائم محظورة دينيا ودوليا كالقتل أو الإعاقة الدائمة، وهذا من خلال نقاش عقيم لا معنى له في الأصل، وللعلم هذا كله من توافه وأصغر الأمور لدى هذا الشعب والمخفي أعظم بكثير.

اني ولحزني الشديد على هذا الشعب، الذي يتوارث ثقافة الجهل منذ الاستقلال، وبما أني ابن هذا الوطن لا بد أن أكون عادلا ومنصفا في حق ذكر الطبقة الراقية في البلاد والتي تبلغ مبلغا كبيرا من الثقافة والوعي، والتي أحييها من مقالي هذا، وبدوري أقول لها بأن الثورة الثقافية تبدأ من بين أيديكم، وبالمناسبة سأقترح بعضا من اللبنات التي تبني صرحا ثقافيا ممجدا للبلاد، وكلي أمل أن يمنحنا كل مثقف من هذا الوطن لبنة جديدة كي نمجد وطنا عماده الأصالة والثقافة الراقية التي أوصى بها ديننا الحنيف.

ومن هنا أذكر بأن الله عز وجل أوصى بالنظافة أكثر من التوحيد في كتابه الكريم، فالمسلم لا بد له أن يكون طاهر البدن والملبس والمكان، وهنا أقر بعين الحقيقة، كلي أمل أن تنتشر ثقافة النظافة بين أوساط المواطنين، وليكن كل شخص مسؤول أمام ضميره في وضع صورة راقية لولايته أو قريته، وربما بل أجزم أنه لا يوجد من على الأرض من ليس بداخله ضمير حي لذا أعتقد بأن ندائي هذا سيجد آذانا صاغية ان شاء الله.

كما أن الله أوصى بالاحترام المتبادل، وتبادل الآراء وهذا نوع آخر من الثقافات الغير منتشرة في البلاد، لذا أود أن أقدم خير نصح لهذا الشعب، بإتاحة الفرصة لبعضهم البعض في الحديث، والنية الخالصة في حل مشاكل بعضهم العض، بين كل الأطراف في المجتمع سواء كانت بين امرأة وزوجها، أو ابن ووالده، أو سجين وقاضيه، أو مسؤول ومواطنه إلى غير ذلك، فلكل امرئ رأيه في هذا العالم، وأنا بدوري أقول اسمعوا لأي إنسان مهما بلغت صفته وثقافته وعلمه وحسبه، فقد يفيد بكلمة واحدة ربما يوما ما.

ان ما يدور في هذه البلاد من مشاكل، تعد في ميزان نظرتي مشاكل تثير الاشمئزاز، كونها تخص الفرد والمواطن الجزائري، وليس مشاكل احتلال أو استعمار تخص دولة برمتها ونذكر مثلا انعداما النظام العام في الدولة، بدءا بالأسرة الجزائرية مرورا إلى أكبر قطاع في الدولة، وللأسف شعب لازال لا يتقن حتى ركوب الحافلات، كيف لا وأنا بين شعب يركب الحافلة من مخرج النزول، ويخرج منها من مصعد الركوب، كلي حسرة على هذا الواقع المر الذي لازلت أتحدث في قضاياه الصغيرة فقط، وان توغلت أكثر ربما قد أشوه سمعة الجزائر بين أطراف العالم، غير أني من منبري هذا وبحكمي أملك قلما حرا، سيأتي يوم وأتحدث فيه عن كل القضايا السيئة التي تمس البلاد، وليحدث ما يحدث.

اني ولحزين على هذا الوطن من الواقع الذي يعيشه، فحتى بيوت الله لم تعد تلقى أي احترام أو حرمة من طرف الأشخاص، سواء الذين يرتادون بيوت الله أو غيرهم، فكم من كوارث وقعت في بيوت الله عز وجل من قضايا زنى ولواط، من أشخاص كلفوا ليكونوا مدرسوا كتاب الله، غير أن نفسهم الخبيثة والشريرة وعدم امتلاكهم مبادئ العيش الكريم، سولت لهم بارتكاب جرائم ربما بل أعتقد بأن حتى في جاهلية العرب قديما لم يفكروا في ارتكابها، وكم من جريمة سقطت علي مسقط الإنسان في نار جهنم، فمرة نسمع بأن إماما يرتكب فاحشة الزنى على قاصرة ومرة نسمع عن حدوث جريمة اللواط التي ترتكب في حق قاصر، وما يثير الدهشة أن كل هذه الجرائم تتم في أقدس الأماكن على وجه الأرض، ألا وهي بيوت الله فأي نفس وأي ثقافة يحملها هؤلاء.

كل هذه المشاكل في انعدام الرؤية الصحيحة للثقافة، واغتراف نوع غير صالح من الثقافة الأوروبية التافهة، وانعدام المسؤولين (لا أقصد هنا أصحاب البطون المنتفخة) الأكفاء الذين بإمكانهم غرس أولى بذور الثقافة والوعي بين جنبات الشعب الجزائري، ضف إلا هذا أن من يملك ثقافة راقية بين أفراد المجتمع تجدهم لا يملكون الجرأة الكافية لزرعها بين أطرافه، وهنا أنصحهم بالتخلي عن تلك الثقافة كونها لن تفيدهم، ما دام أن الأمر يخصهم لوحدهم.

في الأخير أقول بأن الثقافة يم لا حدود له وقد ذكرت بعض الأمواج منها في مقالي هذا، والذي آمل أن يلقى صدى كبير داخل الوطن، وأن يثبت لي الشعب أني على خطأ، إلا أني أذكر في نهاية مقالي بأن الإسلام الذي عزنا به الله تعالى، هو الثقافة الكبرى والعقيدة الكبرى والتي ترسم لنا نهج الثقافات الصحيحة، وقد عنونت مقالي هذا تحت ذلك العنوان وكنت قادر على عنونته بأننا (الجزائريين لن نخطو للأمام إلا بالإسلام)، إلا أني أبيت ذلك كوني أعلم أننا شعب ابتعدنا عن الدين نوعا ما وقد يقال في حقي أني من أصحاب التشدد لأن العلمانية الآن صارت قاب قوسين أو أدنى تحطم الشعوب، وتحطم من يريد اصلاح الشعوب، هذا كله لا يعني أني أتهرب من الإسلام، إلا أن الشعوب الآن تتخوف من العناوين التي توجد بها كلمة الإسلام، لذا توغلت لقلوب القارئين بهذا العنوان، آملا أن يكون المقال في مستوى تطلعات القراء.

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق