ثقافة المقال

من نفحات الهداية

د. نيفين عبد الجواد

“اهدِنا الصراطَ المستقيم” .. ليست مجرد ثلاث كلمات عابرات يكررها المسلمون في صلواتهم التعبدية كل يوم وليلة عدة مرات؛ بل هي أكثر من ذلك بكثير، خاصة وأنه لابد أن تشتمل كل صلاة لخالقهم في كل ركعة يركعونها له على هذه الكلمات، ومن ثم فهي ليست مجرد دعاء عادي، بل هي أهم دعاء للمسلم يدعو به ربه متضرعًا إليه في تكرارٍ لا يتوقف طوال حياته من أجل أن يمن عليه بالهداية. فأية هداية تلك التي يرجوها و قد أعلن إسلامه بالفعل وشرع في أداء عباداته؟!
إن الهداية إلى الصراط المستقيم لابد أنها ذات معنى أعمق بكثير،فهي ليست ذلك الأمر الحتمي أو الصك الممنوح بلا أدنى مجهود أو مشقة من أي مسلم أو مؤمن، إذ أن تضمنها في الإيمان ليس كما يظن البعض تضمنًا أصيلًا وثابتًا دون تغيير أو تبديل؛ بل هي ذلك الحال الذي يظل كل مسلم يصبو إليه ما دام حيًا، وما دام ساعيًا إلى تجديد إيمانه وتقويته.
لذلك يجب على كل مسلم أن يقف متأملًا لإيمانه ومتفحصًا لحاله مع الهداية التي بدأت عندما آمن بالله الواحد الأحد، فأسلم وجهه له وحده لتبدأ بعد ذلك رحلة العمل الصالح الذي يقوى به إيمانه، ويكون هو البرهان على صدق ذلك الإيمان والإخلاص فيه. وبالتالي فإن الهداية مستمرة مع الإنسان المسلم ما بقي من حياته ما دام ساعيًا لفعل الخيرات وعمل الصالحات، وما دام طالبًا للاستقامة. ولأن الاستقامة بدون زللٍ أو حيادٍ أو مساومة هي حال الإنسان الأصعب التزامًا على مدار حياته، فلابد إذًا من المداومة على طلب الهداية إليها والمعونة عليها ممَّن خلق الإنسان وسوَّى نفسه فألهمها فجورها وتقواها؛ ليكون اختياره الحر هو إما تزكية تلك النفس أو تدسيتها.
ومن الملفت للانتباه أنه بترديد ذلك الدعاء التعبدي الذي فرضه الله على عبده المسلم يظل متذكرًا لانتمائه الكوني و انتمائه البشرى الذي هو جزء منه فلا يكون منفصلًا عنه أو متعاليًا عليه بسبب إسلامه أو إيمانه، ومن ثم يظل جزءًا من نسيج العالمين سواء تضرعوا لربهم وخالقهم أم لا. مرددًا باستمرار و دون انقطاع ذلك الدعاء غير الفردي بطلب الهداية التي إما أن تحفها مخاطر العصيان بعد العلم فيكون الإيمان قولًا بلا طاعة عملية، أو أن يعصف بها الاختلاف والضلال بعدما كان العلم بينًا وجليًا فيظل العمل مستمرًا ولكن مع الأسف يخسر صاحبه بسبب ضلاله عن الحق فلا يكون سببًا في فوزه بجائزة المتقين الصادقين.
لقد آن لنا أن ننتبه إلى أن ذلك التضرع المتكرر لله رب العالمين طلبًا للهداية في كلمة (اهدنا) بصيغة الجمع لا الإفراد يبدو وكأنه أمر إلهي بوحدة المؤمنين جميعًا وكأنهم كلٌ لا يتجزأ ولا يجب عليه أن يتفرق أو يتشتت حالهم حال الملائكة الذين ظلوا سويًا، على عكس حال إبليس الذي آثر أن يكون فردًا فاستعلى وتكبر إلى أن طُرِد بلا عودة.
إنها أيضًا المساواة بين المؤمنين جميعًا والتي يدعو إليها الدين فلا يتكبر أحد منهم على الآخر بسبب إيمانه؛ بل يجمعهم الانسجام والترابط في نسيج إيماني واحد لا يتميز فيه أحد عن الآخر ما داموا جميعًا ما زالوا يطلبون الهداية من إلهٍ واحد هو ربهم جميعًا.
وستظل الهداية هي مطلب كل مؤمن أدرك أن إيمانه ليس هو نهاية المطاف بل هو بداية رحلة حياة يجب أن يملأها العمل الصالح بإخلاصٍ وصدق من أجل تعمير الأرض استحقاقًا للخلافة فيها ورجاءً فى الفوز المبين بعد الموت.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق