ثقافة السرد

الجزء 15 من رواية المأساة الفلسطينية (حرمتان ومحرم) ل صبحي فحماوي

حديث العشاء

أتمت تغريد إعداد طاولة الطعام، بانتظار عودة أبو مهيوب ليتعشوا معاً، وهي تقول لرفيقتها ماجدة :
وهذا ما حصل مع والديّ طالبتي حصّة، التي حكت لي حكاية مقزِّزة، قالت فيها:
“كان والدي يجلب صاحبته إلى ديوان البيت، ويدخلها من الباب الرئيس وهي مبرقعة، فلو شاهدها أحد من الجيران لاعتقد أنها من حريم البيت، ولكنها ليست… والمخفي أعظم! فبعد أن يجلسها في غرفة الضيوف أو ديوان البيت، يُبلغ والدتي أن عنده في الديوان رجل، ضيف عزيز، فتقوم بتقديم الضيافة من وراء حجاب. تخدم المسكينة وهي مرتبكة بأولويات ما تقدم، ومتفانية في تقديم الأفضل، ولكن المصيبة تفجّرت ذات مرة، عندما سمعت والدتي صوت أنثى تتأوه في غرفة الضيوف، فخرجت على كل الأعراف والقوانين، وفتحت باب غرفة الضيوف، فأمسكت بوالدي متلبساً بالجرم المشهود، ولكن ماذا كانت النتيجة في رأيك؟” فقلت لطالبتي حصة ساخرة :
“أكيد أن الزوج ضرب زوجته، واعترض على دخولها، ما دام معه ضيوف(حلوين)! “
كادت أعصاب ماجدة تتقطع وهي تسمع هذه القصة، فقالت بفظاظة: “مؤكد أنك غبية، ولا تفهمين في العادات، ولا في التقاليد، ولا في الخروج عن المألوف، أو الشذوذ الذي مارسه الزوج الخائن !”
فخرجت تغريد عن وقارها المعهود، وقالت لها:
“بلا فلسفة وطول لسان، هاتي ما عندك يا باحثتي الاجتماعية الفاشلة! ماذا ستفعل الزوجة لو فوجئت بهذا المشهد المذهل مع زوجها؟” فتنَمّرت ماجدة بين طاولة الطعام وفرن الغاز وهي تقول:
“أتوقع أن الزوجة الذكية تستر على الخائن، ومنذ ذلك اليوم تصير تستقوي عليه وهو يتنازل ويتراجع.. ولكن هل تعتقدين أنه سيستقيم؟ طبعاً لن يستقيم مثل هؤلاء المنحرفين كما يقول أبو مهيوب: (ذَنَب الكلب يبقى أعوج، حتى لو وضعته في الجبص دهراً)!
تصوري أن حصّة أسرّت لي بأنه اشترك مع أصحاب لـه في الرذيلة، وذلك باستئجار بيت في مكان مطرف، وراحوا يتنادمون فيه، ويمارسون الرذيلة على نطاق أوسع، فسألتُها مرعوبة: “ولكن الجيران والعادات والتقاليد تمنع دخول امرأة غريبة عليهم، فكيف يتصرفون؟” ماذا أجابت حصة؟ قالت لي:
“العملية سهلة يا معلمتي، فابن عمي فرج وهو طالب جامعي، حكى لي كل شيء حول كيفية التصرف في مثل هذه الأمور، وقال لي: بعض الشباب الطائشين يذهبون أحياناً إلى الأسواق الشعبية حيث تباع الملابس والحلي ومستلزمات العائلات، وحيث يختلط الحابل بالنابل، والرجال بالنساء، كل يشتري حاجته، وفي الزحمة، يقترب أحدهم من امرأة يراها وحيدة، فيسألها: “أريد أن أشتري قميص نوم لأختي، وهي بحجمك، فهل حجم هذا القميص الداخلي مناسب لها؟” تنظر المرأة الشابة إليه.. وكثير منهن يرفضن الإجابة من أصلها، وبعضهن يتجاهلنه، ولعل واحدة من النساء تستجيب لسؤاله، وتنظر في أمر الثوب، وتقول لـه: “إنه مناسب”، أو “غير مناسب.” فإذا تجاوبت معه، يتابعها بالأسئلة : “ولكن هل اللون مناسب؟ هل الطول بقدر طولك؟ يا زين طولك! والله لو عندي غزالة من طولك، لتركت الدنيا كلها، وعشت معها، ولو كوخ في البر، نأكل ورق الشجر، ونشرب من الندى! ” فإذا ضحكت المرأة، فإنه يتابع حواره معها: “أنت متزوجة، أم عزباء؟” هل تشتغلين أم ربة بيت؟ “ولكن كيف تمشي كل هذا الحلاوة على الأرض؟”تسمحين لي أن ألفّك في حرير كي لا تلمسك ذرات الغبار؟” هل معك سيارة؟ “هل توافقين على أن أوصلك إلى أي مكان تريدين ؟” هل تريدين أن نطلع مشوار، نزهة قصيرة؟” سيارتي جاهزة، تحت أمرك! اعتبريني سائقك الفلبيني الخاص!” تضحك المرأة، فيتابع عروضه المغرية: ” كلها ساعة أو ساعتان، أو ثلاث، كما تريدين. ” .. “تريدين أن أوصلك إلى بيت أهلك من دون مشوار؟ أنا موافق! أنت فقط تأمرين!”


وتابع فرج قوله: “ومن كل السوق يلتقط لـه واحدة من النساء، قد تكون مطلقة، أو أن أهلها ذاهبون في مهمة خارج البيت، أو أن زوجها مشغول بأعمال كثيرة تمنعه من معايشة زوجته، فيتركها تذهب وحدها إلى السوق، بينما هي تتجه إلى مكان آخر، إذا كانت الطريق سالكة! وقد تكون امرأة تشاهد زوجها يخونها، وها هي الفرصة سانحة لترد لـه الصاع صاعين في الخيانة وستين خيانة، وقد تكون مراهقة ومكبوتة ولا تعرف، وتريد أن تتعرف على حياة الشباب، وقد تكون مريضة نفسياً، وتعاني من الكبت والقهر، فتحاول أن تبدده بالخروج على المألوف، ومن غير المألوف أن تخرج مع شاب لا تعرفه، ولا تعرف إلى أين ستذهب معه، ما دام هو الذي يقود سيارته، إلى أين. حتى لو كانت الطريق إلى جهنم الحمراء! وقد يكون السبب هو شعور المرأة بحقها في الحرية، وأن الله خلقها على شكل أنثى، لتلتقي بشخص على هيئة ذكر، فالقطب السالب ينجذب نحو القطب الموجب، وهذه عوامل الطبيعة، وسُنّة الحياة، وقد تكون فتاة أو امرأة تسعى للتعرف إلى شاب بهدف الزواج، وتقبل مغامرة الخروج مع شاب لم تعرفه من قبل، إذ أنّ مجتمعنا لا يعطي الفرص، فيتم التعارف هكذا مع احتمال المخاطرة الشديدة، حيث يمكن أن يحصل في مثل هذه اللقاءات عنف، أو اختراق للحجاب الحاجز، وقد تكون إحداهن تتعاطى المخدرات، فتبلع في السوق حبة تدير تلافيف رأسها، فتوافق على الذهاب مع من هبّ ودبّ.”
تسمع تغريد كل هذه المعلومات وهي فاغرة فاها، فتخرج عن صمتها وتسأل ماجدة قائلة: “ولكن طالبتك الداهية هذه لم تقل لك كيف تدخل المرأة بيت الرجال دون أن يلاحظها الجيران، أو أولو الأمر والنهي المنتشرون لجمع المصلين وحشرهم في المساجد، أين هم من كل الذي يحصل؟!”
تضحك تغريد وهي تضع إبريق الشاي على النار، ثم تقول: “سألتها فقالت لي: (العملية سهلة يا معلمتي، الرجال من هذا النوع يجلبون صويحباتهم وهن يلبسن أثواب الرجال، وعلى أعينهن نظارات شمسية رجالية عريضة، وعلى رؤوسهن شماغات رجالية بيضاء أو حمراء، فيدخلن معهم رافعات رؤوسهن، وكأن الواحدة منهن رجل، أو شاب بشوارب، وبعدها، وفي داخل البيت، يهون كل شيء!)
– ولكن هذه الطالبة الطفلة تعرف أشياء كثيرة لا نعرفها نحن المعلمات الخبيرات في الحياة ومعاركها المختلفة! قالت ماجدة ذلك وهي تخرج الخبز من الثلاجة لتسخنه، فأجابتها تغريد وهي تحضر ثلاثة كؤوس شاي في صينية صغيرة :
“الكبت يا عزيزتي يخرج الإنسان عن بساطته!”
أحاديث ومفارقات كثيرة تشغل بال الصبيتين ووقتهما، وأما في خلوتها، فإن ماجدة تتألم لوجع البعاد عن خطيبها غازي، وهي تستعيد شريط الذكريات:
أتذكّر قصة الخطوبة وتفاصيلها؟ فيوم خطبني أبوك، لم يعرف الحاضرون منه ما إذا كان جاداً أم هازلاً. كنت أقدم لهم ضيافة الشاي على طبق كبير حين قالت أمك: “ما أحلى هذه الماجدة يا أبو جهاد، خِفّة دمها، وشغلها في البيت، شيء غير معقول! ما شاء الله، تقدم الشاي وهي تبتسم مثل الملاك الطاهر!” فانفصلت شفتا والدي عن فم نرجيلته الأفعى، وسعل سعالاً مختمراً ثم قال: شكراً يا أم غازي، هذا من ذوقك، والله فعلاً إنها شاطرة وخفيفة دم، وذكية وخدومة! فقالت أم غازي يومها: “والله إنها لابقة لولدنا غازي! صبي طالع طلعة، ما شاء الله عنه، مثل البلحة!” فاعترض أبوك على الكلام الذي ليس في وقته، وقال لأمك :” يا مرَة لا تعبري جسراً قبل أن تصليه! عندما يكبر غازي، ويصير شاب مؤهل للزواج، يكون القرار بأيديهما وأيدينا معاً، وساعتها لن نجد أفضل من دارأبو جهاد لنصاهرهم!
طأطأتُ رأسي في الأرض لأخفي فرحتي التي تفضحها أسارير وجهي عندما قالت أمك:
“والله إني أحببتها هالمقصوفة! فتضايق أبوك ونهرها قائلاً:
– لا تقولي مقصوفة، قولي هالمنظومة، هالحلوة، هالحورية، هالزاكية، هالقمر! فعدلت أمك جلستها وهي تقول: “هذا لغو في الكلام يا ابو غازي!” وهنا دافعت أمي عن ضيفتها بقولها: ” نحن النساء نقول كلمة مقصوفة، أو كلمات مُنفِّرة من هذا النوع، كي لا نحسد الموصوفة، فالعين تَطرُق الموصوف (.. ومن شرِّ حاسد إذا حسد)، فنحن النساء نقول كلمات شنيعة من هذا النوع، بهدف تشويه الصورة، لكسر عين الحسود، ومنع الحسد، وكما تقول الشاميات: (تقبرني ابن عمي!) أو تقول: (تحفر قبري بالإبرة ابن عمي!) فيقول لها ابن عمها: لماذا (بالإبري) بنت عمي، هل تريدين أن تعيشي كل هذا العمر الطويل وأنا مستمر في حفر قبرك بالإبرة، هذا معناه أنك ستعيشين مئات السنين! اليوم الحفارات الآلية تحفر قبرك بربع ساعة، إذا كنت مستعجلة خلِّصينا موتي بسرعة خلينا نشوف واحدة غيرك!”
ضحك الجميع على حكايات أمي، وسحب والدي نفساً من نرجيلته القاتلة، ثم تنحنح بخشونة تتحشرج في صدره ثم قال:
“اللهم مرِّر هاليوم على خير، وأبعد الشر عنا!” فقال الجميع بقلوب أمنة مطمئنة:” اللهم آمين.”
وكي يخرج الجميع من مفاهيمهم المحزنة، قالت أمك لأبيك : “يقول المثل (دُقّ الحديد وهو حامي) وها هو الحديد حام يا رجل ، فما رأيك أن نخطب هالبنت الأمّورة ماجدة، للولد الأمّور غازي، هكذا مجرد حجز منذ اليوم؟” فارتبك والدك، وقال لها بسرهما: “ما هذا الدلع؛ الأمّور والأمّورة! هل هي لعبة، نشتريها لولدنا، وإذا كسرها أو أضاعها، نشتري لـه غيرها؟”
كان الموقف محرجاً فعالجته أمك بقولها: “يا رجل صرنا حاكيين في الموضوع، وكل هذه المسائل تبدأ لعبة ثم تصير حقيقة! أي خلص، قل على بركة الله!” وإذ لم يرفض أبي الفكرة، فلقد سحب نفساً طويلاً من نرجيلته، ونفث دخان قطار قديم يقوم من محطته، وقال أبوك بصوت جهوري هذه المرّة:” على بركة الله!”
قرأ الجميع الفاتحة، وصرت مخطوبة لك يا غازي، وساعتها احمرّت جمرة نرجيلة أبي، وتكاثف دخانها الخانق في جو الغرفة، واشتعلت المهاهاة والزغاريد، وقامت دبكة في البيت، وأغانٍ شعبية بحق وحقيق…سَبّل عيونه، ومَدّ ايده، يحنّونه،
خصرُه رقَيِّق، وبالمنديل يلفّونه!
غزالِ بالبرِّ شارد، ويَاامّاه رُدّونه!
ما هذا الشعب الغريب، الذي يغني في الأفراح والأتراح نفس الأغاني، ويهزج نفس الأهازيج! ما هذا الشعب الذي يعقد قران زواج الصبايا والشباب فوق مقابر الشهداء!؟ ما هذا الشعب الذي يضحك ويقهقه، وقلبه مكفهر، وحالك السواد على شهدائه المتقاطرين! ما هذا الشعب القليل العَدَد والعُدَد، والمحاصر من جميع الجهات، والذي يتشبث بالبقاء، ويواجه أطغى وأغشم احتلال عرفه التاريخ! هل هذه هي مواصفات (شعب الجبّارين) ؟
وبعدها صرت يا غازي تشعر بالمسؤولية تجاهي، وتُحضر لي هدية صغيرة في كل مناسبة، وتقدِّم الخدمات لأبي ولأمي، وكأنك ولد من أولاد العائلة، هكذا بكل براءة المراهقة، ولم تمض سنة ونيِّف، حتى صرتَ على أبواب التوجيهية، فسافرتَ إلى أمريكا، وأما أنا فدرست في الكلية، ثم هاجرت إلى مدينة الواحة، وبقيت هنا بانتظارك. لم يكن سفرك بالحسبان، قلت لي إنك راسلت شركة أمريكية متخصصة في التبادل الثقافي، وهكذا لعبة بغلبة، تأكدت بعثتك لدراسة التوجيهية في بلاد العم سام، فسافرت! ويومها كنت متفائلاً ومندفعاً للسفر، وقلت لي: كنت أتمنى أن تسافري معي يا ماجدة! فأجبتك قائلة :” حتى لو وافَقَت المدرسة، فإن أهلي مثل أهلك، محافظون تجاه الحريم، ولا يوافقون على سفري إلى تلك الديار! يحزنني أنك خرجت ولم تعد! صحيح أنك على اتصال هاتفي مع أهلك، ولكنك نسيتني، أو تناسيتني، أنا التي لم أعرف شاباً غيرك، وكلما خطبني شاب، يقول لـه أهلي: البنت مخطوبة لابن عمها في أمريكا. ويا ليت هذا الفارس يأتي ليخطفني، حتى ولو على حمار أجرب، لقد مللت الانتظار يا غازي! “

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق