ثقافة المقال

عُطَيل مثقفًا حداثيًّا، أو الطريق الأطول للوصول إلى الذات

عبد القادر رابحي

تبدو الذات في هذه الحالة وكأنها رحّالة مستديمة تسبح في فلك دائرة المعارف الحداثية، لا يهدأ لها بال ولا يرتاح لها منوال، تنهل من عمق المغامرة الفلسفية معتقدة أنها الطريق الوحيدة للخلاص النهائي من ربقة المكبوتات المعرفية التقليدية التي لا زالت تطاردها وتقف عائقا في تحقيق رغبتها الاضطرارية في تدوير بوصلة المعنى وفق الرغبة الفرويدية المتعجلة.. ثمة احتمال كبير في أن الحداثة بوصفها خلاصا حضاريا بالنسبة للمتعطشين السرمديين إليها، الذين هم نحن لا غير، هي أطول طريق للانتقال من الذات إلى الذات، تماما مثلما أن الماركسية – بوصفها منهجا أيديولوجيا حاول أن يُعَوْلِمَ الذوات وأنساقها – كانت في نظر (غورباتشوف) أطول طريق للانتقال من الليببيرالية إلى الليبيرالية. ولعلها الجملة التي جعلت منه آخر الحكام الشيوعيين وأول الحكام الليبراليين في الوقت نفسه، وأعطت من ثمة الإشارة الواضحة للآلة الليبيرالية الفاعلة للانتهاء من مرحلة الحفر المعرفي المنهجي التي مارستها على الامبراطورية الشيوعية، والبدء في تفكيك البنية المادية لهذه الخلية التي طالما حاولت توحيد (الإخوة كارامازوف) تحت بوتقة جمالية واحدة تباركها (الأم) من خلال ما كانت تلعبه من دور الثقل الفيزيائي الموازي في كفة تعادلات السياسة الدولية، مما يتيح للعالم الدخول في أحادية أيديولوجية شبيهة في أحاديتها بالتي استطاعت أن تفككها، ولكنها مغلفة ومعبأة في طابعها المرحلي الجديد تحت اسم (العولمة).
ذلك أن مسار التيه، تيهُنا نحن، بين نقطة المنبع وجُرف المصبّ قد يأخذ وقتا أطول مما يتصوره العدّاؤون الذين هم نحن، تنمحي فيه تاريخية المسار الوجودي وتتحول فيه الممارسة التأملية من داخل اللغة لا بوصفها أداة إبلاغية ولكن بوصفها وهما معرفيا ينظر للأنساق المتخفية في سراديب المعنى المفتقد، إلى مجرد خطاب للوهم المحض يبتاع ملخّصات كيميائية لحداثةٍ معلّبة في دِيزَايْن (Design) مستقبليّ صادم (لنا) كالعادة. هل ثمة من فرق إذن بين (الدّازاين) الوجودي           و( الدِيزاين) الرأسمالي المهتدي إلى نظرية البيع قبل التسويق والاستهلاك قبل الإنتاج؟
ليس ثمة من ضرورة استعجالية إذنْ، تفرض رؤية مخالفة لتوزيع السيولة الفكرية توزيعا يحيل إلى نسَبٍ تناصيٍّ من الدرجة الثالثة مفاده أن الناس شركاء في ثلاثة رابعها الحق في الاختلاف مع مفاهيم الاختلاف، والحق في مغايرة مفاهيم المغايرة، والحق في استرداد المعنى المستلب من وراء جدران المحميات الفلسفية الغربية وهي تحاول أن توهم القارئ المتعطش للقرينة أن الانغلاق على العالم (الغربي خاصة) أهم بكثير، من وجهة نظر الوعي بالممارسة الفلسفية، من الانفتاح على الذات وما فيها من انشطار حيويّ يؤدي، لا محالة، بالخلية الفكرية الواحدة إلى الانقسام على نفسها لكثرة ما تعرضت له من ضغط خارجي، والتمظهر الوجودي، من ثمّة، في حالتين متزمّتتين إحداهما تقليدية مغلقة، والأخرى حداثية متفتحة.
-2-
قد تنقسم الذات فعلا إلى خلايا متزمتة تعتمد في ما أتيح لها من برمجة مسبقة على الممارسة النظرية للأطر المعرفية وقد تتوخى بناء على ذلك انتهاج خطة حجاج في حقل معرفي لا يؤمن – في نظرها – بالإقناع وسيلة منهجية لتوصيل الفكرة. ولذلك، فإنها تصر على الأداة الإبهارية على مستوى الأفكار وعلى مستوى الخطاب لتحقيق إنجاز متقدم في ترسيخ الرؤية الاختلافية داخل بنية اجتماعية مغلقة في تصوراتها ومحكمة في رفضها للأنساق التحديثية واقعًا ومعايشة. ومن ثمة، فهي تسعى إلى تحقيق قطيعة معرفية مع الخلايا الأخرى، لا على المستوى الاجتماعي الهارب من بين أيديها لأنها لا تستطيع أن تتحكم في حراكه الفجائي، ولكن على مستوى النخب المثقفة نظرا لما يتوفر لديها من تميّع موقفي وقابلية في الاختفاء وراء الرهانات النظرية التي تعفيها من تحمّل المسؤولية الوجودية أمام التاريخ في حالة حدوث عطب فكري يؤدي إلى تسارع درامي مفاجئ للحادثة التاريخية. ولذلك فهي، أي الذات – ذاتنا- تجتهد في إيجاد الوازع التبريري لإخفاقاتها على مستوى التموقع في الحقل المعرفي المرتبط في المجتمع بترسّخ الثقافة التقليدية في المخيال العام للمواطن البسيط لأنها تمارس خطابا قريبا منه سوسيولوجيا من حيث اللغة والفهم، وذلك من خلال السعي إلى نقد الذات، أي نقد نفسها، بالمساواة مع نقد الآخر حتى تبدو موضوعية في طرحها. وهو نقد يسارع إلى تقديم الرهانات السابقة التي فشلت في تحقيقها على المستوى النظري والواقعي في شكل تمهيد معرفي لما يجب تجاوزه بالنظر إلى السيرورة التاريخية التي تفرض قراءة الواقع من وجهة نظره وتجاوز اعتراضاته الحتمية لتتمكن من تخفيف وطأة الحمل الثقيل للخيبات المتتالية على صعيد التوفيق بين متطلبات العيش في حقل معرفي مضاد ومتطلبات التوق إلى الأنموذج الغربي في صورته المثلى. ونرى ذلك جليا فيما تزخر به الكتابات النقدية التي تنتجها الذات المنقسمة من تناقضات و ما تحمله من مراجعات لهويات التشبث بالمسارات المتغيرة للفكر الغربي من خلال عدم قدرتها على إتباع أنماطه المتجددة وتوالد مفازاته المدرسية من مفكر إلى مفكر، ومن وجهة حداثية إلى وجهة حداثية أخرى تجددها أو تضيف إليها أو تلغيها.
-3-
وإذ تحاول الذات المنقسمة التي هي نحن نقد نفسها بإخضاع نفسها التواقة إلى نصفها الآخر إلى مسطرة المنهج وصرامته، فإنها تفعل ذلك، أو قد تبدو، لأجل القفز على ما أصبح مستهلكا للوصول إلى ما صار جديدا. ومن هنا، فهي لا تنتقد التقليد إلا من أجل الدعوة للحداثة، ولا تنتقد الحداثة إلا من أجل الترويج إلى ما بعدها، ولا تنتقد البنيوية إلا من أجل الترويج للتفكيكية، ولا تنتقد التفكيكية إلا من أجل الإشهار للتداولية، ولا تنتقد خطية السياقات إلا من أجل الترويج لتوالد الأنساق ورحابتها.
وتبدو الذات في هذه الحالة وكأنها رحّالة مستديمة تسبح في فلك دائرة المعارف الحداثية، لا يهدأ لها بال ولا يرتاح لها منوال، تنهل من عمق المغامرة الفلسفية معتقدة أنها الطريق الوحيدة للخلاص النهائي من ربقة المكبوتات المعرفية التقليدية التي لا زالت تطاردها وتقف عائقا في تحقيق رغبتها الاضطرارية في تدوير بوصلة المعنى وفق الرغبة الفرويدية المتعجلة، وبناءً على الإلحاح المصلحي في دفن نصفها الآخر حيًّا ووأد طموحاته المتعارضة مع طموحاتها. ومن هنا، فإنها تعيد إنتاجَ قصة (قابيل وهابيل) في ممارساتها النصية من وجهة نظر حديثة تلعب فيها دور الضحية من خلال الاستقواء على نصفها الآخر بما وفرّه لها (ألفونسو) في ملحمة السقوط الأندلسي من تخطيطات استراتيجية تُمكّن النصف الأول من أمير الطوائف المهزوم والأوفر حظاًّ في الوصول إلى مسامع (إيزابيل)، من بيع النصف الآخر من أمير الطوائف المهزوم الأقل حظا في الوصول إلى مسامع (إيزابيل) نظرا لصممه الأصولي. 
وهي في هذا المسعى لا تبدو أكثر من كونها لا تقوم بغير الدور الذي أوكلته إلى نفسها، الذي تعتقد أنه فُصِّل خصيصا من أجلها لأنها خلقت للقيام به. ومن هنا، فقد لا نتفاجأ كثيرا إذا اكتشفنا أن في كل نصٍّ مكتوب من نصوصها ثمة رجلا مكبوتا يسمى (الحسن الوزان) ينام نومة المستضعفين في مخملية المقاربة المعرفية للنص الأصلي، ثم سرعان ما يستيقظ على تغيير اسمه إلى (ليون الإفريقي) بما يتوافق مع الرؤية المعرفية لأصحاب النص الأصلي لتمكينه من التدرج في السُلّم الكهنوتي عن طريق الإخلاص في العمل والقبول بالبدائل التي تُقترح عليه. وهي بدائل من قبيل (الاستقلال مقابل التبعية، والبترول مقابل الغذاء، والحجاب مقابل البطاقة، والمواطنة مقابل الاندماج، والهوية مقابل الحداثة.. إلخ). إنه الدور نفسه الذي حدده لنفسه عن اقتناع معرفي واضح (مثقفٌ حداثيٌّ) آخر يسمى (عطيل) وهو ينافح عن السمرة المغربية لإقناع أب ديدمونة بجدوى البطولة العربية التي تعود بالانتصارات على الإمارة الفينيسية العائمة على ماء انتصارات المعارك البحرية من أجل الانتهاء بضربة استباقية مابعدية – ولكنها عملية وفاعلة هذه المرة – من سطوة بابا عرّوج وخير الدين اللذين سيلعبان بعد ثلاثة قرون دورَ الضحية النافارينية للنصف الآخر للذات المنقسمة ممثلةً في عطيل منتصرا على أعدائه في معارك الممالك البحرية.
ربما كان في هذا الدور بعض ما أوكله لأنفسهم العديدُ من الأدباء والمثقفين وهم يحاولون الدخول في الخلود الأبدي للذاكرة الغربية من خلال محاولتهم الاقتراب من المركز الذي يدل على انشدادهم الرهيب إلى التعلق بالأنموذج، وذلك من خلال مناداتهم بخصوصية الذات من داخل الرؤية المنصهرة للتصور الغربي المتمظهر في مقعد في الأكاديمية الفرنسية يضمن التقاعد (مابعد- الحياتي) في سلة المهملات الفكرية الغربية وهي تجدد رؤيتها بما يخدم نظرتها الشمولية للعالم.
-4-
ربما لكل ذلك، تضطر الذات المنقسمة، التي هي نحن، إلى (الاصطياف) نهارا في المنتجعات الافتراضية للفكر الإنساني النظري السبّاق في كل حالاته إلى اكتشاف البعوضة وجناحها، وأن (تُشتِّي) ليلا في الأحياء القصديرية للممارسة البائسة للتلفيقية الناجمة عن تراكمات خطاب سياسي واجتماعي وثقافي متمظهرٍ في صورته الواقعية اليومية، وهي تراه في أقصى حالات الترهّل ولا تنتبه تماما إلى أنه جزء مترسخ في منظومتها، وأنها عامل أساسي حاسم في ترسيخ آليات إعادة إنتاجه. ولذلك، فهي تنتقد الأنظمة المتسلطة التي أسست للتلفيقية على مستوى الممارسة السياسية والتقسيم الريعي المصلحي للمشاريع التنموية، وتلعن تصوراتها المتخلفة المحيلة إلى مرحلة القرون الوسطى في أوروبا حيث كانت الأنظمة السياسية الملكية تتحالف مع الكنيسة في توطيد الرؤية المتخلفة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، ولكنها في الوقت نفسه تتحالف معها تحالفا وثيقا على المستوى الواقعي نظرا لما تقتضيه ضرورة المصلحة، حيث تكون مجبرة محليا على ضمان نصيبها الريعيّ من فائض الكرم المادي والمعنوي الذي تُرشي به السلطةُ هذه الذات المنقسمة التي كانت في يوم من الأيام مثقفا عضويا في حراكه الثوري، ثم تحولت إلى مثقف نقديٍّ في طلائعية طموحاته الثقافية، ثم انتهت إلى كائن انتهازيّ يحمل مواصفات الأندرويد الأكثر تطورا لكنه يبقى مجرد أندرويد. وذلك كلّه من أجل تقليم (أجنحته المتكسرة) التي قد تنبت في باطن المعنى المستورد، كما قد ترفرف في مضماره النصي فجأة بطريقة متسرعة حينما يشتد الصراع بين السلطة ونصفها الآخر المنبوذ، أو حينما يشتد الصراع بينها وبين نصفها الآخر المنبوذ، ليكون مضطرا عندها إلى طلب الحماية المعرفية والمادية من السلطة، ولن يجد إلا السلطة المتخلفة الدكتاتورية المتفرعنة التي ما فتئ ينتقدها لكي تحميه من بطش نصفه الآخر المتربص به في ثنايا الفكرة وفي أزقتها. وهي، أي الذات، مستعدة في هذه الحالة للتحالف مع (جدانوفية) السلطة التي تعوّدت على مشروعها النقدي المفكّر فيه خصيصا لانتقادها، من أجل الحفاظ على (ماكارتية) تأسيسية تطمح إلى استبدالها بالجدانوفية فيما بعد، نظرا لما توفره (الماكارتية) من آلية إقصاء منهجيّ فاعل تكون فيه الأيديولوجيا قناعا تجميليا للطلاوة الليبيرالية التي تعتقد السمكة الأدونيسية أنها لا تستطيع العيش خارج تميّع سوائلها النظرية.
-5-
ذلك أن هذه الذات المنقسمة، ذاتنا نحن، – كعادة كل ما تحمله من صور المثقف الطلائعي بغض النظر عن موضة المنهج وخصوصية العصر – تعتبر نفسها فوق المعمعة بتعبير ريمون آرون في نقده للأيديولوجيات المعاصرة. وهو تعالٍ يضمن لها الإطلالة “الزيّوسية” من نافذة برج المعرفة على العالم السفلي حيث تربض بقاياها المنشطرة إلى أنصاف مشتّتة، وحيث تتداخل الأدوار وتتسع الهوّة، ويرفض كل نصف منها نصفه الآخر، ويتقاتلان في جحيم البحث عن الزعامة المخنوقة في قبيلة المعرفة الجهنمية. كما أنه تعالٍ لا ينطلق من معايشة واقعية للممارسة الفكرية من خلال النضال اليومي والمكابدة الحياتية، وإنما ينطلق من ارتواء جوّانيٍّ من مناهل الخطابات الغربية وفيوضاتها النظرية للتعويض عن (عقدة الافتقاد) التي حدثت لها جراء تعمّدها رفض السياقات التاريخية والأنساق الدلالية والمعرفية للثقافة الأم، لأنها باتت على قطيعة معها وأصبحت لا ترى فيها إلا تخلفها. في نهاية الأمر.. ماذا جنا عُطيل من كل رحلته المخلصة للآخر غير الانتحار أمام جسد ديدمونة البض من شدة نكرانه للذات.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق