ثقافة المقال

شعرية النص المحايد

كه يلان محمد 

يبدأُ تواصل القاريء مع النصوص الأدبية برؤية العنوان والمفردات التي سميت بالعتبة، هذا إضافة إلى العلامة التجنسية، كما أنَّ اسم المؤلفِ يكونُ عاملاً لتداعي ما يختزنه المتلقي من الأفكار واستعادة ما يعرفهُ عن هوية صاحب الأثر عليه، فإنَّ الأمر قد لا يخلو من وقع المُفاجأة نتيجة تبدلَ الوسمة التجنسية لمؤلفات الكاتب.
وهنا لا بدَّ من سؤالٍ: ماذا عن النص الذي يقعُ خارج حدود التجنيس؟ ولا يحضر سوى بعنوان حافٍ من العبارات التوضيحية مثلما يختبر المتلقي ذلك مع ما صدر للكاتبة الكورية هانغ كانغ بعنوان “الكتاب الأبيض” إذ يبدو العنوان ماكراً في دلالته موحياً بدور المستوى البصري في محتويات الكتاب، هذا من جانب، ويتناغمُ رنين المفردة مع تعويم النص بعيداً عن مُحددات التجنيس. علما بأنَّ الكاتبة توظفُ تقنيات القصة من المشهدية والكثافة والجملة الوامضة، أكثر من ذلك فإنَّ انسيابية الصور ضمن المشاهد الراصدة ليوميات المُتكلم بضمائر متنوعة يدني بالنص إلى فضاء الشعر.
ويكمنُ تميز التجربة في هذا الجنوح نحو اللامتناهي في التعبير وسبك شذرات نابضة بحرارة الذكرى وهموم الغياب والفقد. وصياغة الإفتراضات بشأن الوقائع والأحداث التي تمخض منها الحاضرُ. ويستمدُ هذا العمل بعدهُ الجمالي من الشكل والترتيب، عليه فإنَّ الكاتبة الكورية تأخذ باللغة إلى أقاصيها وتسستنفدُ ما فيها من الطاقات الإيحائية والتعبيرية لدرجة ينمُ أسلوبها بأنَّ صاحبة “النباتية ” تستنطقُ بياض الصفحة عندما لا تستجيبُ اللغة لكثافة الفكرة وحدة زخات الذاكرة، كما أنَّ الإهتمام بالعنصر المكاني هو ملمحُ آخر في بنيته، هذا إضافة إلى دلالات اللون، إذ يكتسبُ اللون الأبيضُ موقعاً أساسياً في مضامينه بحيثُ يتخيلُ إليك أنَّ الثيمات المتناثرة في أجزاء النص ما هي إلا امتداد للون الصامت.
تأملات
تتناولُ هان كونغ في نصها الموزع على وحدات معنونة هموم الغربة لافتةً إلى ما تتركه الحرب من الندوب في أعماق الإنسان وعلى جسد المدن، كما أنَّ النفس التأملي مبثوث في ثنايا النص، ومن الواضح أنَّ الصراع مع الزمن يكونُ جزءاً من حيثيات الكتابة الإبداعية. لذا تهم المؤلفة الإلتفات إلى هذا الموضوع والحال هذه تتواردُ المفردات الدالة على دور الزمن في حياة الإنسان، تأتي الإشارة إليه تارة من خلال هروب العمر خلسة، وتارة أخرى عبر العلامات الشاخصة على الملامح إذ يعبرُ المقطع المعنون بـ “رمل” عن رؤية الكاتبة للعلاقة القائمة بين الكائن البشري والزمن وهي تقول بأن الجسد بيت من الرمال يتسربُ من بين الأصابع.
يذكرُ أنَّ الزمن في الأساطير اليونانية وُصف بأنَّه مفترسُ لا مهرب من سلطانه وبدورها تقرُ كونغ بقوة الزمن التدميرية، لكن ثمة أشياء تظلُ منيعةً أمام سيله العارم. ويطوفُ شبحُ الموتِ في شذرات متناثرة على المساحة البيضاء إذ تستعيدُ الكاتبة قصة موت أختها بعد الولادة بساعتين، مشيرةً إلى أنَّ الأمَ لم تنسَ ذلك الحدث، وما فتئت تتحسر على اللحظة التى فتحت فيها الرضيعةُ عينيها وحركتهما باتجاه وجهها.
وعندما ولدت أختها كان أفراد الأسرة يعيشون في قرية صغيرة وصادف أنَّ الأم كانت وحيدة في المنزل حين استقبلت صغيرتها، وما زاد من صعوبة الموقف هو عدم القدرة على الإتصال بزوجها. وما منها إلا أنْ بدأت ترددُ عبارة “من أجل الربَّ لا تموتي” وينتهي هذا المقطع بمشهد رقود جسد الأم إلى جانب طفلتها وتخللت البرودة إلى أطراف الأخيرة، وأخيرا توقف البكاء وحل الصمت.
وما يشدُ الإنتباه في هذا السياق هو التحولات في الخطاب والصياغة. يبدأُ النصُ بخطاب غير مباشر، وما يمضي حتى ينتقل إلى أسلوب الخطاب المباشر. ومن ثمَّ تختفي الأصواتُ ماعدا صوت الكاتبة بوصفها راوية مراقبة.
تعودُ هان كونغ إلى حكاية الطفلة التي ما عاشت إلا ساعتين. وذلك عندما تقرأُ قصة رجل عاش في المدينة التى نزلت فيها، وما أنْ تعرف بأنَّ روح أخيه الذي مات وهو في السادسة من عمره في غيتو يهودي ترافقه وتتكلم معه بلغة غير مفهومة حتى تداعت في ذهنها قصة أختها متسائلةً “لو أتت طفلة أمي التي عاشت ساعتين فقط لزيارتي بطريقة مشابهة فإنني سأكون في حالة من الضياع التام لأنَّ الطفلة لم تسنح لها الفرصة كى تتعلم اللغة “تفردُ الكاتبة حلقات من سردها الخاطف لما عاشته الأمُ من مرارة الفقد وما عاينته من التبدلات في الجسد بعد الولادة.
تلتحمُ قصة موت الزميلين بالمادة المسرودة حيثُ يتمُ تخليد ذكراهما بغرس شتلتي ماغنوليا في مكان يواجه قاعة المحاضرات، وتلمحُ الكاتبةُ إلى دلالة شجرة أزهار ماغنوليا في اللغة الكورية.


طقس صغير
في قسم آخر من الكتاب تحاولُ الكاتبة الإبانة عن الحكايات المدفونة خلف مظاهر المدينة. إذ تقولُ بأنَّ كل ما يقع عليه النظر في ربوع المدينة من المباني ليس إلا ترميما لأطلال مدينة أخرى سويت بالأرض أثناء الحرب العالمية الثانية، وبذلك يتبدى شكل المكان غريبا للناظر فهو خليط ما بين أطلال القديم والجديد.
معجم الطبيعة
تختار الكاتبةُ المفردات المرتبطة بمكونات طبيعية، عناوين داخلية، لأجزاء الكتاب “الثلج، الضباب، الصقيع، غيوم، رمل، طيور” كما تكشفُ من مستهل عملها بأنَّ مغامرة الكتابة قد بدأت في الربيع وتستشف مما يتواترُ بأنَّ العاملَ وراء تفجر الذكريات هو التغرب في بداية المقطع المعنون بـ “ضباب”.
تتساءلُ “لماذا تطفو الذكريات القديمة دائماً إلى السطح هنا في هذه المدينة الغريبة!” إذ يتراءى لها الجسد في شوارع المدينة التى لا تفهم لغة أهلها في صورة حُجرة مغلقة على ذكريات حياتها. كلما زاد الشعور بالتغرب وغابت لغة التواصل، يشتدُ زخمُ الذكريات التي تحاولُ نسيانها. وعندما تمحى الحدود بين الأرض والسماء في ساعات الصباح الأولى لا تشاهدُ إلا المنظر الضبابي لشجرة حور.
تسترسلُ الراوية في استذكار علاقتها بالضباب واللون الأبيض. وما يزيدُ من جماليات اللغة وطاقتها التعبيرية هو التمازج بين الوصف والسرد الأمر الذي يغذي مخيلة المتلقي لدرجة يندمجُ مع المشاهد المسرودة. ما يعني إستنفار الإدراك البصري لإلتذاذ بالصور. تهمُ الكاتبة إضاءة ما هو مشترك بين الطبيعة والإنسان إذ يلفتُ نظرها وجود تشابه بين عظامها والحجر حين تقوم بإجراء أشعة مقطعية لتشخيص سبب ألم أصابها.
والغالبُ على ما تسردهُ الكاتبةُ هو النبرة النستولوجية، فذكريات الماضي تنهالُ على الذهن، وما لا يمكن فحصها هو ذكريات المستقبل التي تظهر على شكل ضوء يومضُ مثل غاز طبيعته مجهولة على حد تعبير الكاتبة. ولا تغيبُ التجربة العاطفية للكاتبة بين طيات النص إذ ذاقت ألم الحرمان من الدفء وما عاشته من الحب مرَّ مثل ومضة عابرة. وما أن ترى صورتها المنعكسة في المرآة حتى تحضر فكرة الموت مقتنعة بأنَّ عملية حب الحياة معقدة وطويلة لأنَّ عند نقطة معينة تتخلى عنها. كأنها تؤمن بما قاله سقراط بأنَّ على الإنسان أن يواجه الموت كما واجه الحياة. على الرغم مما عانته من تجارب قاسية فهي تريد أن تبدوَ مثل إنسان لم ينكسر أبداً معلنةً إيمانها بقوة الفكرة التى تفيد بأن إقتناعك بعدم تحطمك في الماضي يمكنك من تفادي التحطم في المستقبل.
يشار إلى أن هان كانغ تؤكدُ في حوار أجرى معها على أهمية أسلوب “الكتاب الأبيض” بالنسبة إليها فكان بمثابة طقس صغير تقوم به كل يوم وعن معاناتها مع مرض الصداع النصفي. تقول: عندما تنتابنى النوبة أتوقف عن القراءة والكتابة، والمرضُ ساعدنى على الإدراك أننى لن أخلد على هذه الأرض.
وتضيفُ كانغ بأنَّ الكتاب يصبون أفضل ما عندهم في مؤلفاتهم لذلك لا تريد لقاء كتابها المفضلين. مايجبُ قوله أنَّ ما يضمه هذا المؤلف يذكرك بما صدر لـ نجيب محفوظ بعنوان “أحلام فترة النقاهة”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق