ثقافة المقال

علمنة الأدب.. وإلغاء المعنى ؟ مع رولان بارت..

الجزء الخامس

كتبه: حبيب مونسي

كلنا ندرك اليوم أن “علمنة الأدب” هي نتاج الفلسفة الوضعية التي جاءت من شرط اعتبار العمل الأدبي “موضوعا” “شيئا” تجري عليه جميع أحوال معاينة الأشياء وأدوات دراستها، واستنتاج خصائها، والانتهاء بها إلى تصنيفات، وجداول، وحدود.. فمعاينة الموضوع لا تفرق بين موضوع وآخر، وإنما تجري ما تجريه على كل المواضيع، بغية الوصول إلى حكم موضوعي حيادي يمكن أن يوصف بالحكم العلمي. لذلك جنحت المناهج الحداثية إلى اللسانيات، التي عاملت اللغة باعتبارها موضوعا قابلا للملاحظة، والتصنيف، والإحصاء .. وقابلا لاستصدار أحكام توصف بالأحكام العلمية.. ولهذا السبب نجد “بارت” – منذ البدء على عادته- يستعمل أسلوب الجزم ليوهم القارئ أنه يقف على حقيقة لا تقبل النقاش، وأنها اليوم في الدرس الأدبي، مسلمة من المسلمات العلمية. إذ يقول: ( إننا نملك تاريخا للأدب، وليس علما للأدب. ) جملة يضعها أول الفصل ليتم عليها بناء ما تبقى من أحكام، واستخلاص ما يلي من آراء. ولا يتركها من غير تعليل إذ يقول: (ولعل السبب يكمن من غير ريب، في أننا لم نستطع حتى الآن أن نعرف طبيعة موضوع الأدب معرفة كاملة، مع أنه موضوع مكتوب.) إن القارئ الذي يتريث في قراءة هذه العبارة ويعيدها على نفسه مرارا، يدرك مدى المخاتلة فيها. ف”بارت” يدفع بين يديه عبارة “بلا ريب” ليوهم القارئ أن الأمر “من غير شك” وأنه” واثق من ذلك ” وما عليك أيها القارئ إلا أن تواصل القراءة.. هذا اليقين الذي يتجلى في كوننا منذ مئات السنين لم “نعرف طبيعة موضوع الأدب” هناك جزء ناقص، “معرفة غير كاملة” على الرغم من أن موضوع الأدب موضوع “مكتوب”. قد نتوهم أنه يقصد أن الأدب وموضوعه موجودان في الكتب كتابة! لا ليس هذا قصده! لأن مفهومه للكتابة مختلف عن مفهومنا، فقد غيره كما رأينا من قبل.. هذه الفجوة التي يفتحها بارت في موضوع الأدب “غير المكتمل معرفة” هي التي ستمكنه من إضافة ما يريد.. لذلك يجب الإقرار أولا أن العمل الأدبي: (صنع من كتابة) فحين الإقرار بهذا فإن: (علما للأدب يصبح ممكنا) ولنا أن نسأل بسذاجة فجة: هل للأدب من وسيط آخر غير الكتابة؟ هذا إذا استثنينا الآداب الشفوية المعروفة المتداولة بين الشعوب! فكيف يكون مجرد الإقرار بكون الأدب كتابة، يفتح باب فيه باب العلمنة؟ وبخطاوات الساحر الذي يعرف كيف يدلس على المشاهد الذي ابتلع الطعم، يواصل “بارت “في شيء من التواضع الممجوج قائلا: ( إن موضوع هذا العلم “إذا وجد في يوم من الأيام” لا يمكن أن يكون في فرض معنى من المعاني على العمل، وذلك لكي نرفض باسمه المعاني الأخرى: إن هذا يعرض العلم نفسه إلى مخاطر.) إن الذي نستخلصه سريعا من هذا الحديث، أن العلم الذي يقترحه “بارت” لا علاقة له بالمعنى، ولا شأن له به. بل لا يريده أن يكون علما – كما هو شأن العلوم الوضعية الأخرى- أن ينتهي إلى حقيقة واحدة، يعبر عنها القانون المستخلص منها. فهو لا يريد هذا النوع من العلم في الأدب. لأن المعنى الذي سينتهي اليه العلم، إذا طُبق على النص الأدبي سيمحو المعاني الأخرى المحتملة، ويبطل التأويل، لأنه في عقيدة العلم الوضعي عدم قبول التعدد في حقيقة الموضوع الواحد الموضوع تحت طائلة الملاحظة. إن مجرد قبول هذا النوع من العلم الذي يستبعده “بارت” يعرض علمه الذي يريد إلى خطر.. فهو يريد علما فارغا من المعنى أو علما لا صلة له بالمعاني، أو علما شكليا فقط. لذلك نراه يصرح بقوة قائلا: (لا يمكن لهذا العلم أن يكون علما للمضامين “فتلك لا يستطيع أن يسيطر عليها سوى علم التاريخ الأكثر دقة” ولكن يمكنه أن يكون علما لشروط المضمون، أي للأشكال.) لنترك إذا المعاني والمضامين للتاريخ، ونولي وجوهنا شطر الأشكال، نصف أحوالها والتغيرات التي تطرأ عليها، والتجديد الذي يصيبها.. فليس لنا شأن بما يقوله الشاعر، والروائي، والقصاص.. هذه أمور لا يمكن السيطرة عليها، وإنما نتركها للتاريخ يحصيها، ويدونها باعتبارها من مضامين عصر من العصور.. وزمن من الأزمنة. بيد أن الكلمة المضللة في العبارة هي كلمة “شروط المضمون”! فما المقصود بالشروط؟ هل هي السياقات البنيوية التي تتخلق فيها الأشكال؟ أم هي الشروط اللسانية التي تتحرك ضمن آليات اللغة في الكتابة؟ فعلمه المقترح الذي سيكون علما لشروط المضمون يهتم: (بالمعاني الممكنة التي تحدثها الأعمال.. وباختصار فإن هدف هذا العلم، لن يكون المعاني الممتلئة، ولكن سيكون على العكس من ذلك، المعنى الفارغ الذي يحملها جميعا.) وسيكون الأثر الأدبي الذي اجتهد صاحبه في ملئه بالأحداث، وشحنه بالعواطف، ووطّنه في الزمان والمكان، ولوّنه بالمحلية، أو وشّاه بالعالمية، ودفعه ليكون مؤثرا متأثرا بالسياقات المختلفة التي تكتنفه.. عملا فارغا.. خاويا.. ولا ينظر العلم الجديد إلا في إمكانيات ملئه من جديد، بما تريده القراءة احتمالا وتعددا. هذا الفراغ الذي يزعم “بارت” أنه سيحمل المعاني كلها..
يمكننا اليوم أن ندرك من خلال ما نقرأ ونشاهد، مدى “الخراب” الذي أحدثه مثل هذا التنظير، والذي جرت وراءه أقلام كثير من النقاد العرب شرقا وغربا، فلم يقدموا للأدب المحروم نصا نقديا واحدا،يحترم خصوصيته، وجماليته، ورسالته..
(رولان بارت- نقد وحقيقة- موت المؤلف- ت. منذر عياشي- ص: 91- 92- مركز الإنماء الحضاري 1994.)
 
الانتصار للذاتية.. في مقابل الموضوعية الجاهلة ؟ مع رولان بارت..
 
حينما نقرأ ل “رولان بارت” تفكيره النقدي، يجب أن نضع في اعتبارنا أننا لا نقرأ لناقد مدرسي يكتب عمله وفق خطة منهجية مدروسة سلفا، موضوعة في ورقة جانبية يتبع خطواتها عنصرا بعد عنصر إلى أن ينتهي إلى خاتمة تصفف فيها النتائج التي انتهى إليها في بحثه ذاك. وإنما نحن مع بارت أمام رجل يفكر تباعا، أي أن النص النقدي يتطور بين يديه ساعة الكتابة لحظة وراء أختها. وكأنه وهو يحاور الفكرة يتحول معها من صعيد إلى آخر تحولات مختلفة، قد تكون ممهدة فيسهل الانتقال معها من حال إلى حال أو تكون فجائية فنشعر بالدوار ونحن نقذف معها من طرف إلى آخر أبعد وأوسع. ذاك هو “بارت” المتفلسف في حقل النقد، لا يمكن أن نجد معه يقينا في المصطلح ولا في اللغة، ولا في مدلول العبارات التي يرسلها، بل علينا أن نتخيل.. أن نعيد بناء التصورات التي ينشئها لنفسه ويتحرك خلالها وكأنه يحاور نفسه أولا وأخيرا.. فلا يعطي فرصة للقارئ أن يتابعه برفق وتوأدة. ها هو الساعة يقول: (إن الكتاب عالم) وتلك حقيقة لا يمكن أن يحيط بها القارئ إذا لم يتوقف قليلا للنظر في شأن الرواية مثلا، أو القصيدة لا يرى فيها كتابة وحسب.. بل ليدرك أنها في حقيقة الأمر “عالم” تقدمه اللغة في مشقة كبيرة، وهي تحاول أن ترفعه من خلال “التخييل” إلى عين القارئ، حين تتوارى الكلمات فاسحة المجال أمام المشاهد، بما يعمرها من حركات وأفعال ومشاعر، وما يكتنفها من أزمنة وأمكنة.. “عالم” يضج بالحياة والحركة. هذا العالم الذي يشقى وراءه كما تشقى اللغة، ناقد: ( يكابد إزاءه من شروط الكلام ما يكابده الكاتب إزاء العالم.) وهو إفصاح مكثف عن دائرة إبداعية، تبدأ بتفكيك العالم المعطى على يد الكاتب لتحويله إلى لغة.. تلك العملية التي تشبه إدخال جمل في سم الخياط، وتنتهي بتركيب يقوم به الناقد لعالم مواز ينشئه من كلمات وجمل يعتصر منها منتهى ما تستطيعه من ظلال لتأثيث ذلك العالم الجديد الذي ينشأ بين يديه.. ولا يكون بأية حال من الأحوال مطابقا لما كان في متصورا في ذهن الكاتب.. سيكون مقاربا، مشابها.. وما شئنا من درجات القرب والبعد وذلك لاختلاف أزمنة القراءة وجمهور القراء.. يسمي “بارت” هذه “المسافات” التي تنوع التلقي “تشويها” فلا اللغة بقادرة على أن تحمل العالم كما هو في خلد الكاتب، ولا هي قادرة على أن تقدمه كما هو في تصور القارئ.. غير أن هذا التباين لا يمكن أن يكون في كل الأحوال تشويها.. بل هو طارئ من مقتضيات الأدب في مواجهته لجمهوره.. ساعتها يتساءل “بارت” عن المسؤول عن هذا التشويه، وهذا الزيغ في التلقي قائلا هل هي: (الذاتية التي جعلوا منها للنقد الجديد قضية القضايا؟) إذ ليس للقارئ إزاء نص روائي إلا ذاتيته يمتح منها ما يمكن أن يكون عونا له على بناء عالمه الجديد. تلك الذاتية التي كونت من سياقها الثقافي والمعرفي ما يمكنها من إعادة تأثيث اللغة بدلالات تناسبها في مشروعها القرائي. إنها عين الذاتية التي اجتهد النقد الحداثي في محاربتها، ووسم نتاجها بالاعتباط والانطباع.. لا يجد “بارت” بدا هنا من الدفاع عنها ورفع الحيف عنها قائلا: ( إننا نفهم عادة أن النقد “الذاتي” خطاب متروك تماما إلى فطنة “الذات” ) وأن هذه الذات: (لا تعير الموضوع أي اهتمام.) وأننا نفترض أنها : ( مقتصرة على التعبير الفوضوي، وعلى ثرثرة المشاعر الفردية.) هذا ما هو مفهوم لدى الغالبية من الدارسين، يعيد “بارت” سرده من جديد، للتذكير بالتهم الموجهة إلى الذات والذاتية. ثم يقوم بالمرافعة من أجل إعادة الاعتبار إليها، فيقول: (ويمكننا أن نرد على هذا الزعم، بأن الذاتية المنظمة ذاتية مثقفة “تنتمي إلى ثقافة” وتخضع لمقتضيات عظمى، وهذه المقتضيات هي نفسها ناشئة من رموز العمل.) ولسنا ندري الآن أمام هذه المرافعة العجيبة، كيف تكون الذاتية منظمة.. مثقفة؟ ونحن نعلم أن كل الذاتيات تنتمي حتما إلى ثقافة مهما كانت قيمة تلك الثقافة. ولنا أن نتساءل عن المقتضيات العظمى، ما هي أولا؟ كيف تنشأ من رموز العمل ثانيا؟ ربما تكون الذاتية المنظمة التي يدافع عنها “بارت” هي ذاتيته الخاصة، التي يكتب بها تفكيره ونقده.. يريدها أن تكون ذاتية مثقفة، منظمة، تستخلص معرفتها مما توحي به نصوص الأعمال الأدبية التي يشتغل عليها. كل ذلك ليعطي شيئا من المصداقية لما يقوله ويكتبه الآن. وربما كان هذا سبب تحامله على “الموضوعية” التي يطالب بها “علم الأدب” و”النقد الحداثي” حين يقول: ( وربما كان لمثل هذه الذاتية حظ في مقاربة الموضوع الأدبي أعظم من موضوعية جاهلة عمياء، ومنغلقة على نفسها، وتختبئ خلف الأدب كاختفائها خلف طبيعة.) صحيح يمكن للقارئ الذي يعرف سياقات هذا الكلام أن يدرك أن “بارت” يشير إلى موضوعية النقد الكلاسيكي ممثلا في “بيكار” خصمه الشهير في السربون، وأن هذا التفضيل للذاتية على الموضوعية ضرب من السخرية بالمقرر النقدي الذي لا يفسح مجالا للهذيان “البناء” و”الذاتية” المثقفة.
(رولان بارت- نقد وحقيقة- موت المؤلف- ت. منذر عياشي- ص: 107- مركز الإنماء الحضاري 1994.)
يتبع..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق