ثقافة السرد

بياض اليقين*

بقلم : د. عبد القادر عميش

قلت :إعلمي بيض الله تعالى وقتك .أن صاحب الحال

يجتاز المسافات  الصفاتية والزمنية الفاصلة بين المقامات والمنازل بسرعة مذهلة ..لأن الحال له طاقة فاعلة في وجدان الصوفي. تغيبه عن رؤية نفسه، وحظوظها ..وعن رؤية الدنيا ومغرياتها. ومن ثم يتحقق  لصاحب الحال اجتياز المقامات وهو مغيب عن إحساسه بوطأة الرياضة والمجاهدة.

قالت وقد دمعت عيناها ولم تبكي:

لا إله إلا الله

قلت : وأن محمدا رسول الله.

سكتنا وقتا.. ربما كنا كعادتنا نفكر بنفس الطريقة وفي الشيء نفسه.. أقول ربما ..كنت وقتها على وشك البوح   المفجع.. لساني ثقيل الآن وكلماتي متيبسة. ملساء .

متكلسة .عالقة بأطراف لساني المشلول ..أريد أن أقول لها وداعا أيتها الغالية.. أريد أن أسمعها لآخر مرة :

قلت :إعلمي بيض الله تعالى وقتك .أن صاحب الحال

يجتاز المسافات  الصفاتية والزمنية الفاصلة بين المقامات

والمنازل بسرعة مذهلة ..لأن الحال له طاقة فاعلة في وجدان الصوفي. تغيبه عن رؤية نفسه، وحظوظها ..وعن رؤية الدنيا ومغرياتها. ومن ثم يتحقق  لصاحب الحال اجتياز المقامات وهو مغيب عن إحساسه بوطأة الرياضة والمجاهدة.

قالت وقد دمعت عيناها ولم تبكي:

لا إله إلا الله

قلت : وأن محمدا رسول الله.

سكتنا وقتا.. ربما كنا كعادتنا نفكر بنفس الطريقة وفي الشيء نفسه.. أقول ربما ..كنت وقتها على وشك البوح   المفجع.. لساني ثقيل الآن وكلماتي متيبسة. ملساء .

متكلسة .عالقة بأطراف لساني المشلول ..أريد أن أقول لها وداعا أيتها الغالية.. أريد أن أسمعها لآخر مرة :

عيناك  ..يا بنت البتول ..حمامتان وبندقيه.

تمنيت صادقا لو كنت وقتها ضريرا تملأ الظلمة بؤبؤ عيني,حتى لا أرى دمعها يجري ..تمنيت لو كنت الآن ابكم لا يحسن لغة الإشارات.. فبإي الأساليب أقول لها ما معناه وداعا فلا أأذيها..لا أجرح مشاعرها. فكرت وقتها في أن أبعث لها رسالة من الفندق عن طريق sms كأن أقول لها بالحرف الواحد:

عزيزتي هايـدي .حبة القلب آسف إذا ما قلت لك وداعا .سأرحل غدا .قدلاأراك أبدا. فقد لاتبكي .أضحكي من أجلي..وداعا وداعا.ووداعا.

أستاذك العزيز:

وسأبيح لنفسي الكذب لأول مرة، لأني وقتها سأبكي بالفعل إلى درجة الإغماء. وربما لن أضحك أبدا . وقد أبيح لنفسي لبس السواد..وقد أمشي حافية القدمين.مشردا.وقد أعفو عن لحيتي زمنا..أشعث    الشعر.أقول ربما.

قاطعت تفكيري بسؤالها التخميني.وبفراسة المرأة   الغيورة:

متى ترحل ؟

قلت بارتباك كالذي يشعر بذنب عظيم ارتكبه:

لا أدري بالضبط.. ربما غدا ..لا أدري..ربما. أقول ربما..

كنت أعرف أنها تعرف الآن أنني أكذب .يقينا هي تعرف أنني أكذب . مرة أخرى أبحت لنفسي ارتكاب  المعصية .

قالت وهي تكتم صرخة ستزلزل قسنطينة يقينا .ستلفت  انتباه الطلبة.. ستذيب الثلج المجمد من حولنا.ستلغي البياض من يقينه. وقد تلبس البياض السواد :

أتمنى لو كنت ضريرة الآن.. حتى لا أراك وأنت ترحل وتتركني وحيدة وسط الثلج.

لم أجبها وقتها.. كان الجنون قد قبض على عقلي تماما. وسدت عيني سحابة سوداء. لم أعد أراها..كنت أسمع صوتها الذي يشبه النحيب أمامي..لكن صورتها أختفت تماما..فقد كنت أسمعها تقول من خلال شهيقها الذي صار الآن مدية حادة:

يقينا سأموت من بعدك ياعزيزي. سأجن يقينا.. سأتشرد في شوارع قسنطينة زمنا. حافية القدمين . رثة الحجاب . سيلاحقني الصبية بالحجارة . ربما سأموت وحيدة في  ليلة قسنطينية ثلجية ..

وارتفع عويلها المفجع. وهي تعاتبني بكلام متقطع محمولا على شهيقها:

لما تتركني وحيدة وسط الثلج؟خذني معك أرجوك..لا تتركني مجنونة وسط الثلج.. لماذا منيتني ؟ ألم تقل أنك ستكون المشرف على رسالتي للماجستير ؟ ووعدتك أنني سأتخذ من  نصوصك موضوع رسالتي . لماذا ؟ لماذا؟.

أخذت حفنة ثلج ..طمرت وجهي بين الثلج .كالنعامة..تجمد وجهي .سكن الدم في عروقي.

أغلقت عين كاميراالهاتف..سقط الهاتف من يدها الرقيقة المرتفجة.. كانت ماتزل تشهق . مخنوقة .وهي تردد :

يا إلهي سأكون وحيدة إلى الأبد..آه إلهي أتمنى لو كنت  الآن تحت الثلج .وحيدة منسية تحت الثلج.

قالت وحيدة. وصرخت أنا في داخلي. .لفظة: وحيدة.. لفظة أحد من السكين .ثم رحت أعاتب نفسي الغبية: لما قدمت إلى مدينة قسنطينة  بالذات؟ لما تجرأت وقلت لها أنك تشبهين هايدي حبة القلب.. ياقوتة الثلج؟

ما ذنبها حتى أنقل لها هذا الحزن الجارف .أي جناية  ارتكبت في حق هذه الغالية.. قطعت كل هذه المسافة فقط لأقول لها وبغباء نادر:

عيناك ..يابنت البتول ..حمامتان وبندقيه.

واليوم أقف أمامها كالأبله لا أحسن تركيب جملة مفيدة .    تلميذ غبي يقف الآن أمام معلمته .يحك  شعر رأسه وقد أنعقدت عقدة لسانه..تلميذ كان منذ وقت قريب يقول الشعرالحر ويتغنى به تعبيرا عن مشاعره الرقيقة. الراقية . والآن أضحى بليدا لا يقوى على تركيب جملة مفيدة .. أليس من الصواب والعدل لو كنت سافرت إلى جامعة غروزني فأكمن ليوري غودانوف بين الثلج .وأفرغ في بطنه المتكرش .المملوء بالفوتكا أو الجيعة. خزان كلا شنكوف؟.. ثم يلقى علي القبض.

وأعرض على قنوات اشطيح وارديح العالمية .على قناة الجزيرةأو قناة  االمنار. أو ربما الأورونيوز . ولما سي أن .أن. مكبل اليدين إلى الخلف. أشعث الشعر. مكدوم الوجه..وفي أسفل الشاشة عبارة : خبر عاجل..ثم.. .تقطع ذراعي اليمنى, وساقي اليمنى, وأذني اليمنى . وتسرق كلتي اليمنى .ثم أدفن إلى جانب هايدي حبة القلب ألتي بتر ثديها الأيمن, وساقها اليمنى, وذراعها اليمنى. وجز شعرها . فيكون قبري إلى جانب قبرها.. قبران متجاوران منسيان وسط الثلج..أراها وتراني كل يوم .وقد رفعت الحجب بيننا إلى الأبد. وربما سمعت ضحكتها باستمرار . وقد نبعث معا.. ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم : يحشر المرء مع من أحب؟ .

أقول ربما بعثنا معا. بلا ذراعين. بلا ساقين. بلا كليتين. وقد بتر ثديها الأيمن . وجز شعرها. فيقول الله

عز وجل لنا: عبدايا. لما فعل بكما هكذا؟ فنقول بصوت واحد: في سبيلك يا ألله.

فيقول لناجل وعلا: صدقتما.. عبدايا تمنيا علي ما   شئتما.

فنقول بصوت واحد: ربنا احشرنا معا.

فيكون لنا ما طلبنا .

ثم واصلت أعاتب نفسي .

لما تركت قاتل هايــدي يوري غودانوف؟.

قلت كأني أ عزيها. أو ربما أواسي نفسي:

سنتواصل بالتأكيد.. فقط لا تحزني ..أدام الله النقال..

قالت مازحة كعادتها: آمين يارب العالمين.

وحاولت أن تبتسم ولم تفعل. كانت نيران الحزن قد اندلعت ويصعب الآن إخمـادها ..اجتاحت عالمـها

الباطني. والمصيبة أطلت براسها من عينيها الحائرتين.الدامعتين .

قالت: هذا صحيح ..سنتواصل يقينا .فقد تعددت مواقعنا الإشراقية والتواصلية .منها الهاتف . والإيملات.

E-mail. وربما أراك في رؤيا ناصعة كفلق الصبح البين.

ثم تساءلت بانكسار ظاهر، وهي ماتزال تتطلع إلى مدينة قسنطينة..قالت بذهول:

متى تنوي السفر إلى دمشق؟

قلت :لاأدري بالضبط..لكني سأسافر قريبا ربما.

قالت وغصة تخنقها:

خذ بالك من نفسك .

قالتها بصدق..بصيغة التوجس..ربما كانت الآن ترى

مستقبل سفري بنور الكشف..والتشوف.

ثم التفتت جهتي وصارت تنظر في عيني مباشرة .كأنما تشبع رغبة ما في نفسها.. ربما كانت تودعني للمرة  الأخيرة ..ربما كانت تتتواصل معي بلغة التبصرة والتي أجهل فك شفراتها . كنت وقتها التلميذ الغبي الذي ضيع لسانه.. إلهي ما أغباني .وقتها..أنزلت عيني أرضا .خشيت أن أقول لها بغباء:

عيناك ..يابنت البتول ..حمامتان وبندقية

رفعت عيني مرة أخرى، كانت ماتزال تشيعني بعينيها الدامعتين.. ثم قالت بانكسار وحرقة :

لا تنسى تسجيل مداخلتك في الملتقى.

قلت بيقين :

أكيد ..سأفعل .

ثم استدركت معلومة ربما خففت ما بها.. قلت لها :

ربما بعثت لك شريط مداخلتي مع صديقي الشاعر .

قالت متعجبة:

ألك صديق هنا بقسنطينة؟

قلت : لي صديق بجامعة باتنة..كنت قد أخبرتك عن       .ذلك الشاعر. بجامعة باتنـــة.

ابتسمت قليلا. فأضاءت أركان قلبي. وتسارعت دقات

قلبي التعس. قالت:

آه نعم ..تذكرته ..صاحب قصيدة : التيه.. والدروب

قلت : طبعا أنت تعرفينه جيدا .

ثم سألتها إن كانت تحفظ له بعضا من شعره.

قالت وغمامة الحزن ماتزال تحجب سماء نفسها:

أحفظ قصيدة التيه والدروب كاملة. وراحت تنشدني  مقاطع حزينة منتقاة .أخرجت بدوري هاتفي النقال .وتهيئت لتصويرها. قالت:

وحيدا…

تمر علي الزوابع..

تملأ حلقي غبارا..

وتعجن بالعرق المتصبب من جسدي صنما..

يتفيأ في سقف بيتي

وفي ظل جرحي

*********

تضيع القصائد مني

تضيع الحروف التي رافقتني

تضيع المواويل والأغنيات

تضيع….

ولكن وجهك مأوى اغترابي

*********

عين الكاميرا . تسرد في صمت . وعينها تذرف دمعا ناريا في صمت أيضا..تبكي بحرقة .تتوقف قليلا .

تتجمد القصيدة على أطراف لسانها..تتجلد ..تستغفر الله مرات . تمسح دمعها .تأخذ شهيقا عميقا. ثم تواصل:

وحيدا …

أفتش في كل درب عن اسمي

وتاريخ عمري

ولـون اشتياقي

وطعم احتراقي

وتاريخ حبـــي الطويل .

ويرتفع عويلها .. تصيح بصوت مسموع هذه المرة

..أماأنا فلم أعد أرى شيئا من خلال عين الهاتف. كل    شيئ أسود ..اختفى البياض .. لم يعد هناك بياض

بالمرة .. إلهي أين بياض اليقين ؟ أين نور الكشف؟.     ضاع الوصل . وبانت دروب التيه .

حاولت أن أتماسك أكثر. .بحركة زوم قربت وجهها .إلهي رب الشريعة السمحاء . إغفرلي خطيئتي . أنا    أعلم أن العين تزني..وأن النظرة سهم من سهام الشيطان..مرة أخرى أبحت لنفسي أرتكاب الخطيئة .كيف أنظر إلى وجهها . إلى عينيها..أستغفرك ربي وأتوب إليك.. فقط علي أن أواصل التصوير فأنا  أعلم

أنني لن أراها أبدا . لن أسمع ضحكتها أبدا . لن أتسبب في بكائها أبدا .

واصلت تقرأ شعر صديقي الدكتور. ولكن بمشاعرها هي . لا بمشاعر صديقي الشاعر .كنت أعرف أنها شاعرة فقط أنها لا تكتب الشعر .غيرت المقول الشعري من صيغته المنقولة إلى الصيغة المباشرة . قالت :

ياأنت..

يا برعما يتوضأ من عروقي..

يستريح بعمقي

يصاحبني طائرا عبقري النغم..

عرفتك أنت المطاف..

وأنت النهاية  والبدء..

أنت أنا.

فيا أنت ..

أنت ا شتياقي .

وأنت احتراقي

وأنت الأغاني التي تتردد في لغتي

وأنت مطافي..

ونبضي..ولون دمي.

فمن أي درب أ جيئ إليك؟

أطل عليك.

أمد يــدي إليك.

ومدت يديها باتجاهي.. بحركة مسرحية تراجيدية .ظهرت لي وقتها ممثلة كبيرة .من المحترفات. والثلج من حولنا خشبة بيضاء تمتد بلا نهاية . خشبة بلا جمهور.. غيب البياض جمهورها.

ثم ختمت قصيدة صديقي . بمقطع استفهامي مخيف..شعرت أنني معني بالإجابة عنه الآن قالت:

فمن أي درب أطير إليك

وأمسح عنك وعني رماد المنافــي؟

قلت: لا إله إلا الله

قالت : وأن محمدا رسول الله.

سكتنا وقتا . ولم نضحك هذه المرة . ولم نبك أيضا. كل ما فعلناه . رحنا نتأمل مدينة قسنطينة في صمت ثقيل .كنت أشعر في قرارة نفسي كأني أكتشف قسنطينة لأول مرة . خاصة وأن بياض الثلج بدأ يختفي..

هكذا الثلج يذوب في صمت بلا برق و بلا رعد ، بلا عاصفة منذرة. وأيضا يذوب في صمت تام..غالبا ما يختفي الثلج ليلا. كما نزل ليلا.. حقا عجيب أمر الثلج .يستقبله الأطفال بالفرح . واللعب. حتى الكبار يمنحهم طفلوتهم من جديد. وحين يختفي .يختفي في صمت لا   أحد يعبأ لرحيله.. لا أحد يحزن لا ختفائه . هو مثلي حزين حين يفارق محبيه. الأطفال أحباب الثلج. وعياله..

قلت لها بتجلد الرجال الكاذب. متظاهرا بالصبر المخادع: السلام عليكم

ردت بعبارة أدق من عبارتي :

وداعا ياأستاذي …ثم همست مع نفسها .يا عزيزي. قالتها . بهمس . وحياء نادر. قالتها ولحنتها..كأنما تتلذذ بإيقاعها. بوزنها . شعرت أنها تريد أن تحتفظ بها داخل نفسها .ربما كانت تتلفظ بالشفرة الذكية.. شفرة

التواصل  الخفي . لغة المكاشفة واليقين .

كنت  مازلت على ما يبدو مصرا على مواصلة النفاق  كان ضعفي وعجزي. ربما غبائي النادر . يدفعني  لأقول لها السلام عليكم . وأنا أقول لنفسي . في عالمي الخاص : وداعا أيتها الغالية .

كانت أصدق مني وأجرأ .حين حافظت على لغة الخطاب..لغة المقام .أو الحال .حينما قالت : وداعا.

ناولتها  هديتها . كنت أنوي أن تكون مفاجأة  لها :    سلمتها شريط سامي يوسف .my ummah وشالا بلون الشـهد الجبلي.وناولتني بدورها  علبة صـغيرة

مغلفة بورق وردي.أنثوي جميل. وقد كتبت على ورقة:إلى أ ستاذي العزيز(…)ختمت عبارتها بنقاط.

نقاط بين قوسين:(…..).

ودعتها  واتجهت مهرولا .حيث ينتظرني صديقي السائق الذي صار صديقي. لقد تعود إيصالي من وإلى الفندق والجامعة .يشفرلي .رنات ثلاث Bip . أنزل من الفندق فأجده ينتظرني  داخل سيارته الميغان         mégane  وهويستاك .وهو يتمتع بشريط سامي يوسف أوعندما أغادر كلية العلوم الشرعية . أجده أيضا مازال   يستمع لسامي يوسف ..في البداية قسم باليمين الغليظة  علي أن أذهب معه إلى بيته :

كان يقول بإصرار : أنت بين أهلك. .الفندق للغرباء..   أنت أخي وضيفي. وأحيانا يمازحني وهو يقول : أتعرف قصة الكرم عند إخواننا الدمشقيين ؟ إذا أحبوا الضيف يكسرون فنجانه بعد انتهاء الضيافة .

ثم يلتفت جهتي . يطلق مقود سيارته .يمسح على لحيته المشبعة بمسك: نبراس .يقول :

أتعرف لماذ؟

أهز رأسي : لا أعرف

يقول هازا رأسه إعجابا بصنيع الإخوة السوريين:

يكسرون فنجان الضيف حتى لايشرب فيه أحد من بعده

. أكراما له.

قلت مازحا:

وأنت ماذا تكسر لتعبر عن حبك لي؟

يقول بحماسة نادرة  وهو يقهقه بصوته العالي:

أقسم  سأكسر الطاجين .

فنضحك معا .ننجز معا ضحكة مشتركة . نسردها معا. كنت أناديه أخي المكحل. فيضحك من عبارتي تلك. وهو يقول لي:

راك حاب تباصيني  يا أ ستاذ؟

فأجيبه.. أطمئنه:

لا تخف يا أخي نحن في عهد الوئام . نحن أخوة. مكحل

ومنمصة. جلباب أو سروال جينز. كلنا جزائريون والتمت فرنسا وحركة فرنسا الجدد..

أحاول ألا ألتفت إلى الوراء.أخشى النظر إلى الخلف .      تماما كما أخشى العـودة إلى بداية السـطر .كل بداية

صفر .عدم.انتكاسة ..

كنت أعرف أنها ماتزال تشيعني بعينيها الدامعتين. وهاتفها يلاحق ظهري . عين كاميرا الهاتف أيضا تشيعني..ربما هي الآن خلفي تلوح لي  بيدها الضعيفة. وتستغفر الله .. كنت أردد مع نفسي الحزينة عبارة :

وأن محمدا رسول الله . لأني أعلم أنها كانت تقول من خلال شهيقها : لا إله إلا الله.

هكذا تعودنا أن نلجأ إلى الإستغفار . سيدي الإدعية وشفاء ما في الصدور.. تمنيت وقتها أن أختفي بسرعة  البرق.. في رمشة عين . أن أذوب في الثلج . أتماهي

.وأنفلش..كنت أشق طريقي وسط الطلبة . متعثرا وسط  الثلج.. كنت وقتها أ سمع بعض الطلبة يحييني . أو

يقول أحدهم : رافقتك السلامة يا أستاذ..بعض الطالبات تبتسم لي في خجل وهي تهز رأسها المخمر ..أخمرة من كل الألوان : الأبيض ,فالأسود .الأخضر..فالتي لا أعرف لونها..تعودت عيني على رؤية الخمار العسلي.

وحده الخمار العسلي يمنحني طاقة الحكي . يشحنني بشعرية السرد..الخمار العسلي وحده قادر على منحي   رغبة الكتابة . هو ملهمي في ساعة العسر. والليل إذا يسري . كم كنت أتنمى مع نفسي وأنا أكتب . أن أمنح كلماتي اللون العسلي .. أن أنزع عنها لون السواد. لما لا تكون الكتابة بالعسلي؟ ..عيني في شوق إلى لونها الساحر.

أ جري .. فقط أجري باتجاه سيارة الأجرة ..ولساني لا يكف عن التوحيد: لاإله إلا الله.

وأجيب نفسي الحزينة : وأن محمدا رسول الله

هي أيضا ربما ماتزال تكررها .تلحنها . بصوتها العذب . ربما كانت الآن تجــودها . فهي مقرئة من

الطراز النادر..لم أقل لها أن صوتك بالفعل عورة..كتمتها .إحتفظت بها في قرارة نفسي. وأنا استغفر الله رب الشريعة السمحاء.قالت وقتها : أتجوز لي رفع صوتي ؟

تماديت  وقتها وأنا أفتيها.: أجزت لك ذلك . واستغفرت الله في قرارة نفسي…

أصعد إلى السيارة على عجل .وأطلب من صديقي

المكحل أن يسرع .أن يضغط على دواسة المازوط بكل قواه.. نسيت تماما أن ألقي عليه السلام . لا يهم الآن . .انطلقت السيارة بجنون بين زحمة الطلبة .ذكرني ذلك   بألأفلام الأمريكية .

ألقيت نظرة سريعة في المرآة العاكسة .فوق رأسي. كانت ما تزال تشيعني .من خلال جموع الطلبة . وحيدة كانت . وسط الثلج ..بحجابها الطويل. معطفها الشتوي.

ذكرتني هيئتها وسط الثلج  بقصة المعطف.. المنقوص

من زرين. تذكرت أيضا وبسرعة حين نزعت الزرين  الكبيرين . وثبتتهما على وجه رجل الثلج . لتمنحه عينين كبيرين ..كنت ألعن يوري غودانوف قاتل هايدي حبة القلب.. ياقوتة الثلج.. ألعن الغرب الصليبي الحاقد.. كنت وقتها أسترجع ما خزنته ذاكرتي من

ضحكها الذي لا يشبهه ضحك.. أتصنت لرنين الفضة المتدحرجة عبر ذاكرتي المتعبة .. أســترجع مقولة

هايدي وهي توصيني : إذا أردت أن تراني فانظرإليها فإنك ستراني يقينا.. والآن أنا لا أراها..هي الآن ذكرى عالقة في أقصى الذاكرة …

وسأواصل كذبي  الفاضح .حين أقول لطلبتي :أكيدأن هايدي ستأتي .يقينا. فقط تأخرت عكادتها . وسأحجز لها مقعدها أمام مكتبي تماما .حتى أستمر في رؤيتها . وأرى ابتسامتها الخجولة مباشرة . لا حاجب نيننا. وقد أطلب منها أن تقص علينا .أو ربما تقص لي أنا وحدي

.تسرد لي أنا المتلقي .المحكي له . والمحكي عنه .أو عنها .لا يهم التماهي . بيننا.فكلانا واحد في واحد.ذاتان توأمان . يوحدهما البياض . بياض اليقين . وأنا اليقين  بعد الظن قطعا لا ظن من بعدي.

أقول سأطلب منها أن تحكي لي أنا وحدي . قصة غروزني . حكاياتها مع زميلاتها في جامعة غروزني .وعن موت أخيها آدم . وعن موت أمها وسط الثلج..

سأطلب منها أن تظل تحكي  ولا تتوقف . أن تستمر في عملية السرد . حتى آخر حصة الدرس.. ولن أمنع طلبتي من البكاء هذه المرة ..فقط أنها ستأتي هذه المرة . ربما ستأتي يقينا . أقول ربما ..

فصل من رواية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق