ثقافة المقال

مأساة بوناطيرو…

لعلاونة محمد الأمين

هي ليست مأساة رجل واحد يدعى “لوط بوناطيرو”؛ بل هي مأساة تاريخ حافل باحتقار العلماء وتهميش ذوي الشأن؛ هي مأساة الاسم عندما لا يكون غربيًا ومأساة العالم عندما يتواضع للجاهل.
عُرف “لوط بوناطيرو” عند الجزائريين كعالم فلك موسوعي، يتحدث عن “الزلازل” كما يتحدث عن “المواقيت” ، شخصيةٌ رغم ثقل سيرتها العلمية إلا أنَّها لم تحظ بالاهتمام والرعاية، ظل “بوناطيرو” يجوب الاستوديوهات منذرا بتحركات الطبقة الأرضية، أو مبشرا برؤية “هلال رمضان” في مواقيت محددة سمح له تخصصه العلمي بإدراكها؛ ما جعل الجزائريين يعقلون اسمه بـ”الجيولوجيا” أو بـ”هلال رمضان”، ظانين أنَّ الرجل ” عشابٌ” أو ” “مشعوذٌ”؛ بيد أن المطلع على سيرة الرجل، سيجد أن ” بوناطيرو” متحصل على شهادة “دكتوراه الدولة” في “علوم الفضاء” بتقدير “ممتاز جدا” ودارسٌ متمكن في مجاله البحثي، لكن تواضعه الشخصي فتح الباب لكل من هب ودب بالطعن في مصداقيته، أو التنكيت على أبحاثه، خاصة مع ظهور فيروس “كورونا” واستفحاله في الجزائر، ليخرج الرجل متحديا الجميع بأنه يمتلك العلاج، لا عن طريقه؛ بل عن طريق فريق طبي أو هيئة دولية هو المسؤول عنها والمتحدث باسمها، وما هي إلا دقائق حتى تعالت صيحات الشامتين، وهمسات المحبطين، الذين بالأمس القريب فقط كانوا يهزؤون بدواء ” توفيق زيعيبيط” واليوم يستوردونه من تركيا بضعف ثمنه.
إن مأساة ” بوناطيرو” في الجزائر اليوم هي مأساة مجتمع مريض بالشكليات؛ مجتمع لا يعرف إلا النقد في شكله الهدام؛ فأن تؤمن بعلماء الجزائر المغتربين، وتمقت علماءها الوافدين، فأنت لا شك تعاني من انفصام حاد في الشخصية، نعم! كان “بوناطيرو” في نيويورك وكان “زعيبيط” في الجزائر، فماذا فعلنا؟ تهجمنا على الثاني حتى رحل إلى تركيا مطورا دواءه الذي لم يُهاجم لتركيبته العلمية التي لا يعرف دجاج الفايس بوك مكوناتها أصلا؛ بل هوجم بسبب اسمه الذي كان ” رحمة ربي RHB” فتحول إلى نقمة يتجرع مرارتها فقراء هذا البلد، ويتذوق خيراتها “لوبيات الدواء” ومن ناصرهم من العلمانيين والمتنورين ومثقفي الصالونات – الذين لا يعرفون من العلمانية إلا اسمها- ومن التخصص إلا ظاهره.
ماذا لو كان اسم ” بوناطيرو” “ميشال” أو أي اسم غربي آخر، وكان اختراعه عبارة عن علبة دواء منمقة باسم مبهرج كاسم دواء الملاريا “الكلوروكين Chloroquine” الذي اتخذته وزارة الصحة الجزائرية علاجا –ولم يعترض عليه أحد من مثقفينا- بعدما صرح الطبيب الفرنسي “ديدييه راِوول ” بنجاعته، رغم أن الدواء مستخرج من لحاف شجرة “الأوكالبتوس Eucalyptus ” أو “الكاليتوس” بالعامية الجزائرية ( شجرة الكينا في الشام والكافور في مصر) ، والذي استعمل كعلاج للمالاريا في إيطاليا أول مرة سنة 1640مـ ، فلماذا لم يستهزئ مثقفونا بالعالم الفرنسي وانتقدوا اقتراحه الذي تعرفه حتى العجائز في وطننا ” بخر بالكاليتوس”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق