ثقافة المقال

عودة لقراءة “بروست” في زمن كورونا

ترجمة عبده حقي

لم يكن هناك من وقت على الإطلاق لقراءة الصفحات الأربعة آلاف التي كتبها أروع الكتاب الانعزاليين أفضل من وقت الحجر الصحي الحالي بسبب وباء كورونا.
لدينا في الشاب مارسيل بروست تلك الصورة لمجتمع متجذر ومتأصل .. عاشق الصالونات الفارهة حيث تسكن مضيفات راقيات وجميلات .. طائر للمرور يتجه إلى مدينة كابور أو البندقية بمجرد أن يطلع فصل الربيع. ومع ذلك فمنذ وفاة والدته عام 1905 كان مارسيل آنذاك في سن الرابعة والثلاثين عامًا فقط – كانت معاناته عميقة بسبب الحداد المحفوف بمرض الربو الذي أصابه منذ طفولته والذي دفعه إلى العزلة منذ عام 1910 تلك العزلة التي صارت أكثر فأكثر تجذرا . صار مدمنا على دواء الترييونال ومادة الكافيين .. مكث منعزلا في غرفته في شارع هوسمان ملفوفا في غطاء فليني سميك لتخفيف ضوضاء الشارع . من الصعب على أي قارئ عدم رؤية وصفه لصورة ذاتية نحتها بروست الراوي لنفسه في الجزء الرابع بعنوان ” سدوم وعمورة” من رائعته “البحث عن الزمن الضائع” حيث يقول : “أنا الإنسان الغريب الذي ينتظر الموت لينقذه .. يعيش مع أبواب مغلقة .. لا يعرف شيئًا عن العالم .. ماكثا مثل بومة وهو لا يرى سوى القليل من الضوء فقط في العتمة “.
ميشيل بروست الذي غالبًا ما يصاب بنزلات البرد – دائما يرتعب من مجاري الهواء . يضع ستارة مثبتة بمسامير على الباب للحد من تيارات مجاري الهواء .. النوافذ مغلقة بعناية والمصاريع أيضا – كما يقول جان إيف تاديه في سيرته الذاتية للروائي الصادرة عن دار غاليمار عام 1996: بالطبع ، كان يتنقل في بعض الأحيان بشكل عام في فندق كابورغ – لكن هذا التنقل كان يقوده إلى نفس الواقع تقريبًا : فهو كان يسمح لنفسه فقط بالمشي مرة أو مرتين على الشاطئ. عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى كان يتابع تطور ذلك النزاع الحربي في غرفته من خلال قراءة سبع صحف في اليوم ، وكانت هناك خارطة حربية منشورة على سريره لكي يعرف تحركات الخطوط العسكرية الأمامية . في عام 1919 ولأسباب ظرفية رحل إلى شارع هاملين حيث باعت عمته المبنى في شارع هوسمان وانتقل إلى منزله الأخير – وهناك اشتد مرضه وعزلته أكثر فأكثر.
بروست أشهر الأدباء عزلة.
تتزامن السنوات الطويلة من عزلة بروست الطوعية مع الفترة الأكثر إبداعًا في حياته تلك التي كتب فيها “البحث عن الزمن الضائع”. في العشرينات من عمره ارتاد بروست المجتمع الراقي وأقام صداقات عاطفية كان من شأنها أن أثرت في نصوصه الرومانسية غير أنه من دون شك احتاج إلى الصمت والعزلة وشكل مختلف في وحدة المكان والزمان لكتابة عمل عظيم. وبنفس الطريقة فإن الحجر الصحي الذي يفرضه وباء كورونا الحالي هو أفضل وسيلة (لإعادة) اكتشافه.
بداية هناك متعة بالغة للرواية حيث لا يوجد شيء مهم أكثر من المناظر الطبيعية وجمالها : مناظر جد مثالية لنسيان الجدران التي ننعزل بينها !
تستمد القوة الحسية المذهلة للكتابة البروستية مادتها الشعرية من اسم كل ” بلد” يتم التقاطه خلال الصفحات.. إنه يأخذنا عبر حدائق نباتات الزعرور البري في كومبراي وشواطئ بالبيك بأسوارها الغرانيتية الوردية “.. أحجار مرصفة من غير انتظام في فناء فندق “غيرمانت” مع روعة خرير مياه البحيرة الفينيسية . لقد برع بروست في فنه الأدبي لدرجة أنه في عالمه الخيالي يدعو القارئ إلى السفر في الكتب التي يقرأها السارد في الرواية:
“ثم جاءت ونصفها كان أمامي .. المشهد الذي حدثت فيه الواقعة والذي كان يؤثر على تفكيري كثيرا أكثر من ذلك الذي كان أمام عيني عندما رفعتهما من الكتاب . وهكذا خلال صيفين في حرارة حديقة كومبراي كان لدي بسبب الكتاب الذي كنت أقرأه آنذاك نوستالجيا إلى بلد جبلي ووادي ، حيث كنت أرى الكثير من المناشر وحيث في الجزء السفلي من الماء الصافي تتعثر قطع الخشب تحت زمرة من نبات البقلة ؛ وهناك غير بعيدً مجموعة من الزهور باهتة الحمرة على طول الجدران “.
تتيح العزلة من خلال منحها الفرصة لنا لقراءة المجلدات السبعة المتتالية ، أن يجد القارئ طريقه في غابة الشخصيات البروستية وعدم الخلط بين الفتيات الصغيرات المحبوبات لدى جيلبرت وألبرتين لتذوق تحول مدام دوغيرمانت فيردورين ولتذكر العلاقة الأبوية بين سان لو وشارلوس (الأول هو ابن أخ الثاني).
القراءة المتواصلة ل”البحث عن الزمن الضائع” تعني أيضًا تقدير الصدى بين الحبكات والتشابه بين سادية الآنسة فانتوي والبارون على سبيل المثال … وعندما يتساءل الراوي عن علاقته بألبرتين في هذه الكلمات “هل كانت حياتي معها حزينة مثل حياة سوان مع أوديت؟” علينا إذن أن نتذكر المجلدات السابقة.
غنى الزمن.
وأخيرًا يجد الراوي معنى الحياة في الصمت والتأمل والتركيز. هناك خاصية لا تنتهي من التحليل البروستي – تم تحليلها بشكل خاص من قبل والتر بنيامين – نتيجة مباشرة لنداء الراوي: “هناك في كومبراي كنت أركز بعناية في ذهني بعض الصور التي أجبرتني على النظر إليها ، سحابة ، مثلث ، برج ، زهرة ، حصاة ، أشعر أنه ربما كان هناك خلف هذه العلامات شيء مختلفً تمامًا كان عليّ أن أحاول اكتشافه ، وهو فكرة ترجموها بطريقة هذه الأحرف الهيروغليفية (…). مما لا شك فيه أن عملية فك الشفرة كانت صعبة لكنها أعطت بعض الحقيقة للقراءة.
(Re)lire Proust à l’heure du coronavirus Lisa Frémont

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق