ثقافة المقال

الأوبئة والجوائح في الإبداعات الأدبية العالمية

إدريس بوسكين*

يزخر الأدب العالمي بالعديد من الروائع في الرواية والقصة والمسرح والشعر التي تتطرق في سياق كلاسيكي لأوبئة وجوائح فتاكة عرفتها البشرية على مر تاريخها كالطاعون والكوليرا والسل, وأخرى ذات طابع خيالي تم تناول أغلبها في إطار وصف مجتمعات ديستوبية مستقبلية تمثل لكتابها, وخصوصا منهم كتاب الخيال العلمي الغربيين, آخر مراحل التواجد البشري على الأرض.
تعتبر رواية “الطاعون” (1947) للأديب الفرنسي “الوجودي” ألبير كامو من أشهر هذه الأعمال إذ تحكي قصة خيالية عن عاملين طبيين يتآزران فيما بينهما في مواجهة طاعون أصاب مدينة وهران، ويقول نقاد أن طاعون كامو في حقيقة الأمر ليس المرض نفسه وإنما النازية الألمانية التي احتلت أوروبا وأرادت إبادة البشر.
رواية “العمى” (1995) للبرتغالي جوزيه ساراماغو هي أيضا من الأعمال المعروفة في هذا المجال حيث تتحدث عن وباء غامض يصيب إحدى المدن المتخيلة فيصاب أهلها بالعمى، وعلى غرار كامو فإن المغزى من أفكار ساراماغو ليست عمى أبصار الناس وإنما عمى وعيهم وبصيرتهم الذي يجعل أخلاقهم ومبادئهم دائما تحت تسلط نزعتهم الشريرة, وفقا للنقاد.
رائعة “الحب في زمن الكوليرا” (1985) لرائد الواقعية السحرية الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز تمثل من جهتها إحدى أبرز الإبداعات التي تخطر على بال القراء كلما سمعوا بوباء ما, ولا يتطرق هذا العمل إلى الوباء كوباء وإنما إلى قصة حب قديمة بين رجل وامرأة من الكاريبي تتوج باللقاء في آخر عمرهما على أنقاض وباء كوليرا متخيل, فوباء الحب هو ما يتكلم عنه ماركيز في عمله وليس وباء الكوليرا وهو ما يمكن ملاحظته بسهولة.
وتعود من جهتها الرواية المدهشة “القلعة البيضاء” (1985) للتركي أورهان باموق إلى الفترة العثمانية في القرن السابع عشر إذ تتناول وفي قالب فلسفي خيالي موضوع الهويات والعلاقات التاريخية بين الشرق والغرب من خلال قصة شاب إيطالي يتم أسره ليساق بعدها إلى اسطنبول, المدينة التي يضربها الطاعون.
في الولايات المتحدة الأمريكية أغلب النصوص في هذا المجال عبارة عن روايات خيال علمي تندرج ضمن “أدب نهاية العالم” و”أدب ما بعد نهاية العالم” وغيرها من تفرعات هذا التيار الأدبي, ولعل من أقدمها “الطاعون القرمزي” (1912) لجاك لندن التي تدور أحداثها في عام 2073 في أعقاب وباء يقضي على معظم البشرية.
ومن بين هذه الأعمال أيضا رواية “الموقف” (1978) لستيفن كينغ التي نالت شهرة كبيرة في الغرب حيث تتمحور قصتها حول إطلاق سلالة معدلة لفيروس أنفلونزا ما يؤدي إلى جائحة تأتي على حياة أغلب سكان العالم.
كما تبرز أيضا روايات “بقايا الأرض” (1949) لجورج ستيوارت التي تحكي عن “نهاية” التواجد البشري بسبب فيروس قاتل وعودة قيامه من جديد, و”نمسس” (2010) لفيليب روث التي تتطرق لوباء شلل أطفال يصيب حيا يهوديا مغلقا بنيوآرك بنيو جرسي بالإضافة إلى “إقفال” (2014) لجون سكالزي التي تروي بدورها قصة فيروس يصيب العالم ويتسبب بوفاة مئات الملايين.
غير أن العمل الأكثر جدلا حاليا هو رواية “عيون الظلام” (1981) لدين كونتز بسبب الاعتقاد السائد بتشابه أحداثها مع ما يجري حاليا في العالم من تفشي لكورونا خصوصا وأنها تتطرق في طبعتها الثانية لعام 2008 لقصة عالم صيني يهرب إلى الولايات المتحدة وهو حامل لسلاح بيولوجي خطير اسمه “ووهان 400” رغم أن طبعتها الأولى لعام 1981 كانت تشير لسلاح بيولوجي اسمه “غوركي 400” وليس “ووهان 400” في إشارة للعدو الروسي آنذاك.
ولا يخلو عمل الروائي الشهير دان براون “الجحيم” (2013) من رعب الأوبئة أيضا إذ يحكي عن عالم بيولوجي يؤمن بأن الانفجار السكاني في العالم سيؤدي إلى نهاية البشرية فيعمل هكذا على إنقاذها من خلال ابتكار فيروس فتاك يطلقه في بلد مسلم هو تركيا ليعم بعدها كل البسيطة، وقد تم تحويل هذا العمل لفيلم سينمائي في 2016 من بطولة توم هانكس.
وأما في كندا فهناك الروائية إيملي ماندل وعملها “المحطة الحادية عشرة” (2014) الذي يتطرق لوباء أنفلونزا خنازير يضرب منطقة البحيرات العظمى على الحدود الكندية الأمريكية وكذا مواطنتها مارغريت أتوود وثلاثيتها الناجحة “أوريكس وكريك” (2003) و”عام الطوفان” (2009) و”ماد ادام” (2013) التي تحكي عن وباء طاعون أتى تقريبا على كل البشرية.
وفي أستراليا حققت رواية “عام العجائب” (2001) لجيرالدين بروكس نجاحا كبيرا حيث تحكي قصة خادمة بيت شابة في قرية إنجليزية موبوءة بالطاعون.
وفي اليابان تبرز رواية “آخر أطفال طوكيو” (2018) ليوكو طاوادا التي تدور حول كارثة بيئية وبائية تصيب العاصمة اليابانية وتجعل أطفالها يموتون بينما كبار السن يعيشون إلى الأبد.
أعمال أخرى تعود للقرن التاسع عشر تركت بصمتها أيضا في هذا المجال ومنها رواية الإنجليزية ماري شلي “الرجل الأخير” (1826) التي تتخيل فيها انقراض البشر مع نهاية القرن الواحد والعشرين نتيجة الأوبئة وكذا قصيدة “معسكر الكوليرا” (1896) لمواطنها الشاعر المثير للجدل روديارد كيبلنغ التي تحكي قصة جندي بالهند البريطانية يعاني فوجه من الكوليرا.
بعض الأعمال تعود للقرن الثامن عشر كالرواية التاريخية “صحيفة عام الطاعون” (1722) للإنجليزي دانيال ديفو (صاحب الرواية الشهيرة “روبنسون كروزو”) والتي تحكي تجارب رجل عايش فترة الطاعون الذي ضرب لندن عام 1665، وأخرى حتى للقرن الرابع عشر كالمجموعة القصصية “ديكاميرون” (1353) التي ألفها الإيطالي جيوفاني بوكاتشيو متأثرا بحكايا الشرق “ألف ليلة وليلة” حيث سرد فيها وفي قالب من السخرية والمغامرات والخرافة قصة مجموعة من الشباب تحتمي من طاعون أصاب فلورنسا بوسط إيطاليا بالالتجاء لقصر توسكاني خارج المدينة.
لقد تركت الأوبئة أثرها أيضا في الفن الرابع رغم قلة الأعمال في هذا المجال والتي منها المسرحية الشعرية التراجيدية “وليمة في زمن الطاعون” (1830) للروسي ألكسندر بوشكين التي تحكي مأساة جماعة أصدقاء إبان اجتياح الطاعون لمدينتهم، و”الوباء” (1898) للفرنسي أوكتاف ميربو التي يصف فيها اجتماع مجلس بلدي بمدينة ساحلية يبحث كيفية التصدي لوباء، بالإضافة إلى “المرض الأبيض” (1937) للتشيكي “كاريل تشابيك التي تحكي عن نوع من الجذام يجتاح بلدا غير معروف يهدد كل أوروبا في إشارة إلى النازية الألمانية.
وأما في العالم العربي فقد اهتم أدباؤه أيضا بموضوع الأوبئة والجوائج التي عايشوها أو سمعوا عنها فعكسوها في إبداعاتهم سواء الروائية منها أو الشعرية أو المسرحية، غير أنها قليلة جدا مقارنة بما هي عليه في الغرب كما أنها في مجملها كلاسيكية وتقليدية التوجه فنادرة هي النصوص العربية التي تندرج ضمن الخيال العلمي.
شعريا مثلا تبرز قصيدة “الوباء” (1895) للمصري علي الجارم التي يصف فيها ألمه الشديد على مدينته “رشيد” (شمال مصر) التي ابتليت بالكوليرا، وأيضا “الكوليرا” (1947) للعراقية نازك الملائكة التي عبرت فيها عن حزنها على “أرض الكنانة” التي داهمها مرة أخرى هذا المرض, غير أن قصيدة نازك لم تشتهر لكونها تتحدث عن هذه الهيضة المعوية الفتاكة وإنما لكونها اعتبرت من طرف البعض العمل المؤسس لما بات يعرف اليوم في الأدب العربي بالشعر الحر أو تشعر التفعيلة, وفقا للنقاد.
وأما في الرواية فيتميز خصوصا نص الكاتب السوداني أمير تاج السر “إيبولا 76” (2012) الذي يحكي عن “حمى نزيفية” تضرب منطقة حدودية بين جنوب السودان والكونغو الديمقراطية، غير أن هناك روايات عربية أخرى تناولت موضوع الأوبئة ولكن في إطار السياق السردي فقط وهذا لوصف فترة تاريخية معينة أو للتنديد بها على غرار “السائرون نياما” (1963) للمصري سعد مكاوي و”ملحمة الحرافيش” (1977) لمواطنه الكاتب العالمي نجيب محفوظ وكذا “الوباء” (1981) للسوري هاني الراهب و”المصابيح الزرق” (1954) لمواطنه حنا مينا.
وأما في الفن الرابع فلا يسعنا هنا إلا ذكر مسرحية “الشيء” (2000) للمصري لينين الرملي و”جزيرة القرع” (1999) لمواطنه عبد الفتاح البلتاجي.
لقد ولدت بعض هذه الأعمال من رحم المعاناة الإنسانية فعكست في سياق مباشر أو رمزي مشاعر إنسانية صادقة كالألم والخوف والتلاحم والفراق والضياع في حين أن بعضها الآخر تناول هذه المواضيع للتنديد بخطرها المستقبلي على العالم وخطر الأنا الشريرة للإنسان التي تهدد وجوده في حد ذاته وهذا ما عكسته خصوصا روايات الرعب والفانتازيا والخيال العلمي الغربية.

*روائي وكاتب وصحفي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق