قراءات ودراسات

كيف تنحتُ نافذةً لروحكَ المثقلة

مؤمن سمير 

نستطيع أن نقسم تجربة الشاعر المصري عصام أبو زيد – بغض النظر عن شِعر البدايات والذي يمثله ديوان “النبوءة” الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 1990 وعمر شاعرنا 17 عاماً – إلى مرحلتين: الأولى هي الإنتاج وفق الوصفة المصرية لكتابة قصيدة النثر والتي انفجرت وشاعت في تسعينيات القرن الفائت من حيث كتابة اليومي والمعيش والتعبير عن نهاية التاريخ وموت الإيديولوجيا وإعادة الاعتبار للجسد والمفارقة والانتقال من المجاز إلى المشهدية الخ، ويمثل هذه المرحلة ديوان “ضلوع ناقصة” الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 1996، والذي لفت الانتباه إلى صوت عصام الشعري وقدرته على اختزال الكثير من التفاصيل والمعاني في أقل قدر من الكلمات، وكأن هناك دائماً ضلعاً ناقصاً في صدر كلٍّ منا أو بالأحرى جزءاً ناقصاً وغير مكتمل من الحكاية، علينا أن نبحث عنه والأجمل والأبقى هو ألا نجده أبداً.
أما المرحلة الثانية فهي التي هَلَّت عندما أمسك شاعرنا بطريقِهِ وطريقته هو، عندما أتقن اللعب وفق وعيه وانحيازاته الجمالية ورؤيته المتميزة للعالم، واكتشف الزاوية التي من خلالها يسأل ويقترح ويكتشف ويشك – ليس من المصادفة أن هذه المرحلة الأخيرة جاءت بعد غياب 16 عاماً على نشر ديوان “ضلوع ناقصة” – وتمثل هذه المرحلة دواوينه التي جاءت متواليةً وكأنما كانت تنتظر أن “تشوف” لتخرج من تحت الرماد، و”ترى” نفسها، كي يحسها ويلمسها المتلقي.
دواوين: “كيف تصنع كتاباً يحقق أعلى مبيعات” 2012– “أكلت ثلاث سمكات وغلبني النوم” 2013 – “الحياة السرية للمجنون الأخضر” 2014 – “اخترعتُ برتقالة” 2015 –”الحركات الرئيسية لرقصة الميرينجو” 2016 (وكلها صادرة عن دار روافد). ولا مفر – في ظني – من اللجوء للتقسيمات مرة أخرى حيث إنني أرى أن الديوانَيْن الأخيرَيْن يمثلان نقلة نوعية داخل ما أستطيع تسميته الآن بـ قصيدة “عصام أبو زيد”، لاختلاف طريقة إنتاج الشعر فيهما عن الثلاثة الأسبق عليهما والذين يمثلون طريقة وسكةً في الكتابة أعادت الالتفات لشعر شاعرنا ثم جاء هذان الديوانان ليشيرا بالنضج على هذا الشعر وهذا الفن.
يتميز عصام أبو زيد بتقديم عناوين ذات سمت خاص لدواوينه، عناوين تجنح للغرابة ولكن دون جفاف أو تقعر، وتقترب كثيراً من الطرافة وإثارة الدهشة والطزاجة الدائمة. ورغم أنه مازال هناك اعتبار في ظني للتوجه والفهم القديميْن للطريقيْن المعتبرَيْن في ترتيب عملية الكتابة وهما العفوية والحرية في التدوين الأَوَّلي ثم التقنية والصنعة بعد ذلك، واللذان يأتيان من الخبرة والثقافة الخاصة للمبدع والتوجهات الفنية والفلسفية ..الخ، وتخمُّر الذوق الخاص وذائقة المبدع، فأننا بعد مطالعة النصوص هنا وملاحظة لغتها وطريقة بنائها ومعمارها نوقن ونلمس بجلاء أن عصام ينجح في تصدير العفوية والبساطة، وكأنها جاءت هكذا، الآن وهنا، وعفو الخاطر، حيث العناوين جزء من استرسال الحكي داخل النصوص. جزء قد لا يكون المُعبِّر عن كامل النص أو يكون هو العنصر المهيمن في هذه النصوص، النصوص التي هي في حد ذاتها حالات عفوية فرضتها الصداقة التي ينجح في صنعها المبدع بين حالات القصائد وبين حيوات المتلقين.

أوصاني أبوكِ يا زبيدة أن أشتري لك البحرَ
رأى المبدع أن أي جملة تصلح بشكل عفوي للتعبير عن كامل النصوص لأن النصوص مرتبطة عضوياً وملضومة بخيط فني وشعوري واحد. لم يتردد المبدع في إنفاذ عقيدته رغم خطورة العنونة وكونها قد تكون جاذبة للمتلقي أو طاردة له في الآن ذاته. لم يتردد في اختيار عناوين قد تكون غرابتها سبباً في سجنها للحالة الشعرية وحصرها في احتمال وحيد هو أن المبدع يصنع نصوصاً طريفة، وفقط. إن عنواناً مثل “كيف تصنع كتاباً يحقق أعلى مبيعات؟” كان من الممكن أن يخرج بالأمر، مثلاَ، إلى حقل معرفي آخر. ورغم هذا لم يخش مبدعنا أن يظلم نصوصه، حيث قدم فيها ما يراه ويتبناه من تصورات بكل جسارة وبساطة في آن، وعنونها هكذا لتتساوق هي الأخرى، مع النصوص: المنداحة والتلقائية. إن السمة الغالبة على الدواوين الثلاثة: “كيف تصنع كتاباً…”، “أكلتُ ثلاث سمكات… “، “المجنون الأخضر… ” هي الالتقاط الحر الخارج عن كل إطار مسبق يخص توجهاً أو طريقةً ما: يختار لحظات شعرية بسيطة وخاصة به تنطلق من زاوية رؤيته ومقاربته للعالم، ويضربنا بها ويضحك كثيراً ثم ينطلق بعيداً ولا ينظر خلفه.
يقول في قصيدة “نزهة خارج السينما” من ديوان “كيف تصنع كتابا”:
أخافُ من مولانا يا ماركيز… أخاف
خطفني في صبايَ وعلمني أن أسير على الماء
أن أشق الصفوف بنظرة
نظرة واحدة يا ماركيز ستفلق رأس الخائن
وتعيد الحقيقة ناصعة من غير سوء.
الحقيقة أو قلب الأشياء، يقتنصها ويتحاور معها وكأنه يقول لنا: طبعاً أنتم تعلمون أنني قشرت الزوائد ومزقت الستائر عن كل لحظة فعادت مجلوةً في تكوينها الأول. أنتم شركاء معي فهيا ندخل سريعاً لنذوق الثمرة المخفية في الداخل ونمسك بالجوهرة. لحظات معتادة وأقرب للمهمل العادي منها غلى السامي المتوهج. أوقات وطرائق في الحياة وذكريات من فرط عاديتها صارت بعيدة ومنسية ومهملة وربما لهذا هي مدهشة.
يقول في قصيدة “ما يحدث في قلب غَيْمة صغيرة” من ديوان “الحياة السرية”:
رسمتُ الأرنب المذبوح بجناحَيْن كبيريْن
رسمتُ أمي في قلب غَيْمة صغيرة تتعثرُ وهيَ تعد إفطارنا الصباحي
طار صحن العسل من يديها وأنفقنا النهار كله
نجري خلف الصحن.
يعبر شاعرنا عن لحظاته الشعرية بلغة تأتي كأنها حالات حوارية بين أشخاص يميلون للتباسط والتبسيط ولا يرون الأشياء في تجلياتها المعقدة والقابلة لأكثر من تأويل وأكثر من مستوى في تفسير الدلالات الجمالية للنص، للنظر وإعادة النظر. يقول في قصيدة “أوصاني أبوكِ يا زبيدة” من ديوان “أكلتُ ثلاث سمكات”:
أوصاني أبوكِ يا زبيدة أن أشتري لك البحرَ مع البيوت القريبة الملونة
مع راكب الدراجة الهوائية وهو يرفرف في الجاكيت الشمواه الأخضر والجلابية البيضاء المضيئة عاقداً رأسهُ بالصداع والأمل
وقال لي لا تعد إلى البيت قبل أن تودع الصخرةَ والشجرةَ
والكلبَ الناعسَ العجوز.
يصدق هذا الكلام وهذا التوجه والانحياز الجمالي عند المبدع على الدواوين الثلاثة، من حيث اصطياد الدهشة واعتبار العالم في غالب الأحوال القصيدية هو الأنا والآخر، والأنا هنا هي الذات المحبة، العاشقة لدرجة التدلُّه والمُلهَمة لأنها فقط تحب. والآخر هو المحبوبة، الأنثى المستحيلة البعيدة وكذا هي القريبة المتاحة، الواقعية والمتخيلة في نفس اللحظة الاعتيادية من الخارج، من حيث تفاصيل حياتها لكنها طول الوقت قابلة لاحتمال أكثر من حياة داخلها.
تحب الذات الأولى هنا كل لفتات المحبوبة وتُفتن بها؛ روائحها وأفكارها ومشاعرها. ويغرق البطل المسكين مختاراً وطائعاً في أنهارها المغوية. إن العلاقة بينهما تظهر للوجود حيناً على هيئة التوحد والاندماج وحيناً على هيئة كونها الثابت وكونه المتحرك الذي يدور حولها ويرقص أو يموت. ويتوسل في سبيل ذلك بتقليل الصورة المجازية لأقصى درجة وذلك في سبيل الإيهام بأن ما يجري واقع وحقيقة وبطموح أن يجعلنا نرى ونلمس ونشم ما يحس به هو أو ما تتصوره وتشعر به المحبوبة.
لكن الأمور تختلف تماماً في الديوانَيْن الأخيريْن للشاعر: “اخترعتُ برتقالة ..” ،”الحركات الرئيسية ..” والذي أرى بصددهما أن الشاعر قد ابتعد عن مسرحه الرائق هذا وصعد درجات في رسم هذه العلاقة وصار أكثر فلسفة وتعقيداً في تحليلها. في الدواوين السابقة كان كل همه التجريد والتقشف وإضفاء الواقعية على ما هو خيالي أما في هذيْن الديوانيْن فنجد الأمر قد انعكس حيث يفتح بوابة خياله لأقصى درجة ويستخدم حريته وجسارته الفنية في رسم عالم متخيل كامل وإضفاء الحياة عليه ونفخ الروح فيه حتى لتخال الخيال واقعاً حقيقياً وصادقاً ومحسوساً.
نستطيع أن نعتبر كل ديوان منهما وحدة واحدة تكمل كل تفصيلة فيه الأخرى – وإن كانت تحتفظ لنفسها بمساحة استقلال تجعلها تبرز في حد ذاتها كجزء معتبر ومتفرد. قصيدة مكتملة، رغم أنها فصل من فصول الحكاية – وتجعل القصة تضطرد وتتنامى وتتعقد وتأخذ أبعاداً وزوايا أخرى. وما يؤكد ملحوظتنا تلك، كون الشاعر قد تخلى في الديوانَيْن عن عناوين النصوص وقَسَّم العمل لأرقام متوالية وكأنها فصول تتوالى وتترى من رواية شعرية تؤكد الانتصار للحكي في مجابهة البلاغة واللغة الفخمة، والأبطال المتعددون: المكان – الزمان – الذكريات– الأصوات والروائح – المسكوت عنه على الدوام – الحسية الواضحة حيناً والسارية كسلك كهربائي بين السطور حيناً أخرى… إلخ، في مواجهة البطل القديم، الواحد، المتفرد والوحيد.
في هذين الديوانيْن يتشابه الجو العام المرتبط بالفاعلِين – أياً كانوا – وبالجغرافيا وكذلك من حيث الأداء الشعري بينهما لدرجة تصنع مشروعيةً لاعتبارهما جزئين يُكمل ثانيهما الأول – بل ويشي بالتوالد والتوالي، فلا نستبعد كتابة جزءٍ ثالث أيضاً يسمح بتوسيع اللعبة واستكمال نحت أركانها وزواياها الخصبة حيث إنها متسعة وفضفاضة، وبهذا فهي تحتمل الاستمرار، مثلها مثل الحياة – حيث نقابل في ديوان “اخترعتُ برتقالة “بطلاً يختار الهروب من الصمت والحزن والكآبة بالسفر والترحال، يقول في المقطع رقم 29:
الحب يحدث ويتكرر
كما نشرب الشاي
كما ندخن سيجارة
ولكننا، في العادة
نحب النوم
نحب الهبوط الاضطراري
في مربع الكآبة.
وحتى لو كان السفر وهماً متخيلاً لكنه من فرط تماهيه مع تفاصيله يصير كأنه واقعٌ بل هو الواقع بالفعل بمعايير الفن – وهو الأصدق بالطبع -. نقابل بطلاً متسع الروح وجاهزاً طول الوقت للحب والحياة، يجئ من منطقة سكونية وثابتة – الزوجة مثلاً ؟ – إلى منطلق متحرك ودائم التجدد هو الغرب الواسع الذي يشبه البحر الكبير. من أوروبا ونسائها اللاتي يملكن حيوات وحكايات تتناسب مع وعيهن المختلف والمنفتح والثري، وكذلك مع انطلاقه وتشوفه هو، حيث يجددن خلاياه ويفتحن آفاقاً جديدة للحياة أمامه وداخله – إلى أميركا وبلاد الشرق الأقصى والأدنى. إنهُ يدخل سريعاً بلا تمهيدات إلى سرد يوميات المحبة بينه وبين كل محبوبة وكأن هناك تاريخاً قديماً ومشتركاً بينهما وكأنه لم يمتزج مع أحدٍ منذ بدء التكوين إلا معها هي، من حيث الإحالات إلى تفاصيل بينهما قد لا يحيط بها المتلقي ولكنه يستنتجها ثم يعتبرها خطوةً في تراتبية موَّارة تشبه الحياة – ويبني عليها أو يندمج معها. كلهن جميلات ومكتنزات بالروح العامرة وببعض الغموض الذي يصنع تراوحاً في مركز ثقل العلاقة بين الذات الشاعرة كفاعل وبينها كمتلقٍ لفيوضات الطرف الآخر… الفيوضات الباذخة التي تأخذ أشكالاً وألواناً وأطيافاً في كل لفتة.
في المقطع رقم 22 يحدد الشاعر لعبته وخبيئته التي اكتشفها فأسعدته وأعادته مجدداً للحياة. وهي أنه يعتبر كل قصيدة يكتبها رحلة، كل قصيدة متكأ للخروج، عن الحياة الثقيلة، بكل أعرافها وقوانينها وصيروتها المنتظمة الخانقة. كل قصيدة جديدة مناسبة للانطلاق شرقاً وغرباً، وفرصة سانحة لإعادة اكتشاف الحب وصنع أسئلته على مهل وخوض تجارب حلاوته المخفية والظاهرة. يقول:
لم أكتب قصيدةً جديدةً منذ يومين
وهذه فرصة للاستمتاع بالحياة
أفكر في العودة إلى المكسيك
في المشي طويلاً مع ريبيكا وسيلينا.
ثم يقول :
لم أكتب قصيدة منذ يومين
وكارولينا تحتفل في البرازيل بيوم مولدي
أحتفل في الطائرات يا كارولينا
وأشرب عصير البرتقال وأنا نائم .
ثم يختم المقطع بنهاية دالة جداً :
لم أكتب قصيدة لأنام في بداية الليل
لأذهب في الصباح إلى العمل
لتصنع لي زوجتي شاياً بالنعناع
لأعانقها وأنا حزين.
إن الربط بين الخيال الذي يتحرك به وعن طريقِهِ أنى شاء، وبين القصيدة، واضحٌ وجلي. القصيدة هي الحصان الذي يمتطيه ليعيد رسم الكون من جديد. يقول في المقطع رقم 3:
الفتيات كن رائعات ليلة أمس
وصنعن معجزات فاقت كل تصوراتي
خذي كل هذه الهدايا وارحلي
أغلقي البابَ وارحلي
لن تنتهي هذه القصيدة على خير
لن تنتهي هذه القصيدة قبل التاسعة مساءً.
ثم تتوالى المشاهد المختلفة لترسم صوراً وأحداثاً متباينة نعيشها معه وكأننا نشاهد فصولاً حيةً وساخنة من فيلم سينمائي مبهر. فننتقل معه من صالات الديسكو إلى حروب العصابات. ومن الأمواج إلى قرى الشمال والجنوب، إلى احتفالات القوارب الصغيرة فوق الماء، إلى الفنادق والشقق الصغيرة. ومن إيطاليا إلى الهند ومدغشقر وسويسرا والإسكيمو ولاس فيجاس ونيفادا ومكسيكو سيتي ورومانيا… ندور خلف هذا المهاجر من دولة إلى أخرى ومن مدينة إلى أختها؛ لنلهث وننسى ثقلنا الوجودي ونكون أكثر خفة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق