ثقافة المقال

ظاهرة التقليد في القراءة

بقلم: طه بونيني
 
التقليد في أي شيء ليس أمرا محمودا. لا أتكلم عن بعض العادات والتقاليد الحميدة الموروثة في المجتمعات والتي تعدُّ تراثا وهويّة، بل أتحدّث عن التقليد الذي يصل إلى السرقة العلمية Plagiat في حالة كتابة الأوراق البحثية أو المذكرات أو حتّى الكتب الفكرية أو الأعمال الفنية والأدبية. وهناك تقليد آخر يخصُّ عالمَ الكتابة، كأن يُقلّد كاتبٌ كاتباً آخر، في أسلوبه، وهذا لا يُفلح أبدا، ولا يؤدي إلى أيّ مخرج.
لكن التقليد الذي أقصدُه بكتابتي لهذا النصّ، هو التقليد في القراءة. وأعني بهذا ظاهرة لاحظتها مؤخرا، وقد استشرَت كثيرا في مواقع التواصل الاجتماعي. وهي تخص روّاد مجموعات القراءة، والتي يملؤونها بمنشورات تخصّ قراءاتهم. وقد غامرت بقولي قراءات، لأنّها في الحقيقة متشابهة في الغالب. ولا أريد التعميم لأنّ التعميمَ ظالم. لكنّي شَهِدتُ الكثير من هذه المنشورات التي تتكلم عن بعض الكتب المعدودة أحيانا على أصابع اليد الواحدة. ولا أريد ذكر هذه الكتب، أو كُتّابها. هذه الظاهرة استرعت انتباهي كثيرا. ليس لغرض شخصي، لكنّها أعراض تستدعي الملاحظة والإشارة.
القراءة تجربة شخصية لكنّها تجربة جماعية أيضا، وهذا لا ضير فيه، فبعض مجموعات القراءة تتشارك قراءة كتاب واحد، وتتناقش حوله، بحيث يدلي كلٌّ بدلوه، فيعطي رأيه حول الكاتب والكِتاب والأفكار ومدى انسجامها والأسلوب والحبكة والعقدة والحلّ واللغة والمعاني وأمور أخرى…وهذه المناقشات تختلف من مجموعة لأخرى. وريثما ينتهون من كتاب ينتقلون لآخر. وهذه ظاهرة صحّية لا توصف بالتقليد بالعكس فهذه ظاهرة صحية تهدف لتشجيع القراءة، وتبادل زوايا النظر لإثراء تجربة القراءة لدى كلّ قارئ بآراء غيره ممن قرأ الكتاب نفسه. وهذا مرغوب.
لكنّي أقصدُ ظاهرة أخرى، فبعض القراء ـ الذين ذكرتُهم سابقا ـ يظلون يذكرون نفس الكتاب، أو نفس مجموعة الكتب. كأن يقول أحدهم لقد قرأت الكتاب الفلاني. ثم يأتي آخر وينشر منشورا آخر ويقول أنا أقرأ الكتاب الفلاني (نفس الكتاب)، ثم تأتي إحداهنّ فتطلب نصيحة من القراء أن يقترحون عليها بعض العناوين فيذكرون نفس الكتاب، وهكذا دواليك… وهذا ما أراه غريبا جدا. فالكتاب عينه، لم يكن معروفا لديهم منذ فترة قصيرة ثمّ تراه مرة واحدة يغزو مجموعات القراءة.
وهذا هو التقليد، فالكتب الجميلة والناجحة والمفيدة بالمئات بل بالآلاف، ففي الولايات المتحدة مثلا أو فرنسا أو بريطانيا تصدر آلاف العناوين شهريا، ونسبة كبيرة منها تنال شهرة ونجاحا. والقارئ هناك يتذوّق الكِتاب الحديث الصدور (الجديد)، وهنا يكمُن التشويق، لأنّ كونَه جديدا، يُعطي للقارئ إحساسا بُعذرية النص وكأنّه فاكهة طازجة قد قطفها لتوّه، فيُعطي رأيَه فيها، فالقارئ المُسلّح بالقراءة الناقدة يملك تجربة فريدة من نوعها في القراءة. وهو بهذا الحِسِّ المتفرد يقرأ عشرات الكتب في العام، وهو في رحلة اكتشاف دائمة لكتب جديدة تشفي غليله، لكنّ ذائقة القراءة لديه وحب الاستطلاع والتعلّم لا يُشفى غليلها، ولا ترضى، ولهذا فهو يقرأ ويقرأ ويقرأ…ولا يكتفي بآراء الناس في الكُتب وإنّما يُعطي كل كِتاب رأيه الخاص. فالكتب كالألوان فهي أذواق، ولا يُمكن أن يكتسب الكِتاب الواحد نفس النظرة من الجميع.
وجهة نظري هذه لا تستهدف الكتاب أو لنقل العناوين المُتداولة، والتي تُحدث نوعا من الحُمّى الفاسبوكية، فقد تكون مميّزة، وهذا ممّا لا شكّ فيه، فلا يجتمع الناس على رأي فاسد. لكنّي أتكلّم عن تجربة القراءة في ذاتها، عليها أن تكون غنيّة متنوّعة ناقدة ومسؤولة.
وبرأيي فهذه الظاهرة، إحدى الظواهر الفايسبوكية، والتي تتّسم بالغوغائية، والتي يُميّزها التقليد، ومشاركة المنشورات (Share)، فتنتقل من التجربة الشخصية إلى السِّمة الاجتماعية التي تصيب الملايين، وأكثر المصابين بهذه الظاهرة المبتدئون في عالم القراءة.
هذا لا يعني ألا تتأثَّر بقراءات الغير، لكنّ على هذه أن تكون موضوعية، متنوّعة، مُختلفة، تضع أمامك خيارات متنوّعة من الكُتب، ولا تعتمد النمطية والتكرار والتقليد.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق