قراءات ودراسات

الروائي جوزيف كيسيل في سوريا: حكايات رحلة سنوات العشرينات(4 /5)

ترجمة: سعيد بوخليط

مقدمة المترجِم:
“من يفسر لماذا نُقتل ومن يقتل؟. في الحقيقة، إذا كان من عذر لافتقاد المعلومة،فبوسعنا البحث عنها ضمن التعقيد المرعب الذي يسود سوريا”،هذه الجملة المكثفة والمركزة جدا،قدر استشرافها البعيد المدى،انطوت عليها إحدى فقرات كتاب جوزيف كيسيل،الذي يعود تاريخه إلى أواسط سنوات العشرينات.
المفارقة المدهشة،رغم قدم المسافة بعقود طويلة،فبالتأكيد،عبارة لازالت تنطبق حتى اليوم، ربما تمام الانطباق،بدون مبالغة،على ماتعانيه سوريا : تبلور أعتى مستويات اللا-معقولية،التي يعجز أي ذهن بشري عن تمثلها.إذن :لما تعاني سوريا ما تكابده؟ لماذا يقتل الناس هناك؟ من القاتل؟ثم أساسا وقبل كل شيء ما دواعي ومبررات القتل؟حتما ،العبقري كيسيل استبق غفلتنا جميعا.
جوزيف كيسيل J .Kessel ،الكاتب الفرنسي المزداد في الأرجنتين. هو الواحد المتعدد،ثم المتعدد الذي وجد ضالته في الواحد :الروائي طبعا،الرحالة،المغامر،الصحفي،الطيار الذي شارك إلى جانب السلاح الجوي خلال الحرب العالمية الثانية،ثم المتخصص في الريبورتاجات.
أغنى التراث الإنساني، بمنجز فكري هائل،قارب سبعين رواية،إضافة إلى دراسات مختلفة تهم مجالات إبداعية متعددة.مع كل ذلك،لازال حتى الآن،فقط عنوان رئيسي أشار ويحيل باستمرار على كيسيل،مقارنة مع باقي كتاباته.
يتعلق الأمر بروايته ”الأسد ”(1958)التي دارت أحداثها في منتزه ملكي بكينيا،وتروي تفاصيل علاقة جد مدهشة تتجاوز حدود التصور، بين باتريسيا الفتاة الصغيرة ذات العشر سنوات،وأسد.إذن، كلما ذكر اسم جوزيف كيسيل،اتجه التفكير مباشرة نحو تلك الرواية.
بين ثنايا بيبليوغرافية زاخرة ومستفيضة،يندرج كتيب صغير،ربما لم يكن ليثير اهتمامي حقا،لولا انبجاس التراجيدية السورية.نص :في سوريا، الذي كتبه كيسيل سنة 1927،موثقا من خلال فصوله العشرة وقائع ماعاشه أثناء رحلته لسوريا.غير أنه عمل،تجاوز مستوى الانطباعات والارتسامات الشخصية،المنقادة وراء التقاط محايد لمتواليات رحلة عادية،مرتقيا حقيقة غاية التقييم الموضوعي الحاذق لجوانب من سياق المرحلة،المعروفة تاريخيا بالانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان(1920-1946) ،وما انطوى عليه من منزلقات سياسية وجغرافية وثقافية وإثنية وعسكرية،استمرت وامتدت تراكماتها البنيوية حتى الزمن الراهن.
بالتالي،يعتبر مايحدث اليوم في سوريا مجرد نتيجة طبيعية،من نواحي كثيرة،لما أرسته صياغات المرحلة التي يؤرخ لها كتاب كيسيل.
بالتأكيد،كما أقرت مختلف اجتهادات المؤرخين،يصعب عموما استيعاب الحاضر دون إحاطة بالماضي .فالمآلات الجنائزية التي يسرع نحوها العالم العربي، سياسيا وثقافيا ومعه سوريا،تعود بأصولها إلى جرائم المنظومة الاستعمارية في حق عقل وجسد وروح وشعور وطموح شعوب المنطقة.
غير أن ما جسّد بامتياز هذه المعادلة في التحقيق الصحفي ل كيسيل عن سوريا،الذي يعود كما قلت إلى سنة1926 ،وأضفى على خلاصاته سمة كهنوتية تخمينية جعلت فقرات عمله أقرب إلى إشراقات العرَّافين والمتنبئين،كونه استحضر منذئذ رؤى ألغت تقريبا كل هذه المسافة الزمانية الممتدة إلى تسعة عقود،وبدا الراهن كالأمس تماما.
المشهد العام نفسه،ثابت لم يتبدل،فقط تغيرت التفاصيل الصغيرة.تفسير هذه المسألة في غاية البساطة :مبدع بحجم كيسيل،يمتلك ما يكفي من الذكاء والعمق والموسوعية والبصيرة والخبرة الحياتية والحس الإنساني،لا يمكنه حتما سوى أن يكون صاحب حدس مبشر ونذير.
لكن خاصة دافع العشق،والتعلق الحميمي بالموضوع،يجعل الأفكار شفافة وصادقة.كيسيل عاشق لجغرافية مكان رحلته،أي الشرق.شرق،تحسس سلفا أولى عطوره وهو طفل في سن الثامنة على ضفاف الأورال،مترقبا بشغف عبور قوافل بخارى وفارس، يقودها القيرغيزيون :(( أعشق الشرق،هو ليس بعذري الوحيد للرغبة في التكلم عنه،لأني لا أعرفه جيدا.إننا لا نذهب إليه،وينبغي أن يأتي إليكم،مما يقتضي وقتا.والحال،أني قضيت خلال مرتين،مابين ثلاثة إلى أربعة أسابيع،في سوريا. هذا، كل شيء.ثم، ابتغيت أن أعيش التجربة صحفيا،بمعنى قضاء أغلب يومياتي مع جنرالات وموظفين كبار))(ص-10).
لقاءات هنا وهناك، أثمرت بورتريهات رصدها كيسيل، بدقة محترف الكتابة،القابض على زمام الحلقة المفقودة،الفالتة بين الواقع والخيال،بمعنى ثان،التأرجح بين البعد التقريري للغة الصحافة ثم الحس الفني المحلق لأفق الروائي،الأكثر تكثيفا وزخما ورحابة.
سنقف على وجهات نظر،ونتابع بعضا من يوميات شخصية عسكرية ومدنية، تصنع الحدث في المنطقة :الأمير عبد المجيد، القسّ،القائد كولي الصغير،بوشيد، لابان، القائد مولير، مزود، دحّام، الدروز، الشركس.مثلما،أننا سنكتشف منذئذ، الأمكنة التي ندمن حاليا فواجعها كل حين،حد الهستيريا :دمشق، درعة، السويداء، حلب، ديرالزور، تدمر.
سوريا جغرافية في غاية الجمال والثراء والعطاء ،منبع الحضارات.لكن أيضا بنية طائفية وإثنية معقدة،تَعكَّر صفوها زيادة،واستفحل أمرها،بسبب مساوئ إدارة الانتداب الفرنسي وتبعاته،فأضحت جحيما للنعرات عوض أن تكون رحمة للاختلاف،جعلها لبنة للحرب الدموية التي تدور رحاها اليوم.
.يقول كيسيل :((سوريا،مهد الحضارات ومكان العبور المختار منذ الأزل، أثر ثراؤها وجمالها،دون تدخل ،في كثير من الشعوب.هذه الأرض،حيث تنمو بقوة ملتهبة،الاعتقادات الأولى،وكذا الهرطقة،التي تضلل وتخلط.أعترف بتواضع،أني لم أستوعب خلال أولى أيام إقامتي في بيروت، شيئا بخصوص ما يتداول أمامي من أحاديث مصدرها العلويون،الهاشميون،الموارنة،السنة،الشيعة،اليونان الأرثوذوكسيون،الطائفة السورية-الفلسطينية،قطاع الطرق،المتمردون وكذا دروز الجبل ودروز حوران،اللبنانيون والسوريون والدمشقيون،إلخ،فكيف يعترف بعضهم ببعض ؟تضم سوريا،سبعة وعشرين ديانة،تمثل كل واحدة منها قومية،ويلتمس هذا السديم التأثيرات الأكثر تنوعا،روحيا وماديا. مع ذلك،بعد انقضاء أيام قليلة،بدأت أتمكن من قراءة كتاب الطلاسم هذا،الذي يبدو مستعصيا على الفهم.تتبدى الخطوط الكبرى،بلا شك،بالتبسيط لايمكن أن نعرض كل المشهد ،لكنه الوسيلة الوحيدة لكي أفهم وأعبر عن مافهمت؟))(ص-14).
رحل كيسيل نحو سوريا،مفتقدا لأي مرشد نظري،أو مرجعية قبلية،قد ترسم له خريطة طريق :(( سوريا؟ماذا نعرف عنها ؟لنعترف بالأمر،دون كبرياء مزيف :فقط بعض الوقائع التاريخية المبهمة،حول الحروب الصليبية،ثم بعض الصفحات الشهيرة،والأسماء الجميلة لدمشق وتدمر والفرات .ذاك، كل زادي بالنسبة لبلد كبير وخصب،يعيش تحت الانتداب الفرنسي.لكن،من يبين أهمية هذا الانتداب؟ثم بوسعه أن يرسم- اللهم إلا مختصين قليلين- المظهر السياسي لهذا البلد؟من يفسر لماذا نُقتل ومن يقتل؟. في الحقيقة، إذا كان من عذر لافتقاد المعلومة، فبوسعنا البحث عنها ضمن التعقيد المرعب الذي يسود سوريا))(ص-13-14).
لكنه، عندما عاين وخبِر ولامس على أرض الواقع،صحبة الجنود حيثيات المعارك وجوهر الصراعات السياسية،تحول بعمله هذا من مستوى الريبورتاج التسجيلي العادي ،وكذا الرحلة العابرة، إلى التقييم النقدي لنظام الانتداب،وتحميله في الأخير ساسة فرنسا،مسؤولية الأخطاء المرتكبة التي كرسها الزمان وتماهى معها المكان.
سنتابع وقائع رحلة جوزيف كيسيل إلى سوريا، من خلال هذه الحلقات…

كتائب الشركس
الاسم الوحيد الذي يعرفه الجميع في سوريا،ويحظى بالاحترام-لدى الأنصار والأعداء- بحيث لا يتعلق الأمر بمندوب سام ولا جنرال،لكن بضابط في ريعان الشباب، ارتقى بالكاد وقتها إلى الرتبة الثالثة : إنه القائد كولي،قائد الوحدات الجوية الشركسية.
لم يتجاوز بعد عمره الثامن والعشرين، مع ذلك، صار أسطورة.حينما نسمع لتاريخه، نظن أننا بصدد أغنية ملحمية.من حلب إلى الساحل ومن جبل الدروز إلى جبل صافي ،ومن دمشق حتى بيروت،لا يفوقه أحد شهرة وهيبة، ولا أيضا حب الناس له.
خلال أيامي الأولى في سوريا، فوتتُ فرصة لقائه.أيضا، حينما علمت هذه المرة، بكونه يتواجد لفترة في دمشق، توجهتُ فورا صوب المدينة.لقد، أرادت الصدفة، خلال هذا المسار، أن أعاين أحدث منجزاته.في منتصف الطريق تقريبا،بين بيروت ودمشق، تقاطعت سيارتي مع سيارة دركيين سوريين، ثم صاح في وجهي، أحدهما برتبة ملازم أول:
– فجر هذا الصباح، قام كولي بمطاردة الشهير “أكاش” وثلاثة من أتباعه، بحيث قتلهم جميعا.
أعلم سلفا بأن “أكاش”،أحد أخطر قطاع الطرق،الذين يغيرون على منطقة دمشق، زعيم شرس وشجاع.خبر كهذا، يقتضي مزيدا من التفاصيل، لكن الدركيين لم يكن بوسعهما تقديمها.غير أن فضولي،سيجد ضالته بعد حين.
عندما اقتربت من دمشق،لاحظت عند مدخل قرية صغيرة، أفراد كتيبة الخيالة، بقبعاتهم المصنوعة من فرو الحمل الآسيوي،ونحافة قوامهم،ثم طريقتهم المتعجرفة التي يمتطون بها الحصان،تجعلنا ندرك منذ الوهلة الأولى هويتهم الشركسية .خطوات بعد ذلك، وعند عتبة منزل، يتمدد عربي.كان سرواله الفضفاض، مخضّبا بالدم، وقماشا يخفي وجهه، ثم جامدا إلى حد يجعلك تظنه جثة.
-أكاش؟ تساءل الضابط الفرنسي الذي يقود الشركس.
-لا، أجاب مبتسما. إنه المخبر الذي أرشدنا على مأواه. هو نائم، فقد تلقى رصاصة في ركبته.
فعلا استيقظ الرجل، حتما جراء هدير صوت محرك السيارة، رفع رأسه.تفحصتنا عيناه الواسعتان الهادئتان في ظرف ثانية ،ثم استعاد من جديد وضعه الأول، واصل الضابط كلامه قائلا :
-لقد باغتناهم داخل المنزل.صرخ القائد، في وجوههم بأن يضعوا أسلحتهم.لكن اللص، أجابه بأن رجلا من صنف أكاش، لا يأبه قط لأمر كهذا ، لحظتها أطلقوا عليه النيران.ردود أفعالهم المقاوِمة، أصابت بجروح بعضا من رجالنا، مما أجبرنا على تحطيم البيت، وقذفه بالقنابل اليدوية.كان مجرما رهيبا،لكنه في النهاية عرف كيف يموت.
-هل معكم القائد كولي؟
-لن تصدقوا؟ لقد أخبرناه بأن أخ أكاش يقبع في مكان ليس بعيدا عن هنا، فذهب لتعقب خطاه.لايحسن الظن ،لكنه كما تدرون،لا يخطئ أبدا.سيعود إذن، إلى المدينة هذا المساء.
فكر الضابط قليلا، ثم أضاف كما لو أنه يقدم اعتذارا :
-سيكون من الصعب عليكم الالتقاء به. لأن القائد لا يحب الصحفيين.
بعد حوارات عديدة، أجريتها فترة الظهيرة في دمشق، تبينت دقة الخبر. ليس لأن القائد كولي، يكن ضغينة لجماعتنا، بل نتيجة تواضعه وكذا تحفظه المطلقين.
الرجل الذي كلما تكلم عنه أحد، إلا وأضاف له سمة بطولية، ميزت أكثر تنظيمات حرب العصابات إدهاشا.زعيم لا نظير له،تحدى الموت لمائة مرة، والقائد المشرف على زمرة أكثر شأنا من مجرد فرقة للخيالة، فما إن تحاول التطرق معه إلى مآثره الحربية، حتى يصير أكثرخجلا من تلميذ ينتمي لمدرسة سان سير العسكرية،يجلس أمام ممتحِنِه.
مع ذلك، حاولت.ولاأعرف هل أدين بهذا إلى ضربة حظ،أو لكون القائد كولي استشعر لدى محاوره ولعا عميقا بالحياة العنيفة،واهتماما شغوفا بالمغامرة،هكذا نجحت كي أبقى إلى جانبه طيلة يومين.
صحيح، أن بداية لقائنا ،كانت مضنية قليلا. حدقتُ فيه بلهفة، ساعيا إلى تخيل هذه الجبهة الرقيقة والعنيدة، الأنف الجسور، العينين المنفرجتين واللامعتين حسب إطارهما الطبيعي للمغامرة والقتال.يتكلم بعبارات مقتضبة ومستاءة ،متوخيا إنهاء كلامه بأقصى سرعة ممكنة.
مع ذلك، ولكي يبقى السياق موضوعيا، تعمدت تجنب طرح أسئلة شخصية تتعلق به، مما جعله يسترخي فأضحي طبيعيا.لاحظت، بأن فمه الآمر والمتحرك، ميزته ابتسامة ساحرة بشكل طبيعي جدا، ونظرته القلقة إلى حد ما، تخفي كثيرا من الذكاء والتأمل.ثم استوعبت لحظتها الكلمة التي قالها عنه أحد أفضل رفاقه :
– لايعتبر كولي مجرد مقاتل،يمكننا تصوره في المعتاد.
بودٍّ مضمر لكن ببأس كذلك، يحدثني كولي عن رجاله. أيضا، وقد نسبوا له هذه السمة الثنائية القائمة على الصرامة وكذا تحكمه الدائم في ذاته، سيختبر بلا توقف حاجته لكبت طاقة تلح عليه بشكل مفرط.ولكي يراوغ ذلك، يدخن بشراهة.
إذا توخينا أن نفهم جيدا شركس سوريا، يؤكد القائد كولي، يلزمنا الإحاطة بتاريخهم.تعلمون،بأنهم ينحدرون من منطقة القوقاز.بعد انهزام زعيمهم الكبير ”شامل” أمام جنود الإمبراطورية الروسية،واستعمار بلدهم من طرف الروس،لم يتقبل الكثير منهم قط الخضوع لقوة مسيحية، لذلك هاجروا نحو تركيا سنة 1860 .الحكومة العثمانية،التي تعرف القيمة المذهلة، لهؤلاء الجبليين ،المحاربين على نحو فطري وطبيعي، ستمنحهم أراضي وقرى في المناطق الأكثر اضطرابا، هكذا استقر في الأمكنة السورية الاستراتيجية، ما يقارب سبعون ألف مهاجر:((إخلاصهم على امتداد الخط. جنود بالفطرة، ويخدمون بانضباط الحكومات القائمة.سأقدم لكم،مثالا واحدا :فرقة شركسية، تحارب لصالحنا في منطقة كيليكيا، بما أن هؤلاء الأشخاص وحدهم يعرفون معنى الحرب.لكن، حينما وُقعت اتفاقية السلام، وتيقنوا بأن الأتراك، سيحكمون البلد شرعيا، بادروا إلى إخبار ضباطهم، عن رغبتهم في الامتثال للسلطة الحاكمة.فعلوا ذلك، لكن ليس بلا شرط، بحيث تكفلوا بحماية ومرافقة هذا الضابط إلى غاية الحدود الفرنسية.
((سنة1922، كنتُ مكلفا،بأمن حلب ونواحيها، فتعرفت هناك على بعض كبار سادة الشركس.على الفور،أصبحنا أصدقاء، واقترح علي أحدهم يسمى عثمان باي، بكيفية عفوية العمل على تدريب وحدة عسكرية تكون في خدمة فرنسا.هكذا، تأسست الفرقة العسكرية الأولى للشركس من خمسين فردا،أشرفتُ على قيادتها.
((عملنا على مطاردة جماعات قطاع الطرق المنتشرين في محيط حلب. قام خمسون عنصرا، بتطهير المنطقة. نجاح من هذا القبيل ارتقى بعددهم ، إلى مائة وستين،لكن لم يبق سوى القليل منهم على قيد الحياة.يدير الناجون منهم،حاليا انطلاقا من الموقع الثاني خيوط قيادة – مادامت تخضع كل كتيبة لأوامر ضابط فرنسي- الجنود الشركسيين أو يعملون في ارتباط معي.سقط الآخرون،في ساحة ألف معركة ومعركة، سواء في حوران الدروز،أو أثناء أولى معارك اقتحام السويداء، وقد تقدموا الجميع ،أو سواء في حدائق دمشق الدموية.
((لا يمكننا وضع هؤلاء الأشخاص موضوع مقارنة، بخصوص المعركة التي خاضوها في سبيلنا.فما، إن يتم رصد عدو، في المستنقعات أو الغابات أو المنحدرات الجبلية، إلا وأسرع الشركس نحوه. لا شيء يصدهم،سواء طلقات البنادق أو الرشاشات، ويسعون إلى المجابهة المباشرة، أي تلك المعركة التي نتبادل فيها النار عن قرب، ونطعن بضربات سكين وكذا عقب بندقية.عندما،يدركون هذه المرحلة، لايمكن لأي قوة الصمود أمامهم.
((هل تعلمون، أنه يوجد بالقرب من هنا،في قلب الغوطة مدينة شركسية، لم تعد تضم سوى ثمانين شخصا، شيوخا ونساء وأطفالا، بعد مغادرة الرجال نحو الحرب.حاصرهم ألفان من قطاع الطرق، توخوا تحطيم هذا الوكر الخطير.استعمل الجميع الرصاص. وحينما اقترب الجنود المهاجمون أكثر، انتفض ثمانية مراهقين وتصدوا للهجوم.
-ثمانية؟
-نعم صحيح،بصدق.لكن،أشير إلى ما يفوق هذا أهمية.ذات يوم، تكلفت بتجريد قرية درزية من السلاح،بحيث تحتم على هؤلاء الساكنة، تسليم ثمانين بندقية.فعلوا ذلك،دون تردد.في المعتاد، تعتبر دليلا،عن انقياد دون فكرة مبطنة، ولم أشك أبدا.لكن كاحتياط غريزي، أخذنا بعض الرهائن، وأكرر، كان مجرد احتراس شكلي صرف.إذن، بينما نتهيأ لقضاء ليلة هادئة،انطلق الرصاص منبعثا عبر كل الصخور المجاورة.لقد هاجمنا ألف درزي .الذين بقوا في القرية،أضرموا النيران في منازلهم من أجل مساعدة الجماعة التي أتت لنجدتهم.كانت معركة في غاية الضراوة.وجدتني داخل منزل،لحسن الحظ، يطل على الضيعة الصغيرة، رفقة صديقي عثمان باي، وستة من الشركس.وجّه المهاجمون أساسا تركيزهم نحو مخبئنا،بحيث تابعت أطوار لحظة مفارقة. الدروز، الذين يعرفون عثمان نظرا لشهرته، غمروه بأفظع الشتائم.في نهاية المطاف، لم يستطع تمالك نفسه ،فاندفع مهاجما”وحده” الحشد الغاضب. كيف سينسحب سليما؟ ثم كيف قام بالأمر لثلاث مرات، بحيث ينطلق ويعود؟ يصعب حقا التعبير عن ذلك .
-لكني رأيته.
تأمل القائد كولي للحظات، ثم قال ببطء:
-هو أكثر الجنود، الذين التقيتهم، إقداما.
-أكان كذلك؟ تساءلت.
-نعم… لقد قاتل بجانبي منذ ثلاثة أسابيع، في الغوطة.
ساد صمت،ثم استدرك القائد :
-في الغد، أتى عمه ملتمسا مني أخذ مكانه.تفهمون الآن، مصدر حبي لهؤلاء الرجال.ثم اتصفوا بنبل فطري مثير. جلهم أرستقراطيين.أيضا، أعترف لكم أني أتردد حاليا، بخصوص الذين يقترحون علي أنفسهم.لقد أضحوا أقلية، من لازالوا يدخرون فصيلة دمهم، لذلك أخشى انقراض سلالتهم. يوجد تحت إمرتي حاليا، ثمانية جنود، غير أن الكثير منهم ليسوا من الشركس.هناك الاسماعيليون، مقاتلون أشداء، أثاروا إعجابي ضمن صفوف العلويين، ثم أهل بادية قبيلة شمر، أفراد ينحدرون من منطقة نجد. يقود كل واحد من هؤلاء الجنود، ملازم أول فرنسي، توخيت اختياره. ستقفون على ذلك شخصيا، إذا قبلتم دعوتنا لتناول وجبة العشاء هذه الليلة في مطعم الضباط. سيحسنون وفادتكم، أتمنى ذلك، وللأسف، سأكون متواجدا في مكان آخر .
لم أتجرأ على الاعتراف للقائد كولي، أني أفرح لغيابه، مادام يشكل ذلك، وسيلتي الوحيدة لتقصي قليلا من المعلومات عنه.

(يتبع)

*المصدر :
*Joseph Kessel : En Syrie ;Gallimard ;Succession Kessel ;2014.
http://saidboukhlet.com/

1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق