ثقافة السرد

مريم

فصل من رواية

بدر أحمد علي

كان ذلك في العام1978، في سهل البقاع اللبناني، حيث السهل يصارع البصر، ويقضم بامتداداته كل المسافات التي قد يتخيلها شخص أتى من سفوح الجبال.
هناك، في منطقة قريبة من بلدة عرسال اللبنانية، أقامت فصائل الثورة الفلسطينية، معسكراً تدريبياً تحيط به التلال من ثلاثة اتجاهات، يضم المعسكر 225 ثائراً ومقاوماً أممياً، من قوميات وجنسيات مختلفة، يجمعهم في هذا المعسكر الإيمان العميق بعدالة القضية الفلسطينية، وبالحل الراديكالي، كحل منطقي ووحيـد، لهذه القضية.
في ذلك المعسكر، الذي أعد جيداً، كنا نتلقى تدريبات على حرب العصابات، على يد خبراء ألمان شرقيين، أرسلهم الرفيق هونيكر، لتدريب أفراد المنظمات الفلسطينية. كانت التدريبات مكثفة وعنيفة ولا تنقطع.
وفي خضم كل ذلك، التقيتها؛ فلسطينية يافعة، قضت معظم طفولتها في الأردن، ثم غادرته عقب كارثة أيلول في ال71، بمعية أمهـا وأخواتها الثلاث، واستقرت في الكويت.
“مريم”، هكذا كان اسمها، أخذت عن والدها ابن “الجليل”، الذي لقي حتفه في أحداث أيلول71م، إيماناً صلباً بعدالة قضيتها، وبقدسية نضالها، وأخذت عن أمها، ابنة بلدة “دير الأسد”/ عكا، جمالاً لم تتمكن شموس وأشـواك وصخـور المعسكرات من النيل منه أبداً.
حين تقف أمامها، محدثاً أو مستمعاً، فإنها تتحول إلى بحيرة مغناطيسية، بلباس زيتوني، تبتلعك، تهضمك، تحللك، ثم تمتصك، ثم تنفثك في الأخير، في الهواء، كغبار فلزي يسبح في مجالها المغناطيسي المتوحش، إلى الأبد!
في البداية تحاشيتها كثيراً، وتحاشيت الحديث معها؛ فمنذ اللحظات الأولى التي رأيتها فيها، أدركت أي نوع من النساء هي، وأي كاريزما تحمل! لكني، وعلى غير موعد، وجدت نفسي في طريقها، أو وجدتها في طريقي، لا أتذكر، إنما ما أتـذكره أني كنت أسبح في فلكها، مسلوب الإرادة والتفكير!
في ليلة سوداء معتمة، كنا معاً نجلس تحت شجرة أرز معمرة. كانت تدخن، وتحدثني عن رواية “آنا كارنينا”، بإسهاب جعلني على يقين من أنها تحفظها عن ظهر قلب، كما تحفظ كل ما كتبه الأدباء السوفييت.
أثناء حديثها، كنت أحدق في السماء المطرزة بالنجوم. وحين بدأت أسأل نفسي عن مذاق شفاه الفتاة المدخنة، خُيِّل لي أني سمعت هدير مروحية هيلوكوبتر. أخبرتُ “مريم” بذلك، فلم تُجب، بل إنها تجاهلت كلماتي، وعَاودت تدخينها، وشرحها المسهب. وبعد ربع ساعة تقريباً، غادر كل منا إلى خيمته. وبعد ساعة تماماً من ذلك، تناقلت أجهزة الاتصالات بلاغاً مفاده أن قوة كوماندوز “إسرائيلية” هاجمت بيروت، واغتالت مصطفى الزعيم، أحد القادة السابقين في منظمة “أيلول الأسود”.
كان الخبر صادماً، وكارثياً على الجميع. ورغم ذلك، تم إخلاء المعسكر، وحمل كل فرد منا سلاحه وعتاده، واستعددنا لصد أي هجوم “إسرائيلي” على مواقعنا؛ لكن تلك الليلة مرت بهدوء، وفي ساعات الفجر الأولى، تأكدت لنا العملية، من مصادر عدة، أبرزها أثير الإذاعات العالمية.
أتذكر يومها أن “مريم” قضت بقية يومها باكية في مترسها النائي، الذي يقع على هضبة منعزلة. حاولتُ الاقتراب منها، والتحدث إليها؛ لكنها كانت عـازفة كلياً عن الكـلام.
في اليوم الرابع…
كان الهدوء قد عاد إلى الأنحاء، وبدا أن بقية اليوم ستمر رتيبة كبقية الأيام. كُنت حينها أقف بجوار مبنى المكتبة الخاصة بالمعسكر، رفقة أربعة من الرفاق، منهم مقاتل فلسطيني يدعى “صلاح صلاح”، وكنا ندعوه “أبو صلاح”. كان مقاتلاً صلباً لا يعرف خطوطاً حمراء، ولا يعرف الخوف طريقاً الى قلبه، يدمن القتال وحياة المعسكرات بالقدر ذاته الذي يدمن به الاطلاع واستحضار الأرواح. نجا بأعجوبة من حادثة “عين الرمانة”، وعاد وحيداً بعد عدة عمليات قام بها في عمق الأراضي المحتلة مع رفاق من الثورة الفلسطينية. كان يقول دائماً إن بينه وبين الموت خصاماً أزلياً، وأنه يتمنى أن يموت أو يستشهد على أرض فلسطين، كما كان يحتفظ في جيب سترته العلوي بدفتر أحمر صغير يدوِّن فيه يومياً نقده اللاذع لذاته ولأدائه. كنا سندخل المكتبة، وسأجري معه حواراً لصالح إحدى الصحف التي تعنى بالثورة الفلسطينية. حين فتحنا باب المكتبة دوى في أرجاء المعسكر صوت صافرة طويل. كانت تلك الصافرة الطويلة تعني أن على كل فرد التوجه إلى الساحة حـاملاً سلاحه، والاصطفاف في وضع انتبـاه.
ترك كل فرد في المعسكر ما كان فيه، واتجهنا إلى الساحة. وفي أقل من دقيقة كانت جُل قوة المعسكر في الساحة. وقفنا في خطوط متوازية منظمة. مضت بضع ثوان من الترقب. أذكر أن العيون بدأت تسافر بقلق بين الوجوه تبحث عن إجابات على الأسئلة التي احتشدت في الرؤوس وعلى الشفاه. لم يكن أحد يدري إن كان هذا الاستدعاء تدريباً، أم تكليفاً بمهمة، أم أنه اختبار للجاهزية القتالية للأفراد!!
أتذكر حينها أني كنت حائراً، قلقاً، متوجساً. هدأت الهمهمات، وهدأت خشخشة السلاح. هبت ريح باردة سرت على إثرها قشعريرة باردة في جسدي. أحدهم خلفي سعل مرتين، آخر تنحنح ثم همس بشيء ما… كانت العيون مُسمرة على غرفة القيادة، التي تقع في الجهة المقابلة من الساحة. كنا نتوقع أن يخرج قائد المعسكر. كان بابها مفتوحاً، والريح تعبث بعلم فلسطيني حائل الألوان ينتصب على سارية أمامها، وتعبث أيضاً بصحيفة بالية مرمية أمام بابها. شيء غريب اختلج بداخلي! تعالى دوي بعيد في السماء. دارت الأعين القلقة باحثة عن مصدره. علت الهمهمات. حين أصبح الدوي أكثر وضوحاً، أشارت الأصابع الحائرة إلى السماء، إلى التلال المجاورة، إلى الأشجار البعيدة… غادرت “مريم” صفها، واقتربت نحوي، وقبل أن تقول شيئاً شاهدنا في الأفق البعيد نقطة معلقة بين السماء والأرض. لم تكن تلك النقطة سوى طائرة هليوكوبتر “إسرائيلية” في وضع استعداد قتالي. في الجهة اليمنى من المعسكر كانت تقف طائرة هليوكوبتر في الوضعية نفسها. دارت الأعين بذعر بين الطائرتين المعلقتين بين السماء والأرض. وقبل أن يقرر الكثير منا الاحتماء، شاهدت وميضاً ينبعث من أسفل الطائرة. بعد ذلك بأجزاء من الثانية، اندفع سيل من الرصاص الملتهب شق السماء ثم ضرب الأرض بعنف، ثم شق طريقه على الأرض نحو الأجساد التي شلها الذعر والذهول. شاهدته يضرب الأرض… لا، لا… لم يكن يضربها فقط؛ كان يحفرها، يحرثها بقوة، ناثراً الحصى والتراب والشرر في الهواء، ثم انقض على الأجساد المذهولة، ضربها، مزقها، نثر أشلاءها ودماءها في الهواء… عبر سيل الرصاص على بعد أمتار مني؛ لفحني الشرر والتراب المتطاير. تعالت في أنفي رائحة الدم والبارود.
أمسكت بيد “مريم” وجذبتها ثم بدأنا نعدو وسط الأجساد والغبار والأشلاء، نتجاوزها، نصطدم بها، نتعثر بها… في تلك اللحظات بدا المعسكر سرمدي الامتداد، وبدت ساحته مكتظة بآلاف الأجساد، لا أدري من أين أتت!! بصعوبة بالغة قطعنا خمسة أمتار فقط. في تلك اللحظة فتحت الطائرة الثانية نيرانها. كانت أشد قرباً من الأولى. سمعت أزيز الرصاص. سمعت خشخشة ظروفه الفارغة على الأرض. سمعت صوت اختراقه للأجساد، وصوت تفجيره للرؤوس. عبر وميض الرصاص بجواري. شاهدته يخترق أجساداً أمامي وجواري. تناثرت دماء أحدهم على وجهي ورقبتي. لم نتوقف عن الركض. كان الرصاص يلاحق الأجساد بإصرار غريب، ونادراً ما كان يخطئ هدفه. لم ألتفت نحو أيٍّ من الطائرتين؛ لكني أتذكر أني حينها تخيلتهما تقفان في سماء المعسكر على علو منخفض، وتطلقان نيرانهما الغزيرة بأريحية على أفراد المعسكر. أتذكر أني أيضاً شعرت وكأننا قطيع من الغنم حُشر في قفص محكم الإغلاق، ثم أدخلت عليه سكاكين القصّابين دون أن يملك أحـدها أدنى فرصة للفرار من الموت!!
ألقيتُ بجسدي في أول خندق تدريب قابلني. تبعتني “مريم” بأقل من ثانيتين. ضرب الرصاص الملتهب حواف الخندق. تناثر التراب على وجهينا وجسدينا. تحررت من أسر ذهولي. التفتُّ نحو “مريم”. رأيتها تلهث وهي تجثو على ركبتيها. كانت تمسك ببندقيتها. وقبل أن أتفوه بكلمة واحدة، جذبت إبرة بندقيتها بسرعة ونهضت واقفة تطلق النار بكثافة نحو الأفق. وحين انتهى مشط رصاصها، جلست في قاع الخندق، ثم أخرجت مشطاً آخر استبدلت به القديم وجذبت إبرة بندقيتها… صرخت بها:
ماذا تفعلين؟!!
لم تجب، ولم تلتفت، بل وقفت مرة أخرى ورفعت بندقيتها بيد واحدة، وراحت تطلق النار بكثافة، بغضب، بكراهية، بإصرار عجيب لم أشاهده في مخلوق أبداً. كان عملاً مجنوناً؛ نعم، كان كذلك؛ فالطائرتان كانتا تمطران أرض المعسكر بالرصاص؛ لا، ليس أرض المعسكر فحسب، بل وكل شيء يتحرك. سرتُ منحنياً نحوها وأمسكت بيدها. نفضتْ يدي جانباً ثم استبدلت مشطاً آخر وعادت لإطلاق النار. أتذكر أن بندقيتها أطلقت عشر طلقات فقط ثم توقفت عن إطلاق النار. انحنت “مريم” في الخندق وحاولت عبثا إعادة “تذخير” بندقيتها أو انتزاع مشط الرصاص منها. في تلك اللحظة شاهدت ملامحها تختلج وتتأرجح بين الغضب والقهر. وفي ذروة غضبها ذاك، أطلقت شتيمة بذيئة، ثم أمسكت البندقية من ماصورتها وطـوحت بها بغضب نحـو السـاحة الملتهبة.
أتذكر أنها في تلك اللحظة جثت على ركبتيها لاهثة تجهش بالبكاء وتحدق بذعر في كفها اليمنى المرتعشة. أتذكر أيضا أنني في تلك اللحظة رأيت لحم كفها ملسوعا… لا، لا… لم يكن ملسوعاً، بل كان محترقاً ومهترئاً. انتزعتُ شالها الملفـوف حـول رقبتها ولففت به كفهـا بسـرعة.
فجأة، دوى صوت صفير طويل في المكان، تبعه صوت انفجار قوي في مبنى القيادة. تناثرت الحجارة في الهواء، ثم تساقطت على ساحة المعسكر. جلست “مريم” في أرض الخندق. اقتربتُ منها. هزت المكان انفجارات أخرى عنيفة. استقبلنا التراب والحصى والدخان، واستقبلنا بضع طلقات ابتلعتها أكياس الرمل. أتذكر أني صرخت بها:
لنغير مكاننا!
سرنا بضعة أمتار في الخندق. صاروخ سقط على عربة مصفحة كانت متوقفة تحت شجرة قريبة. كان الانفجار قريباً منا، وكان أيضاً قوياً وعنيفاً، دفعتنا موجته إلى الخلف. سقطنا على الأرض وتهاوت على جسدينا الأتربة وأكياس الرمل.
لا أدري متى انتهى كل ذلك، ولا متى غادرت الطائرتان!! ولا أذكر أي شيء بهذا الخصوص، ولا كم لبثتُ أسفل التراب وأكياس الرمل!… لكني حين فتحت عينيَّ وجدت صعوبة في التحرر من كل ما ينوء به جسدي من أثقال. وحين فعلت، انتشلت جسد “مريم”، الذي يرزح تحت أكياس الرمل. كانت فاقدة للوعي، وكان التراب المعجون بالدم يغطي وجهها وشعر رأسها ورقبتها. ضربت بكفي على خدها مرات حتى استفاقت. أذكر أنها حين استعادت وعيها شهقت شهقة طويلة ثم سعلت وبصقت عجينة سوداء من فمها. أسندتها إلى جدار الخندق، وأخرجت رأسي بحذر من حافة الخندق المدمر؛ كنت أود أن ألقي نظرة على الخارج، لأعرف ما جرى، على الرغم من أن شعوراً عميقاً بالخوف يختلج بداخلي. أتذكر حينها أني لم أستطع أن أمنع يديَ من الارتعاش، ولم أستطع التخلص من جفاف حلقي. من خلف أكياس الرمل الممزقة أرسلت ناظري نحو ساحة المعسكر. كانت الأدخنة ما زالت تنبعث من هنا وهناك. و الأجساد الممزقة متناثرة في كل مكان. الدماء تغطي أرض المعسكر ببقع سوداء متقاربة. رائحة الموت والدم والشواء تسيطر على كل شيء. وقفت “مريم” جواري مترنحة بوجهها المدمى. حاَوُلت أن تخرج من الخندق؛ إلا أني منعتها. أتذكر أنى قلت لها جازماً:

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “مريم”

  1. يبدو لي على ما أذكر فصل من رواية “بين بابين”، رواية رائعة وجديرة بالقراءة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق