الموقع

المثقف في مواجهة ما يسمى الربيع العربي

المثقف دوره الحقيقي تفسير لمعنى الحرية التي لا تحدث إلا من خلال ثورة داخلية نفسية متطلبة لعنصر الحداثة الذي يلزم الجميع مسايرة أحداث العالم و الإحاطة بكل ما يدور في فلك السلطة أو ما تتعامل به العامة من أخلاق أو من خلال الوعي والسلوك. كما أنه الإنسان الذي يتدخل في الحياة الاجتماعية معتمدا على ثقافة واسعة محاولا استعمالها في الشأن الاجتماعي بهدف تغييره نحو الأفضل. ومع حدوث ما يسمى الربيع العربي وما اصطلحت أنا على تسميته بخريف تعميم الرعب والفوضى لا شك أن الذين يطمحون إلى الحرية رأوا في الثورة التونسية والمصرية واليمنية وغيرها رأوا فيها اجتهادا وجرأة وتضحية لا تتكرر إلا كل مائة عام أو حقبة كاملة.. لذلك دفعوا بقوتهم وغيرتهم لأجل التغيير الايجابي، لذلك تألموا لواقع الشعب وانتفضوا من اجل تصحيح الوضع الذي طغى فيه الاستبداد. لقد أفرزت هذه الثورات في انطلاقتها وبتأثير قنوات الجزيرة والعربية وغيرهما المثقف وحددت دوره في دفع الظلم وتلقين العامة معنى المواطنة والوقوف في وجه الفساد لا التخفي أو السير في ركب الوعاظ والمتغافلين عما ينهب وما يضعف كيان الدولة.
هكذا كانت الأمور في البداية ولكن بسيطرة جماعات الإسلام السياسي و جماعات توظيف الدين كشعار للكسب و اكتساب الثروة
أصبح المثقف دوره سلبي إلى أقصى الحدود، ولذلك يجب أن نرفع عنه تسمية المثقف ونضمه إلى باقي فئات المجتمع المتعلمة التي لا تستعمل علمها و معرفتها أبدا بل تظل حبيسة النفسية العاجزة أو الكسولة أو المتاجرة والمهينة .
في خضم الثورات العربية أو ما يسمى بالربيع العربي يمكن القول أن صوت المثقف العربي خافت  من جوانب عدة فبعد مرور أكثر من سنتين على بدء هذا الخريف المنادي أصلا بالكرامة و المعيشة يحتاج المشاهد والقارئ وبالتالي المواطن العادي إلى تحليلات عميقة وموضوعية ودراسات ولقاءات إعلامية تزيل اللبس والغموض عن هذه الثورات التي يشكك بها نسبة من المواطنين وكذلك نسبة من الساسة والمثقفين، وهذا يشير إلى أن المثقف كان غائبا عن التمهيد والتهيئة والتحضير لهذا الربيع  فجاءت نباتاته وأشجاره من دون أزهار ثقافية – إن جاز التعبير – ولعل هذا هو السبب في مواقف اللبس والاشتباه وعدم الوضوح والريبة من هذه الثورات العربية وكأن المثقف العربي، وكذلك الفكر العربي عاجزين بأدواتهما التحليلية عن كشف الملتبس وتوضيح ما جرى، وتبيان ما هي الأسباب وراء ما حدث والى أين المآل ؟
نصل إلى نتيجة واضحة مفادها أن تقصيرا حصل للمثقف العربي لأسباب فكرية وانتهازية واقتصادية موضوعية لكن ليس إلى درجة تغييبه والغمط من جهوده الفكرية التي ساهمت بشكل أو بآخر في إشعال لهيب الثورات العربية أو ما يسمى بالربيع العربي دون أن يدرك أبعاد لعبة الأمم .
لقد رأينا أن العامة بحاجة إلى مثقفين حقيقيين يعلّمون الناس كيف يثورون على أنفسهم قبل أن يتحدثوا عن الثورة، ويحافظون على مكاسب كثيرة، و أن وطنيتهم و دينهم الوحيد هو المحافظة على هذه المكاسب، واجب تعريف الناس كيفية المطالبة بحقوقهم في سلم. ولذلك فالمثقف مطالب أولا أن تكون له فلسفة أخلاقية ليثور بها على نفسه و يلقنها لغيره حتى لا تتحكم فيه المنفعة ويكون أداة و مطية للسلطة أو لقوى أجنبية، وبأن يرفض أن يتحول إلى غنيمة لصاحب المال و القوة ولا يمزق اليافطة التي على كتفيه ” مثقف قابل للبيع “.
و هذا ما أريد الوصول إليه مثقف يحب وطنه و غيور على بلده لا يشترى و لا يباع ، و لا يمد يده و قلمه للأجنبي و يكون ألعوبة في يد قنوات الفتنة و معولا لهدم البلد و تشتيت المجتمع و تحطيم الذات .
نحن بحاجة إلى مثقفين لا يطأطأون رؤوسهم وبقلوب حية ، ميدانيين واقعيين محتكين بالناس وهمومهم ، ينوبون عنهم في المحافل والجلسات عارضين لمشاكلهم لا متاجرين بها. و لا يخونون القضية الوطنية و إن فوت عليهم ذلك الإقامة الدائمة في دويلة قطر .

مدني حرفوش
كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق