قراءات ودراسات

إضاءة حول كتاب “أوكتاف هوداس” لـ”عبد الستار الجامعي”.

لمجد بن رمضان

نسلّط الضوء في هذا المقال الوجيز على إنتاج علمي جديد، هو كتاب يحمل عنوان “أوكتاف هوداس” أنجزه الباحث الجادّ عبد الستار الجامعي. وهو عمل يستحقّ أن نحتفي به لما يقدّمه من معلومات مهمّة للقارئ العربي بأسلوب شائق، جمع فيه صاحبه بين طرافة الموضوع ودقّة المعلومة وبلاغة الخطاب.
هذا الكتاب هو ثمرة جهد بذله “الجامعي” في التنقيب على حياة المستشرق الفرنسي “أوكتاف فيكتور هوداس” وآثاره. والغاية هي التعريف بهذا الرجل وبالإضافات القيّمة التي قدّمها للعالم العربي والغربي على حدّ سواء. ونقطة الانطلاق في عمل “الجامعي” هي غياب مؤلّفات تعنى بهذا المستشرق الجيل رغم ضخامة المادّة الفكريّة التي خلّفها وراءه. فلقد انتبه الباحث إلى هذه الفجوة التي خلّفتها كتب التاريخ والتراجم والموسوعات التي تُعنى بأمثاله. ولقد انتهج مسلكا قيّما في تجسير تلك الهوّة، ينطلق في بالتعريف بالحياة الشخصّيّة لهذا المستشرق، ليعرج، بعد ذلك، على أهمّ منجزاته الفكريّة وينتهي بالنقد الذي رافق أعماله.
رغم اتّساع الموضوع، فإنّ الجامعي لم يغفل عن الطابع العلمي الذي يميّز جلّ أبحاثه، لسيما أنّ العمل الحالي صدر ضمن مشروع مائة كتاب وكتاب الذي تبنّته مؤسّستان ثقافيّتان هما معهد العالم العربي بباريس وجائزة الملك فيصل بالرياض، وهو من منشورات المركز الثقافي العربي ببيروت. فقد جمع الوثائق اللازمة لترجمة الرجل، وتكبّد عناء التفتيش عنها لندرتها. واضطرّه ذلك إلى أن يعمل عمل المؤرّخ الذي يؤلّف سيرة الأعلام من خلال شهادات معاصريهم والروّاة، مع الحرص على الفوز بالخبر اليقين. فدقّق في أصول تلك الوثائق، وتأكّد من نسبتها إلى أصحابها خاصّة وأنّها عبارة عن مذكّرات لعائلة هذا المستشرق، نشرت في وسائل متعدّدة. والغاية من هذا هو إعادة بناء الأفق التاريخي الذي تكوّنت فيه شخصيّته. إذ لا سبيل إلى فهم علمه إلاّ بتنزيله في سياقاته المختلفة.
اطّلع الباحث من ثمّة على منشورات هذا المستشرق، ورتّبها بحسب تاريخ إنجازها وصدورها، ووقف على أهمّ ما ورد فيها من أفكار ثم ناقشها وأبدى موقفه منها. كما تبيّن منهج هوداس في التأليف وأماط اللثام عن الغايات العديدة التي سعى إلى بلوغها. فقد أشار إلى تنقّل هذا المستشرق بين دول عربيّة عدّة، منقّبا عن الخصائص الجغرافية والمعالم الثقافية التي تطبع أهلها والميزات الفريدة لكلّ قطر. كما عرّف بشغفه باللغة، وبيّن أثرها في نفسه وانعكاسها على تفكيره. فلم يكتف “الجامعي” بالمعالجة الوصفيّة لمجمل النصوص التي وقعت بين يديه، وإنّما قرأها قراءة نقدية تأويليّة حاول فيها كشف مقاصد التأليف، مستأنسا بذلك الأفق التاريخي الذي حصّله وهو يتقصّى حياته الشخصّيّة. فبيّن بوضوح أنّ ما قدّمه الرجل من أعمال واكتشافات ينسجم مع طبيعة المرحلة التاريخيّة التي عاش فيها والمنشأ الذي نبت منه.


إلى ذلك، لم يهمل عبد الستار الجامعي الالتفات إلى جملة الانتقادات التي وجّهت إلى “هوداس”، بطرائق غير مباشرة، فقام بتتبع آراء من تقبّلوا نصوصه وغذّوها بالنقد. فقد جمع تلك الآراء المنشورة هنا وهناك رغم ندرتها، ليقف فيها على الرؤى المخالفة. وقد تعامل معها أيضا بحسّ علمي، فصادق على المواقف التي استصوبها، وعدّل في ما رآه مجانبا للحقيقة، بهدف ضمان أكبر قدر من الموضوعيّة والشفافيّة التي تتطلّبها مقاربة مثل هذه الأعمال، وذلك قبل أن يتوّج عمله بإيراد جملة من الشهادات التي قيلت في هذا المستشرق. وهي شهادات مهمّة، وتطلّب أمر جمعها الكثير من البحث، وفق تعبير الكاتب، وذلك بسبب ندرة هذه الشهادات وتفرّقها بين مؤلّفات عدّة. كما أنّها شهادات تتميّز بالكثير من الصدق والأصالة، بسبب كونها صادرة من باحثين متخصّصين، يعرفهم أوكتاف حقّ المعرفة.
إنّ هذا البحث الذي أنجزه عبد الستار الجامعي لذو قيمة مضاعفة، تكمن في طرافة موضوعة وفي طابعه العلمي أساسا. ولكن قيمته تكمن أيضا في كونه أوّل عملّ خُصّص للبحث في حياة هوداس وفي كتاباته الفكرية المتنوّعة، إذ نكتشف فيه شخصيّة طالما أهملت وغضّ الطرف عنها، ونتعلّم منه أصول البحث العلمي المتينة. كما نلمس فيه بلاغة مخصوصة في الخطاب تأسر المتقبّل وتجعله يقدم مرغما على الإنصات للنصّ من ألفه إلى يائه. فقد سعى فيه إلى تجويد العبارة، وتخيّر التراكيب الجزلة، وابتعد عن المصطلحات المبهمة التي لا يقدر على تفكيكها إلاّ قلّة قليلة من أهل الاختصاص، ولكن دون أن يحيد عن أسلوب الكتابة العلميّة التي تميّز بها. فبدى الخطاب مناسبا لكلّ صنوف القرّاء، ومرجعا أساسيا لا غنى عنه لكلّ من يروم، مستقبلا، التنقير حول أفكار هذا المستشرق والتنطّح لدراسة إحدى مؤلّفاته، وما أكثرها!

 
*باحث في الدراسات العربيّة والإسلاميّة، جامعة جون مولان ليون 3.
 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق