ثقافة السرد

الجزء 16 من رواية المأساة الفلسطينية “حرمتان ومحرم”

ل صبحي فحماوي

 أفلام جنسية!

ينتبه أبو مهيوب إلى أن شعره قد طال أكثر من الطبيعي، فيتجه إلى صالون الحلاقة القريب من مسكنه، وبعد السلام والكلام، والتعارف إلى الحلاق؛ الشيخ جبر، الذي يرحّب به دون اكتراث، يطلب من الشيخ تقصير شعر رأسه، فيستأذنه الشيخ بأنه سيغلق الدكان مؤقتاً للذهاب إلى المسجد للصلاة، ويدعوه للذهاب معه إلى هناك. يذهبان إلى المسجد، وبعد انتهاء الصلاة يبلغه الشيخ جبر أنهم يعقدون حلقات مسائية أسبوعية للذِّكر الحكيم، كل مرّة في بيت أحد المريدين، ويدعوه لحضور الجلسة القادمة، والتي ستكون في بيت الشيخ مصطفى العسّال، المقابل تماماً لمحطة البنزين. يخرج مع الشيخ جبر باتجاه صالون الحلاقة، فيساعده في فتحه، ويجلس مرّة أخرى على كرسي الحلاقة، طالباً من الشيخ تقصير شعره، وحلاقة ذقنه، فيرفض الشيخ حلاقة الذقن، اقتداءً بالسُّنة التي تقول (احلقوا الشوارب وربوا اللحى.) فينزعج أبو مهيوب ويفيض به الكيل، ويقول للحلاق:
– يا رجل أنت فاتح هنا دار إفتاء، أم صالون حلاقة؟ فأجابه الحلاق منزعجاً :” قلت لك إنني لا أحلق اللحى، معناه إنني لا أحلق اللحى. أستطيع أن أشذِّب لك لحيتك فقط، ولكن لا يمكن أن أحلقها، فحلاقة اللحية حرام!” يستغرب أبو مهيوب الذي تعوّد أن يحلق ذقنه أكثر من مرة في الأسبوع، فكيف لا يحلقها أثناء قص شعره في الصالون، وكيف سيقولون له: (نعيماً) من دون حلاقة ذقنه؟!
وفي مواجهة إصرار الشيخ جبر، يقوم أبو مهيوب من على الكرسي مُستفَزّاً، ويخرج باحثاً، إلى أن يهتدى إلى صالون حلاقة ينزوي في مدخل عمارة تجارية في الحي المجاور. يدخل فيرحّب الحلاق به، ويهتم لحضوره. يتصفح مجلة منتظراً دوره بعد أربعة زبائن قاعدين في الانتظار. وعندما يجلس على كرسي الحلاقة، يدور بينه وبين الحلاق حديث تعارف، فيروي لـه أبو مهيوب قصة الشيخ جبر، فيتشجع الحلاق، ويقول لـه:” عندما يتحدث الناس في السياسة فإنهم يختلفون، وعندما يتحدثون في الدين فإنهم يملّون، وعندما يتحدثون في الجنس فإنهم يبتهجون! فقال لـه أبو مهيوب:
– ذلك لأن رجل الدين لا يترك للمستمعين فرصة الحوار، فكل المستمعين مجبرون على الإنصات وعدم إبداء الرأي، ويا ويل من يعارض، فقد انتهت أيام عمر بن الخطاب الذي قال: “من رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليقوِّمه بيده”. فقام أعرابي مجهول، وقال له: “والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا”. وخرج الأعرابي إلى بيته، ولم يلحق به مخبرون، ولم يُعتقل، ولم يُتهم ب”الإرهاب”، بل عاش بعد ذلك عمره كله دون مساءلة أمنيّة. لو كنا اليوم نستطيع الرد، حتى على رجل الدين -وليس على الوالي الكبير- أو يسمح لنا حتى بالحوار معه! أنت يا رجل لا تستطيع أن تصحح لغة خطيب المسجد، حتى لو أخطأ في النحو والصرف! ولذلك يملّ الناس من إمعان الدراويش والمرائين في تحريف ديننا الحنيف، مع أن جوهر ديننا كاللؤلؤ، ولكن صلابة وخشونة الأغلفة التي يغلفونه بها، تكاد تخنق أو تقتل اللؤلؤة، ولكن حكمة الله أن اللؤلؤة غير قابلة للقتل، مهما حاولوا خنقها. ولربط عرى المصالح المشتركة، يدعو الحلاق زبونه ليزور الصالون في أي وقت يشاء دون مبرر الحلاقة، فيتبادلون الحديث، ويتسلّون بقضاء الوقت.
تتكرر زياراته لصالون الحلاقة، وتتولد بينهما معرفة وعلاقة شخصية. وفي وقت فراغ الحلاق كان أبو مهيوب يحدثه عن الغربة والوحدة، ويسعى الحلاق بدوره للتعرف إليه، فيسأله عن زوجته، فيجيب بأنها قد توفيت منذ زمن. معنى ذلك أنك أعزب، قال الحلاق. يشعر أبو مهيوب بالحصار النفسي هذه المرّة فيقول:
أعزب وعجوز وشيبة، سمِّني كما يحلو لك.
” لا أبداً، والله إنك ما تزال شاباً وقوياً يا رجل !” فتنفرج أسارير أبو مهيوب ويقول له: الله يجبر بخاطرك !
وبعد زيارات أُخر، يفكر الحلاق في الشلّة، فيقترح عليه أن يضمه إلى ناديهم الثقافي: “ما رأيك أن نلتقي خارج الصالون؛ في نادينا الخاص؟ فأنا أعزب ومغترب مثلك، ونحن نلتقي هناك في شقتي مرة في الشهر، ونشاهد بعض الأفلام الترفيهية، ونتعارف أكثر. تنضم إلينا لتشاهد أفلاماً فيها فنون من نوع آخر! أعني فيها إباحية زائدة عن الحد! نحن نلتقي في الساعة العاشرة صباحاً، في نهاية كل شهر!”
يتلفت أبو مهيوب حوله ثم يقول: لا مانع لدي، فأنا منذ حللت في هذه البلاد، لم أدخل بيت أحد غير بيتي!
وفي الموعد المحدد، يزور أبو مهيوب شقة الحلاق، فيجد مجلس النادي معتماً، وبالتدقيق في المكان، يشاهد عدداً كبيراً من الحضور، فيقعد على أحد الكراسي الفارغة، ويكتشف أن الفيلم قد ابتدأ، والحضور صامتون، وامرأة على الشاشة تتأوه مع رجل يعاشرها معاشرة الأزواج، ولكن بطريقة وقحة وفظّة وقاسية ومثيرة، فيفهم أن هذه هي الأفلام الجنسية التي يتحدثون عنها، والتي لم يشاهدها من قبل، وها هو يراها لأول مرة في حياته، فيندهش بها، ويتهيج لمرآها، ويفتح عينيه على اتساعهما ليشاهد كل شيء كما يعرضه الفيلم، وبين لحظة وأخرى ينظر إلى الحضور، فيلاحظ كونهم مختلفي الأعمار والأشكال والجنسيات، ويبدو أنهم كلهم من الأجانب الشرقيين والعرب، وليس بينهم واحد من أبناء البلد أو الغربيين، وعندما يسأل الحلاق لاحقاً عن هذه الملاحظة، يجيبه بأن الغربيين قد يشاهدون هذه الأفلام بشكل أوضح وأعم في بيوتهم أو نواديهم الخاصة، وأما أصحاب البلاد، فلا علاقة لنا معهم، ولهم حياتهم الخاصة التي لا نتدخل فيها.
لا يستطيع أبو مهيوب القعود بلا عمل، ولا يرغب في التورط بمثل هذه الاجتماعات التي شاهدها، فلقد شعر بنفسه صغيراً قميئاً مهيناً وهو يشاهد هذه الصور الإباحية، التي تُحوِّل الإنسان إلى حيوان قذر، يشمشم الروائح النّجسة، ويفعل المحرّمات التي تُخرج الإنسان عن سُمُوِّه وطهارته، وتلوث تفكيره ونظرته الإنسانية للمرأة، ومن يومها قرر شراء آلة حلاقة كهربائية، وصار الرجل يتحكم بحلاقة شعره بيده، وارتاح من الحلاق جبر، ومن أفلام الحلاق الزرقاء.
بعد أشهر عِدة من الملل والضغوطات النفسية، يفكر أبو مهيوب في الذهاب إلى بلدية الواحة، وهناك يلتقى مدير الحدائق والزراعة، فيعرض عليه خبراته، ويحدّثه عن التطعيم والتقليم والقص والتشكيل والتسميد والرش، وما إلى دون ذلك، ويقول لـه إنه مستعد للذهاب إلى البيوت التي يطلب أصحابها خدمة حدائقية.
ينتبه المدير إلى أن كثيراً من الأهالي يطلبون منه خدمة حدائقهم المنزلية، ولكنه لا يجد أشخاصاً يثق بهم ليرسلهم في مثل تلك المهام البيتية الحساسة، ولكن يبدو أن هذا الشامي متمكن من علومه وأفعاله، ويبدو أن شخصيته موثوق بها في التصرف مع أهالي البيوت، فيتفق معه على أن يعمل في بعض الحدائق الخاصة، وأن تكون الأجور التي يتقاضاها مناصفة بين الشريكين، وكي لا تكون الأتاوات التي يأخذها مدير الحدائق من باب الرّشوة، ولاستبدال الحرام بالحلال، يعتبرانها شركة خاصة بين الموظف والبستاني، مع أن الموظف يقبض راتبه من الحكومة، والبستاني يقبض أجور عمله بعرق جبينه من أصحاب البيوت، ولكن لا مناقشة لغريب في حضرة مواطن، ولا مناقشة لرجل سليط متسلط في سلطاته السلطوية، فالسلطة كلمة مشتقة من التسلُّط! ومع ذلك يفرح أبو مهيوب بالشغل الجديد في أعمال البستنة، فيروح يشتغل كما تعَوّد في معسكر الحصار. والشغل هنا يُشعره بأنه ليس عالة على أحد، وبأن الزمن يُستثمَر، وجهوده تؤتي أكلها، فيقول لنفسه:
– لماذا لا أعمل، وأفيد وأستفيد ؟ أليس ذلك أفضل من أفلام الحلاق المحروقة ؟
وهكذا راح ينفذ طلبات مدير الزراعة، ويذهب إلى المكان الذي يرسله إليه، ويعمل منذ الصباح وحتى المساء، لدرجة تشعر معها تغريد وماجدة بوحشة السكن وحدهما في هذا البيت الخانق!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق