ثقافة المقال

الفلسفة والمصافحة بالكوع

كه يلان محمد

باغت فايروس كورونا العالم بسرعة تفشّيه، ولم يعد هناك بلد بمنأى عن تداعيات هذا الوباء، ولم يتوقّع العلماء في البداية أنّ المارد يخرج من قمقمه «ووهان» ويغزو القارات البعيدة ويقطع أوصال المجتمعات. لكن ما لبثَ أن صارت أخبار الفايروس مالئة الدنيا وشاغلة العالم، وطال تأثير الصدمة كلّ المرافق الإقتصادية والسياحية والثقافية.

من المعلوم أنّ هذا الوضع ينعكس سلباً على المستوى النفسي لدى الأفراد وقد تتخبّط الحكومات في القيام بالإجراءات، بعد ارتفاع عدد المصابين بكورونا واتّساع جغرافية انتشار العدوى، وركون الناس إلى المنازل. ويبدو أنّ التوتر قد تصاعد حتى بات لا يعلو صوت على صوت كورونا في وسائل الإعلام، كما حظيت الأعمال الأدبية التي تتناول الأوبئة بالمتابعة، ولاقت رواجاً وزادَ الطلب على بعض العناوين الروائية. غير أنّ الأهم في هذا التوقيت هو التخفيف من حدّة التوتر، وذلك عن طريق التعامل مع النصوص الأدبية بوصفها عاملاً لاستعادة التوازن على الصعيد النفسي، إذ تذكّرك هذه الأعمال بأنّ البشرية قد انخرطت في حرب ضروس ضد الأوبئة والأمراض المميتة، ولكن كلّما كسبت جولة، ولو بخسائر فادحة، تمكنت من بناء الحضارة من جديد وبدأت دورة الحياة الطبيعية. وما زاد مناعة الإنسان في تحمّل التقلّبات البيئية هو القدرة على التأقلم مع الظروف وتمكّنه من تحويل العوائق إلى أداة لإنجاز مزيد من التطوّر، فكان العامل الجغرافي يحول دون التواصل بين المجتمعات في السابق، لكنّ الإنسان نجح في قهره من خلال وسائل النقل التي تطوّرت بالتدرّج، كما أنّ كثيراً من الأوبئة والأمراض التي أعتبرت مصدر تهديد للحياة في العصور المنصرمة ما عادت تشكّلُ تحدياً أو خطراً في زمننا. إذاً، فمع كل اختبار صعب يُفتح أفق جديد للتطور.

طب العقول

يتابع المواطنون المعلومات التي تُنشَر بشأن تطوّرات مرض كورونا من على وسائل الإعلام وشبكات التواصل الإجتماعي، ولا تكفُ الجهات المعنية من التأكيد على ضرورة التمسّك بالتعليمات الطبية. ولكن هل يكفي التدجّجُ بالكمّامات والسترات الطبية واستخدام المعقّمات لمواجهة الفايروس؟ نعم، كل ذلك قد يحميك من الإصابة بالعدوى لكن ماذا عن المخاوف التي تغزو الأعماق وتصعّدُ من حدّة الإنفعالات؟ «ليست الأشياء ما يكربُ الناس ولكنّ أفكارهم عن الأشياء» كما يقول إبكتيتوس، من هنا يبدأ دور طبّ العقول أي الفلسفة، فلا تنفعك الوصفات الطبيّة في معالجة الشعور بالسأم من الترقّب وتكرار المشاهد، علماً بأنّ الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي قد يشعر بالملل ولا يريد أن يكون ما هو عليه، بحسب تعبير ألبير كامو. كيف يكون رد الفعل إذا تطلّبَ الموقف أن تفرض حجراً صحيّاً على نفسك؟ طبعاً لا توجد عقاقير للتخلّص من الملل، لذلك من الأفضل أن تتقبّل قدرك، إذ يشبّه ماركوس أوريليوس الإنسان المتبرّم بكلّ شيء والساخط من الوضع بخنزير الأضحية يرفس ويصرخ. ومن المناسب في هذا الصدد التذكير بقصّة الفيلسوف الرواقي «إبكتيتوس» الذي كان عبداً لـ»إيافروديتوس»، فالأخير نَكّل به وعَذّبه بطريقة غريبة حيث وضع رجل الفيلسوف في آلة التدوير مترقّباً رَدّ فعله وما من صاحب المختصر إلّا أن قال ستكسرها. وفي ذلك صورة واضحة لتحمّل الشدائد والتجلّد، فالحكمة برأي الرواقيين تكمن في قدرتك على أن تفرّق بين الأشياء، ومعرفة ما يمكن تغييره وما يقعُ خارج قدراتك، فبالتأكيد إنّ منع انتشار الوباء أمر يفوق قدرة العلماء، فما بالك بمَن ليس له دراية بالطب؟. إذاً، عليك أن تقتنعَ بمبدأ هيغل «كل ما يحدثُ في الواقع هو منطقي». عطفاً على ما سبق فإنّ فهمك للحياة يتعمّق كلّما شعرت بأنك تعيش في الخطر. يقول نيتشه: «أنا أعرف الحياة معرفة جيدة لأنني كنت على وشك فقدانها»، فكان المرض أوّل شيء هَداه سواء السبيل. ويُقارب نيتشه الأوبئة على نطاق أوسع، لافتاً الى أنّ أوروبا تدين بعظمته لدائه الذي لا يشفى وآلامه المتنوّعة العديدة، فإنّ هذه الآلام والأخطار المتجدّدة بنظر نيتشه هي بمثابة قابلة للأفكار تبقى مع فيلسوف الريبة، إذ تؤكد سالومي أنّ المرض كان مصدر إبداعه وكل تَعافٍ هو إحياء بهيج وتجديد لنشاطه العقلي. ومن جانبه، وصف نيتشه هذه الحالة بـ»تذوّق جديد». ويرى «أنكسمندريس» أن كلّ ما يَنشَأ يصيبه الفناء وكل ما يولد جديرٌ بالموت، ولولا الخوف من الموت لَما كانت فلسفة ولا دين، على حد قول شوبنهاور.

إذاً، فإنّ دور الفلسفة يتمثّل في تَهدأة المشاعر السلبية ومَنع تناسل الأهواء الحزينة وحمايتك من الوقوع في منزلق الخوف والهلوسات، فالموت من منطلق الفلسفة دافع للتأمّل والتفكير وإدراك الصراع بين الرغبة في البقاء والوعي بالنهاية، وفي الأخير نقتبسُ من «لوكريتيوس» مبدأه لمعالجة الخوف من الموت «حيث يوجَد الموت لا أوجد أنا، وحيث أوجد أنا لا يوجد الموت، فلمَ القلق؟».

رؤية جديدة

يستنكر نيتشه مفهوم المعرفة من أجل المعرفة واصفاً إيّاه بآخر شرك نَصبته الأخلاق، وبذلك يتقاطع مؤلف «مولد التراجيديا» مع منطق الرواقيين الذين حاولوا في مسعاهم المعرفي تحويل الفلسفة إلى أداة لتحسين نمط الحياة وإصلاح الفكر، لأنّ الإنسان كيفما تَكنُ أفكاره المعتادة تَكن طبيعة فكره. وبالتالي، يتشَكّلُ الإنطباع حول الأشياء بناءً على منهجك في التفكير والسلوك العقلاني. لذا، فإنَّ الفلسفة لدى «إبكتيتوس» هي الاشتغال على تحرّر الذات من الانفعال واكتساب المناعة من المؤثرات الخارجية. يقول ماركوس أورييليوس إنّ العقل الخالي من الانفعالات هو قلعة ليس للناس ملاذ أقوى منها. ويَسبق علاج الروح عند «شيشرون» عملية القضاء على أوصالنا الجسدية، ولا ينفعك على هذا الصعيد غير الفلسفة، من هنا نفهم مغزى هذه العبارة «مدرسة الفيلسوف هي عيادة الطبيب»، لكن مع الأسف تحوّلت الفلسفة في وسطنا الثقافي إلى مَشجبٍ لمُصطلحات مسمومة بالكراهية ومخاصمات بين الطوائف المختلفة، مثلما أنّ فهمنا للدين متزمّت، كذلك الأمر بالنسبة للفلسفة، وكلما يذكر لفظ الفلسفة يَتبادرُ إلى الذهن الصراع الآيدولوجي والمُماحكات بين الجبهات المُتنابذة، بينما غاية النشاط الفلسفي برأي المفكر المغربي «سعيد ناشيد» هي تنمية القدرة على العيش في هذا العالم الذي هو مأوانا المؤقّت. صحيح أنّ الفلسفة لا تغيّر الحياة، أو كما يقول أتباع المدرسة الرواقية لا تمنع وقوع الأحداث، ولا تأخذنا الأوهام بأنّ الفلسفة تعجّل بقيام الجَنّة على الأرض، لكن تقدّمُ فهماً تعود بعده أحداث الحياة مقبولة وممتعة. لذا، تصبح قراءة الفلسفة في المحن والأزمات ضرورة ملحّة إذا كان الغرض من القراءة هو وضع الحدث في سياق تاريخي. إذاً، إنّ الفلسفة ليست رديفاً للتعقيد والتجهّم والتشدّق بألفاظ غير مفهومة، ولا يمكن لنا أن نتفلسف إلّا ونحن ضاحكون، كما نُقل عن أبيقور. وفي ذلك تجد فوائد الفلسفة للتأقلم مع زمن المصافحة بالكوع.

كاتب من العراق ينشر المقالات في عدة منابر عربية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق