ثقافة السرد

الشروق الأخير

بقلم أ: آيات الجزائرية

بخطى متثاقلة وئيدة متململة أمسكت بعكازها مستندة إلى جدران غرفتها بجسدها المتعب . جلست كعادتها على كرسيها تطالع المارة بعينين غائرتين قاربتا القرن من الزمن. عينان تحكي ألف قصة و قصة. عينان تروي قسوة السنين التي مرت بها إبان الحرب و القهر الذي كابدته. من فقر وحرمان كان رفيقها طوال حياتها. وعشرية سوداء أخذت منها فلذات كبدها . وحراك شعبي انتظرت منه القليل .
واليوم يأتي هذا التنين الأحمر فيروس كورونا القادم من الصين ليفرض عليها المكوث في البيت و هي التي تعودت على استقبال الشمس و توديعها كل يوم
لاتزال العجوز يامنة تذكر أمورا كثيرة و كأنها حدثت البارحة لم تخف يومها من الاستعمار ولا من الفقر ولا من الارهاب إلا أن هذا الوباء اللعين شتت تفكيرها و هي تسمع عدد ضحاياه يزداد يوما بعد يوم .
إنها حكمة عشرات السنين جعلتها تلزم غرفتها آملة أن تودع هذه الحياة وسط أحفادها وفوق سريرها الذي احتمل معاناتها و دموعها ..
و هاهيا تلقي بنظراتها الضعيفة لعلها تجد من كانت تسلم عليهم كل صباح . فجأة أحست بجفاف في حلقها و ارتفاع في حرارتها . نادت على حفيدها بصوت مخنوق . حاولت الوقوف لكنها هوت مغشية عليها ..
سارع أحفادها لنقلها إلى المستشفى و هناك تبين أنها أصيبت بالفيروس الخبيث .. أسرع الاطباء وتم وضعها في غرفة العناية المركزة . كما تم وضع كل من له علاقة بهافي الحجر الصحي .
مرت أيام والعجوز المسكينة تصارع الموت كانت متأكدة أنه أقوى منها و سيغلبها هذه المرة . أحب الأطباء العجوز يامنة فهي تلخص قصة وطن …
بعد أسبوع من محاولة شفائها أدركت يقينا أنها على مشارف توديع هذا العالم الذي طالما أحبته بكل ما يحمله من أفراح و أقراح .. كان حلمها بسيطا بساطة عيشها . أن تموت وسط أحفادها و على سريرها الخشبي …
أخذت غرغراتها ترتفع و ترتفع طوال الليل أسرعت الممرضات و تجمهرن حولها يبكين و ينتحبن لحالها لقد كانت إمرأة مسالمة و كلماتها تتقاطر حكمة و تفاؤلا .
نزعت العجوز كمامة التنفس و قالت بصوت متهدج : أريد مشاهدة شروق الشمس للمرة الأخيرة .
كفكف الجميع دموعهن متعجبات لهذا
الطلب . فقطع دهشتهن صوت طبيبتها : أنا من سأحقق أمنيتك أيتها العجوز الطيبة .
و دفعت بسريرها المتحرك إلى حديقة المستشفى . أخذت العجوز تحدق إلى السماء و كأنها تبحث عن كنز فقدته وسط أكوام التبن . نزلت دمعة من عينها تاهت وسط تلك الأخاديد التي حفرتها الأيام على خدها الطاهر . و عندما بزغت الشمس مرتدية لباسها الأحمر خجلة من نظرات العجوز لها . شهقت شهقة فاضت معها روحها إلى السماء .
و كان ذلك آخر شروق رأته العجوز يامنة …

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق