ثقافة المقال

الوباء والوعي الزائف

ذ – محمد زبير

يهمنا في هذا المقال أن نتحدث بإيجاز عن علاقة الوعي الزائف كآلية للفهم والتفسير والتصرف عند الأفراد بالوباء عامة، وبالوباء المنتشر هذه الأيام في العالم – كوفيد 19- خاصة.
نعني بالوعي الزائف بعيدا عن كثرة التحديدات الأكاديمية، الوعي المعاكس للحقيقة وللواقع والمجانب للصواب باعتباره مبني على فهم عكسي مغلوط قائم على الوهم والتقليد الأعمى لنوع الأفكار السائدة في المجتمع، أما الوعي فادراك لحقيقة الشيء كما هو بشكل علمي موضوعي أو ذاتي، عقلي أو حسي، بعيدا عن الوهم والتوجه العام.( وهذا اشكال آخر لن نخوض فيه )
ولعل التعامل مع الوباء يُحتاج فيه الى الوعي، غير أن هذا الوعي في مجتمعنا مستلب وصنيع ثقافة الخرافة، ثقافة تقوم على رجعية تواكليه يحكمها الأشخاص والرأي والسحر والشعوذة والدجل، مما يجعل فهم ظاهرة الوباء فهم استسلامي يقوم على الارتماء في حضن القدر والصدفة والانتظار، بعيدا عن اتخاد الأسباب المادية الضرورية والاحتياط الواجب.
فالوعي الزائف وعي جمعي يستمد مشروعيته من تقاليد وأعراف متجذرة في القدم، ويمارس سلطته على الأفراد بشكل لاشعوري من خلال التنشئة الاجتماعية التي تزكي التلقين والتقليد وتحد من خبرة الفرد الشخصية واستقلاليته. وان تعامل مجتمعنا المغاربي والشرق-أوسطي عموما مع الوباء هو تعامل خرافي قائم على رأي لا يؤمن أبدا بالعلم والطب والمختبر، ولا يقيم لهم أصلا أي اعتبار. وهو رأي تقوده جماعات دينية وسياسية واقتصادية تهمها السلطة أساسا من خلال تزكية هذا الوعي الزائف وترسيخه عبر الاعلام والأسرة والمدرسة ومختلف المؤسسات الدينية والثقافية.
هذا الوعي الزائف خلق لنا مجتمعا متخلفا عتيق التفكير والتصرف. ليس فقط شعبيا بل حتى رسميا ونخبويا، حيث في الوقت الذي تنشغل فيه البلدان المتقدمة مثلا بإيجاد اللقاح المكافح للوباء وتشير في اعلامها الرسمي لعمل المختبرات ومحاولات الخبراء، وتستضيف علماء الأوبئة والأحياء، تكتفي الجهات المسؤولة في مجتمعاتنا بإحصاء الضحايا وفرض ملازمة البيوت ( بالقوة أحيانا ) في انتظار المجهول ، والاستسلام للأمر الواقع . فيتولى الجهاز الأمني التوعية ورجل الدين النصيحة وبعض الجمعيات وأصحاب المال التقاط صور البؤس، وأغلب الشباب يتولون جاهدين نشر التفاهة حول الوباء في مواقع التواصل الاجتماعي…وكل هذا تعرية للحقيقة المخفية والمخيفة التي تجعلنا نحيا بوعي جمعي زائف، وعي متجسد في زمن حاضر واقعي قائم على العلم والتقنية والاحصاء والتحليل والتوقع، ووعي ماضوي رجعي مستلب الروح يبحث في رماد الأقدمين عن علاج سحري وبخور منقذ.
لقد فضح الوباء الحقيقة، وحدد الأولويات، وأعاد طرح الأسئلة وبناء المفاهيم في الوعي الجمعي الزائف: حدد الضروري الأساسي وما هو تافه وثانوي، حقق الانصاف ولو نسبيا. أعاد تعريف دور الطبيب والمدرس والمختبر والعلم والمهرجان والميزانية … أولا بأول، وبدأت الأسئلة تنسل تحت الضغط وتعبر عن نفسها بشكل بدهي، وكلها تبدأ ب: لماذا لم …؟ دلالة على الندم.
ولما جد الجد وجاد الزمن بالوباء، وجد الوعي الزائف نفسه أمام صدمة المصير، صدمة تمس وجوده وبقاءه، فاختفت فجأة جحافل التافهين من أمام الشاشات، لأن الجد لا يناسبهم ولا يعتبرهم، وظهرت الفئة المغلوبة على أمرها للمواجهة بصدر عار. ظهر الطبيب ذلك النكرة المجهول واختفى المغني ذلك المشهور المعلوم. ظهر المستشفى المهترئ واليتيم في مدينته، وأغلقت المساجد المزركشة بالرخام أبوابها… فحقا الوباء قاتل، لكنه قد يحي الضمير.
لقد فضح الوباء الوعي الزائف: كذب على الذات بإيهامها التوازن والحصانة الغيبية والحقيقة، في مجتمع قائم أصلا على الكذب في كل شيء، في الصداقة، في القيم، في الدين، في السياسة، في الاقتصاد … وعي يهرب بالذات والمجتمع الى الماضي الوهم لالتماس الحلول والاقتداء والتبعية، ويعيش الحاضر تافها ساخرا من الحضارة وشاكا فيها. وليس غريبا أن تمتلئ شاشات الهواتف والحواسب عند تصفحها بأقوال وصور توحي بتمثلات خرافية وهمية حول الوباء مستصغرة شأنه أحيانا ومتكبرة عليه بدعوى المناعة والرعاية الغيبية والدينية أحيانا أخرى. ولعل هذا ما سمح بتفشي ظاهرة الدجل والشعوذة التي تؤرق الوعي الحقيقي بالصحة في مجتمعنا.
ومن المثير للاهتمام أنه يوجد في كل حي تقريبا راق -شرعي- أو مشعوذ، تحتاج للاستفادة من خدماته الوساطات أو الانتظار في صفوف وطوابير، ويلزمك ان كنت فقيرا أن تقترض مالا، لأن خدماته غالية الثمن، وقد لا تجد عيادة طبية في ذلك الحي. أما الطب النفسي فناذر أصلا. ولما نستفسر عن السبب، نجد مجددا ” الوعي الزائف ” متهما، حيث تجسد الشعوذة والرقية توق المجتمع الى الاتزان النفسي والروحي والخوف من المستقبل ومعاناة الحاضر، فيسقط الوعي – بسبب الخوف والجهل والحرمان – في القدرية ويكون رهين جشع محتالين ولصوص باسم الدين والتراث والماضي الحصين، وباسم امتلاك مفاتيح المستقبل والسعادة التي هي ضالة كل انسان.
ولعل انتشار الدجل بهذه الطريقة واستفحاله في مجتمعنا وادعائه امتلاك حلول وترانيم وخلطات سحرية لكل داء ووباء، في مقابل اقصاء العلم والمعرفة ودور المدرسة، أضعف الاهتمام بالطب والبحث العلمي حتى لدى الجهات الرسمية. وفي غياب الإحصاءات – بسبب الوعي الزائف مجددا – أكاد أجزم بأن المقبلين على عيادات الدجل أكبر بكثير من المقبلين على العيادات الطبية والنفسية والمستشفيات. ولأن ما يعد به الدجال من وهم يفوق بكثير ما يعد به الطبيب من علاج، لأن الأول يلعب على أوثار الجهل – وهو السائد-، أما الثاني فيلعب على أوثار العلم – وهو ناذر -. مما يجعل أية مقارنة في مصلحة الدجال. فعندما يجتمع الفقر والجهل في الانسان يصبح وعاء لتقبل ضرورات الحاضر والخضوع لأوهام الطلاسم والترانيم …
هكذا يعثر الوعي الزائف على حقيقته في مجتمع الخرافة فيمنحها معنى ويضفي عليها معقولية، فيرهن حياته ووجوده لهذه الخرافة، وينتج تمثلات دينية ومشاعر نفسية وقيم أخلاقية خصوصية، هي في نهاية المطاف تركيب كلي لأنماط من التقليد، وأشكال من الهرطقة، ومظاهر من القهر الاجتماعي والتقوى الرهيبة وادعاء الطهرانية…
انه ضياع مأساوي للوعي، اذ يتقمص ” الدجل ” دور العلم، فيسمى المشعوذ عالما، ويسمى العالم أو الطبيب كافرا. هذا الضياع نتاج الإخفاق التاريخي، وثمرة الضياع الوجودي الذي هو نتيجة نظام اقتصادي هش وغير منظم، وسياسة تنموية وتعليمية عتيقة لا تساهم في التجديد بقدر ما تعيد انتاج الوضع القائم. مما خلق مجتمعا مفارقا ومتناقضا يعيش شكليا مظاهر التحديث في انخراطه في التقنية وأساليب الحياة المعاصرة، لكنه في حقيقته لا يحيا وفق مفاهيم الحداثة التي أنتجت هذا التحديث. فرغم كل الاحتياطات التي يتخذها الناس للوقاية من الوباء والتي فرضتها الدولة، تسكنهم جميعا هواجس ” لا جدوى الوقاية ” مادام الوباء – في وعيهم الزائف – عقاب الهي لغير المؤمنين، أما هم فمحصنون ضده باعتبارهم يملكون الخلاص والأدعية الشافية والأعشاب التي هي دواء لكل داء. ولولا الخوف من السلطة ما التزم أحد بأية وقاية ولوقعت الكارثة.

*أستاذ الفلسفة – المغرب –

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

7 آراء على “الوباء والوعي الزائف”

  1. يجب أن يكون هناك وعيا كاملا بين البشر وهذا لصالحهم قبل كل شيء

  2. الوعي البشري لم يكن مطلوبا كما هو مطلوب في هذه المرحلة الحرجة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق