ثقافة السرد

“صمت وظلمة”

سيلفينا أوكامبو ترجمة عبدالناجي ايت الحاج

كلمات من نيون كتبت على الجزء الأمامي من المبنى: الصمت والغموض. جذب الملصق الانتباه. “لا يُسمح بالدخول للبالغين أكثر من خمسين عاما ، قد يؤدي العرض إلى تثبيطهم أو إصابتهم بنوبة قلبية. ولا للبالغين أقل من سن الرابعة عشرة، لأنهم قد يحتجوا بإلقاء المفرقعات النارية، وإحداث الضوضاء وإزعاج الجمهور.” في الغرفة السماوية ذات الهواء المنعش ، يجلس المتفرجون على الكراسي الرقيقة ، مغلقين عيونهم اتباعا للتعليمات التي تم توزيعها على مدخل المسرح.و اتباع التعليمات دوما ضروري ، حتى لا يكون الوقع قويًا جدًا. عندما يفتحون أعينهم ، يلقون برؤوسهم أماما ليتمعنوا فيما لم يروه منذ فترة ، الظلمة مطبقة ، ويسمعون ما لم يسمعوه أيضا من فترة طويلة. الصمت المطلق . هناك مستويات عدة من الصمت كما أن هناك عدة مستويات من الظلمة. الكل كان محسوبا حتى لا يفاجئ الجمهور و ينبهر أكثر من اللازم .كانت هناك حالات انتحار.
في الوهلة الأولى سمع صرير لامتناهي للجراد، الذي تناقصت حدته تدريجيا حتى تعودت الأذن مرة أخرعلى سماعه يخرج من العمق المخيف للصمت.بعدها الخشخشة الخافتة للأوراق ، والتي كانت ترتفع حدتها وتنخفض حتى تصل إلى المستويات الصوتية للرياح. ثم يسمع صوت خفيف من تنورة حرير ، وأخيرا ، قبل الوصول إلى هاوية الصمت ، صوت دبابيس تتساقط على أرضية الفسيفساء. تقنيات الصمت والظلام تم إصدارها لابتكار أصوات مشابهة للصمت حتى يصلوا تدريجياً إلى الصمت المطبق.
أمطار غزيرة جدا من الزجاج المكسور على القطن استخدمت لهذه الأغراض لبعض الوقت ، لكن بدون نتائج مرضية ؛ خشخشة بعيدة لأوراق حريرية كانت تبدو أفضل لكنها لم تنجح أحيانا تكون الاختراعات الأولى هي الأفضل.
عند مدخل المسرح ، على خرائط ضخمة للعالم تعرض رسوما ملونة للاماكن حيث يمكن سماع الصمت جيدا وفي أي سنة تم تعديلها وفق الإحصاءات ، خرائط أخرى للأماكن التي يمكن الحصول فيها على الظلمة المثالية ، مع الأزمنة التاريخية حتى انقراضها.
كثير من الناس لا يريدون الذهاب لرؤية هذا العرض المهم جدا والعصري جدا . يقول البعض إنه من غير الأخلاقي أن ننفق الكثير كي نرى لاشيء. وآخرون يرون أنه ليس من المناسب أن يعتادوا على ما فقدوه من فترة طويلة ؛ و آخرون ، الأكثر غباء ، تعجبوا: “نعود إلى زمن التصوير السينمائي”.
لكن كلينامين أرادت أن تذهب إلى مسرح الظلام والصمت. أرادت أن تذهب مع صديقها لمعرفة ما إذا كان حقا يحبها. “لقد أصبح العالم عدوانيا على العشاق” ، صاحت قائلة وهي ترتدي تنورة قصيرة. يعبر الضوء من خلال الأبواب ، والضوضاء تمر عبر أي مسافة.
فقط في الظلام وفي الصمت القديمين أستطيع إخبارك أني أحبك ، “أخبرت كلينيامين صديقها. لكن صديق كلينيامين كان يعلم أن كل ما فعلته صديقته كان خجلاً. لم يأخذها إلى مسرح الصمت والظلام ولم يعرفوا أبدا أنهم يحبون بعضهم البعض

سيلفينا أوكامبو
بوينيس سيريس ، 1906 – 1993) كاتبة أرجنتينية ، شقيقة الكاتبة ومؤسسة مجلة “الجنوب” ، فيكتوريا أوكامبو ، وزوجة الروائي الأرجنتيني الكبير أدولفو بيوي كاساريس. وهي كاتبة مبهرة للنوعية الأدبية لقصصها ، وقد دخلت في تاريخ الأدب الأرجنتيني في القرن العشرين بسبب القسوة المحيرة التي كانت عرفت بها طباع بعض أبطال هذه القصص.
ولدت في أسرة متجذرة بعمق في الأوساط الثقافية الأرجنتينية ، وقد توجهت أولا نحو الفنون التشكيلية. ولكن بعد تلقي دروس الرسم من جورجيو دي شيريكو ، تخلت عن الفرشاة ودخل عالم الحروف
ظهورها في بانوراما الأدب الأرجنتيني كان بكتاب قصص: رحلة منسية (1937) ، الذي بعد مرور السنين سينتهي محتقرا من طرف الكاتبة نفسها. بعد ذاك العرض المتواضع في السرد ، عادت إلى المكتبات بكتابها الأول في الشعربعنوان : قائمة الوطن ١٩٤٢ ،
، ظهر فيه الميل لاستعادة النماذج الكلاسيكية من الشعر القشتالي القديم. بذلت جهدا مماثلا في مجموعتها التالية من القصائد ، المساحات المتريّة (1945) ، والتي تبعتها ، في حقل الشعر الغنائي ، منشورات أخرى مثل قصائد الحب اليائسة (1949) ، الأسماء (1953) ومختارات صغيرة (1954
بعد فترة طويلة من الصمت الشعري و التي خلالها اهتمت بالنثر الأدبي ، عادت في عام 1962 و قدمت مرة أخرى إلى المطبعة مجموعة أخرى تحت ، ، عنوان ” المر للحلو”التي سرعان ما اعتبرت واحدة من أفضل إنجازاتها في هذا النوع من الكتابة . وأخيراً ، نشرت في عام 1972 آخر ديوان شعري لها بعنوان “أصفر سماوي”.
لكن أعلى المستويات الأدبية وصلت إلبها سيلفينا أوكامبو بمجهوداتها و اجتهاداتها في السرد الخيالي، والتي ساهمت فيه بنماذج قيّمة في شكل مقالات و أنطولوجيات . في إطار واحدة من الاتجاهات التي تجمعت حول مجلة الجنوب ، والتي شكلها مؤلفون ذوو مكانة عالية أمثال: خورخي لويس بورجيس وأدولفو بيوي كاساريس ومانويل بييرو وإنريكي أندرسون إمبرت ، عملت سيلفينا أوكامبو على رفع مستوى الأدب الفانطاستيكي و البوليسي إلى فئة اجناس الترتيب الأول

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على ““صمت وظلمة””

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق