الموقع

مقاصد أمريكا من ضرب سوريا

بقلم / توفيق أبو شومر

لم تعد تحليلات الرأي مقصورة على المحللين وفقهاء السياسة، فقد أصبح كثيرون من غيرهم قادرين على التحليل السياسي، بسبب تأثير وسائل الإعلام، وغزوها للرأي العام العالمي في عصر الألفية الثالثة. فقد استمعتُ إلى وجهات نظر كثير من البسطاء في فلسطين، وهم يُحللون أسباب إقدام أمريكا على ضرب سوريا، فقد قال أحدهم: “ستقوم أمريكا بضرب سوريا لتثبت أنها مازالت هي الأقوى  وأنها مدير مركز الشرطة العالمية، حفاظا على ماء وجهها، لذا يجب أن تتولى ردع سوريا ليس لإسقاط حكم الأسد، بل لتدمير ما بقي من قوة الجيش السوري، وهذه هي أبرز أهداف الضربة المتوقعة!

وقال ثانٍ:

“أثبتت التجارب بأن سياسة تفكيك العالم العربي تجري على قدمٍ وساق، وهذا التفكيك يتم بعدة صورٍ وأشكال، إما بافتعال الفتن والحروب الداخلية والاقتتال بين الأحزاب، وإما بالضغط الاقتصادي، ولا يعدم المخططون من إيجاد أسباب الاقتتال، حتى بضربة عسكرية يمكنها تغيير الواقع!!

وقال ثالثٌ:

“إن مصانع السلاح في الدول الكبرى تشكو من قلة الشارين، فلتنتعش تجارة السلاح بالحروب، ففي الحروب ترتفع الأسعار، وتزدهر تجارة الغذاء والدواء أيضا ، بما يعزز منتجات الألفية الثالثة، فالحروب في عصرنا ليست كوارثَ، بل مشروعاتٌ تجارية!!

هذه الأقوال حصلتُ عليها في مجلسٍ واحد فقط، والغريب أنني لم أجد بينها ما يشير إلى إسرائيل، فهي قد نجحت بتفوق في الاختباء خلف هذه الأزمة!!

نجحت إسرائيل في إخفاء وجهها خلف ستار الأحداث الجارية في العالم العربي،وتمكنت من توظيف ما يجري لتخدم مصالحها، فهي بارعةٌ في استثمار الأحداث، وهذا بالطبع يشير إلى كفاءة عمل المؤسسة السياسية والعسكرية في إسرائيل.

وإليكم بعض استثمارات إسرائيل من الأزمة الراهنة:

اختبرتْ إسرائيل جبهتها الداخلية، ومرنتْها على استخدام الأقنعة الواقية من السموم، وأجرتْ في الوقت نفسه تقييما على قدرات جيشها في كل الجبهات، وأعادت توزيع منظومات الدفاع والصواريخ والكتائب القتالية على كل الجبهات، فخلال شهر يوليو وأغسطس من هذا العام أجرت تدريباتٍ على كل منظومات الهجوم والدفاع في الجيش، وبخاصة إطلاق صواريخ بعيدة المدى، ومن بين التدريبات استدعاء عدد محدود من الاحتياط، وكل ذلك جرى بلا ضجيج!!

أرسلتْ إسرائيل أبرز رسالة إعلامية للعالم تقول:

إنها أكثر رحمة وشفقة بحياة العرب من أهلهم وذويهم، فبينما يقتل العرب أهلهم ويدمرون أوطانهم، فهي تقوم بإسعافهم وإدخال الجرحى والمصابين عبر الحدود مع سوريا إلى أكبر مستشفيات إسرائيل وتعالجهم من جراح إخوتهم مجانا!!

ولكن كيف ستستفيد إسرائيل من الضربة المتوقعة لسوريا؟

إن أية ضربة متوقعة ستخدم بلا شك إسرائيل، فهي أقدر من أمريكا على معرفة المواقع العسكرية السورية التي تُهدِّد إسرائيل أولا، ومنها الصواريخ الروسية من طراز ياخونت، ومن طراز إس 300 وغيرها من الطائرات المقاتلة، فهي المستهدفة أولا من أية ضربة متوقعة.

لن تقف إسرائيل متفرجة على ضربات الصواريخ الأمريكية، بل إنها ستستخدم أيضا صواريخها في الهجوم، وإن كان ذلك سيظل سرا من الأسرار، سيكشف النقابُ عنه بعد نصف قرن، بل إنني أتوقع أن يكون مايسترو الضربات على سوريا في مقره بتل أبيب، فهي ستقوم بدور المرشد للأهداف لغرض ابتزاز أمريكا، لتحصل منها ليس على دعمٍ مالي فقط، بل على دعم عسكري كبير!!

ولعل أخطر ملفات الضربة القادمة على سوريا يتمثل في الملف الإيراني النووي، فسوف تستغل إسرائيل مساعدتها القادمة لأمريكا في ضرب سوريا، لتعزيز التعاون في مجال ملف ضرب إيران النووية، وسوف يُوظَّف ملفُ ضرب سوريا، لتعزيز مصداقية التهديدات الإسرائيلية الأمريكية المتواصلة خلال ثلاث سنوات بضرب إيران، إذا واصلتْ تخصيب اليورانيوم!!

كما أن الضربة الأمريكية المتوقعة لسوريا، تبعث رسالتين متناقضتين لبقايا العرب؛ الرسالة الأولى: أن أمريكا لن تتخلى عن أحلافها من بقايا العرب، ولن تتركهم وحدهم، بل ستحميهم وتعزز مواقعهم، أما الرسالة الثانية فهي للناشزين من بقايا العرب ممن يتحدونها في السر والعلن تقول:

ما زالت أمريكا هي الأقوى، لذا يجب عليهم أن يُراجعوا حساباتهم، ويتخلوا عن تمردهم على سياستها ويعودوا قطيعا ضمن أحلافها!!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق