الموقع

مستقبل المجلات والدوريات الثقافية في الجزائر .

لا أحد ينكر دور الإعلام في تنوير الأمم ومع ثورة التكنولوجيا الحديثة التي اجتاحت وسائط الإعلام على تعدد وسائلها بات من الواضح مدى أهميته في التأثير حتى على إرادة الشعوب خصوصا بعد المد الجارف الذي ألغى كل الحدود التي كانت بالأمس تشكل طابوهات يعد فتحها من المحرمات . والعالم العربي كونه جزء لا يتجزأ من العالم عرف ظهور العديد من المجلات والدوريات الثقافية المتخصصة التي شكلت إضافة حقيقية خدمت بحق المشهد الثقافي في تلك الدول وساهمت في تنوير الرأي العام حيث بدا ذلك جليا في المشاريع القومية والنهضوية التي عرفتها العديد من الدول العربية خصوصا بعد موجات التحرر التي أعقبت الحرب العالمية الثانية..

الحديث عن المجلات والدوريات الثقافية المتخصصة يقودنا إلى أولى المحاولات الرائدة التي شهدها الوطن العربي بداية من مجلة ” مرآة الشرق ” لخليل اليازجي وكذلك مجلة ” روضة المدارس المصرية ” لأمين ناصيف اللتان كانتا بحق منبرا من منابر الدفاع عن الفكر القومي العروبي الذي كان سائدا في منتصف القرن العشرين حيث حاول مؤسسو تلك الصروح الثقافية أن يساهموا في الحفاظ على الموروث الثقافي الإبداعي العربي رغم كونها ممولة من مجهود ذاتي لشخصيات عربية ولم تكن تعول على الدولة بل اعتمدت على الإمكانات الذاتية منتهجة في ذلك خطابا إعلاميا نخبويا سعى للتحرر  من كل قيود ومقص الرقيب.

أما اليوم فقد صارت الساحة الثقافية العربية تعج بعديد العناوين والدوريات الثقافية التي شكل التطور التقني إضافة ودعما حقيقيا لها ما ساهم في وصولها للانتشار والمقروئية ، رغم أنها في الأصل مجلات للنخبة من كتاب ومفكرين وأدباء وشعراء إلا أنها العديد منها صارت له مقروئية كما هو الحال للعديد من الدوريات مثل :الآداب اللبنانية – العربي الكويتية – الأهرام الثقافي المصرية – طنجة الأدبية المغربية – الدوحة القطرية .

في الجزائر كانت أولى المحاولات لإنشاء هذا النوع من الصحف والمجلات بعد الاستقلال حيث حاولت وزارة الثقافة في التأسيس لمثل هذا النوع من الإعلام المكتوب المتخصص من خلال مجلتي : ” آمال ” التي عرفت تذبذبا في النشر حيث ظهرت كعنوان أدبي صرف لكن سرعان ما اختفت عن الساحة لتحل محلها مجلة ” الثقافة ” التي حظيت بتمويل رسمي من طرف الهيئات الثقافية الوطنية حيث شكل صدور عددها الأول في مارس 1971 حدث ثقافي بارز في الجزائر  ورغم أنها بدأت شهرية ثم تحولت إلى نصف شهرية إلا أنها كانت بحق قيمة أدبية كبيرة بشهادة العديد من المثقفين الجزائريين حيث تعاقب على رئاسة التحرير فيها العديد من القامات الأدبية أمثال محمد الصالح حرز الله وعبد العالي رزاقي وأحمد منور .

المجلة التي بدأت تعرف تذبذبا بداية سنة 1994 تغير عنوانها لتصبح ” الرؤيا ” ثم إلى مجلة ” المساءلة ” التي أشرف عليها لمدة من الزمن الروائي واسيني الأعرج .

إن عدم استمرارية كل تلك الدوريات الثقافية في الجزائر شكل ضياع لمكاسب حقيقية لخدمة الثقافة والإبداع في الجزائر كونها كانت فضاءات ومتنفس حيث تم من خلالها اكتشاف العديد من المواهب والأسماء الجزائرية التي لمعت وذاع صيتها فيما بعد .

وفي هذا الصدد يقول الدكتور صالح خرفي الذي أشرف على رئاسة تحرير مجلة آمال التي كانت تحظى بتمويل من وزارة الثقافة بأن المجلة كانت بحق ولفترة زمنية معينة إضافة للحركة الأدبية الجزائرية بصفة عامة وللأدباء الشباب بصفة خاصة فقد كان الشرف لتلك المجلة أن تظهر فيها أسماء أدبية لامعة ما كانت لتظهر لولا تلك المجلة.

إن المتتبع لتاريخ كل تلك الدوريات يدرك تماما بأن غياب الرؤية الواضحة لتسيير كل تلك المكاسب الثقافية هو ما أدى لاختفاء أغلب تلك العناوين الثقافية . وفي هذا الإطار يقول العديد من الأدباء والمثقفين بأن المشكلة في الجزائر ليست مشكلة مال ولا ماديات بقدر ما هي مشكلة غياب رؤية ثقافية واضحة المعالم تكفل التسيير الأمثل للموارد الإعلامية خاصة لما تكون لسان حال الثقافة الأدبية الوطنية.

إن دور الدولة مهم في خلق ثقافة كقيمة إضافية موازية للإعلام الخاص المستقل يعد جزء مهما جدا في خلق تلك السيرورة والديناميكية الثقافية التي تعود بالنفع على البلاد بصفة عامة الرابح الأول والأخير فيها هو الثقافة .

عبد الرحمن بن عمارة.. كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق