ثقافة السرد

درابيك غزة

بقلم: نهايه كنعان-عرموش

مثل الرضا أنا..
أعتكف رصيداً مفلساً في زوايا الدنيا..أبحث عن ثكنة واحدة تخصني فجأة.. أحشر ذاتي في دفئها…ليتبعثر خيالي في ذاكرة حصالتها الفخارية..لأجدها
باردة…تلملمني بعرق مساماتها..تسعدني..تعيدني إلى طفولتي في حيّ(الحجايرة)..
عندما كانت تصل سيارة الشحن المحملة ببضائع شتى حتى الإكتظاظ بفوضى أنيقة لاهثة..أركض وأنفاسي تسابقني.. لأنقل الخبر المهيب لأمي بصوت متقطع (يمه أج ت س يا رة ال غزاوزه)وكنت أقصد حينها الشاحنة التي كانت تأتينا صيفاً بعد غياب عدة أشهر متتالية…
وهي بالأصح سيارة “الغزيين”او الغزازوة نسبة إلى غزة هاشم..أما أنا فقد كنت أعكس الحروف دون تعمد مني وذلك لصغر سني حينها ليكون لفظها ” بسيارة الغزاوزة” .
نقود أمي كانت دسمة مكتنزة .. توفرها من خلال عملها كخيّاطة مشهورة في القرية آنذاك..وأنا بدوري كنت أسارعها كطيفها.. لتبتاع لي أولاً “دربكة” فخارية مزخرفة..وبعدها أجلس بعيداً انا ورفيقاتي نراقب الحدث..بدربكة جماعية بألوان شتى تبهج قلوبنا..
زيارتهم بين حين وحين كانت بالنسبة لنا عيداً…رائعاً..
يعم الحي بأكمله..كل شيء في هذه الشاحنة يضم أسعاراً زهيدةً وشعبيةً للغاية..
أدوات مطبخية متنوعة..سجاد..
وحصائر قشية..غرابيل..جرات وأباريق فخارية..أوعيةنحاسية..
تضم أباريق القهوة بجميع أحجامها..كاسات..وطناجر كبيرة تتسع لطبخ ذبيحة تامة بأكملها ، لأهم فرح في الحي…..حتى قمصان النوم والبيجامات والجلاليب المزركشة.. والمكاحل والعطور وأدوات الزينة بشتى أنواعها..
أصوات الباعة تبدأ بالمناداة.. بنغمات لقمة العيش الظمئة السعيدة المشتاقة..
ونحن جميعاً في أتم تفرغ للفرجة لعدة أيام متتالية في عطلة الصيف الحارق..أما نساء الحي فتقوم بتكريم الباعة الضيوف بالولائم العديدة بعد إنتهاء نهارهم الذي تعبأ بالمفاصلة والمقارعة طوال اليوم من قبل جميع النسوة في الحي..
وبعدها يفترشون الأرض”بالطراريح او البُسط”وينامون بسكينةالألفة..لمدة ثلاثة أيام قبالة “إمايةالكهرباء” بالضبط..داخل حاكورة العم صالح موسى كنعان الملقب (بالدويري)..وبعدها يقومون بلملمة أغراضهم جميعها..ثم يغادرون المكان..لينتقلون إلى حي آخر في القرية..بعد سؤال جماعي موجه لهم من نسوة الحي”وينتا راجعين عنا إن شاءالله !!!
يرحلون والسعادة تغمرهم بوعد جديد ليغمرنا نحن أيضاً…. بأرباح لا بأس بها من حي متواضع للغاية بأكمله …أما نحن فقد كنا نربح رصيد الرضا الذي غاب عنا منذ عقود..رصيد البساطة وهداة البال…!! ودرابيك ندق عليها بأناملنا الصغيرة الناعمة لعدة أسابيع…
غابت درابيك غزة..وحلت مكانها
أصوات القذائف بين حين وحين.. وغابت أحلامنا المنتظرة….لتضحي سيارة “الغزاوزة” ماضٍ ترك فينا الأثر الكبير لغزة هاشم وشعبها المناضل وبهجة حضورها بيننا..بعدما حلت مكانه ثكنات السجون ..والتجويع.. والتضييق.. والخنق.. والبيوت المهدمة..بنساءثكلى..
وأيتام إنكسرت ظهورها باكراً..وكتب ممزقة في دائرة مغلقة أسيرة حُشرت بأحلامٍ ضائعةٍ..تلوكها الأيام المزمجرة كل يوم…وكل ساعة….كي تشتري
لحظة واحدة من كرامةٍ شعب باسلٍ ينتظر التحرير….

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق