قراءات ودراسات

قراءة في رواية “سيدات الحواس الخمس” للروائي جلال برجس

عفيف قاووق*

سيدات الحواس الخمس للروائي الأردني جلال برجس، رواية أراد الكاتب من خلالها تسليط الضوء على أهمية الحواس ووجوب تحفيزها لتتمكن من إستشراف ما قد سيحدث متسائلا عن الجدوى من هذه الحواس إن لم تنبؤنا بما يمكن ان يحدث لنا، وما نفعها إذن إن أصبحت تخون هي الأخرى؟. ان هذه الحواس لو إستطاع الفرد استثمارها بالشكل الأمثل لامتلك من خلالها حاسة إضافية عبّر عنها بإسم الحاسة المضيئة.
سراج عز الدين يعاتب حواسه كلها كيف لم تنبؤه بخيانة حبيبته ريفال التي إستطاع سليمان الطالع بما يملك من سلطة ومال أن يستميلها ويقدم لها قناة تلفزيونية تديرها كما تشاء. ريفال هذه أعجبت في لحظة ضعف بمقولة ميكافيلي “الغاية تبرر الوسيلة” فرضخت لسليمان مقابل تحقيق حلمها الإعلامي .وفي حين يعتبر سراج أن الحبيبة والوطن هما صنوان إلاّ أن المفسد سليمان الطالع إستطاع أن يمدّ يده الى صدرها مثلما مدّ يده إلى جيب الوطن وعاث فيه فسادا.
الفساد في الرواية تجسّد بشخصية سليمان الطالع الذي سيطر على معظم مفاصل الحياة الإقتصادية والمالية بعد تقاعده من عمله الحكومي. وأما الشخصية النقيضة لها كانت شخصية سراج عزّ الدين الذي بنى غاليري الحواس الخمس في موقع مقابل لقصر سليمان الطالع، بناه “ليكون شمساً قبالة عتمة الذاكرة وقبالة مخالب سليمان الطالع” هذه الغاليري بطوابقها الخمسة بنيت على شكل إمرأة للدلالة على أهمية المرأة في المجتمع، يقول سراج عز الدين “أننا إذا أردنا ان نعاين الحياة في أي مدينة علينا أن نراقب كيف تعيش النساء فيها”.
تبدأ الرواية بإطلالة داخلية وهي طقس درَج على ممارسته سراج صباح كل يوم جمعة بأن يحصل عى ثعلب ويذهب به بعيدا خارج المدينة ويجبره على الفرار بعد ان يطلق عليه عددا من الرصاصات دون ان يصيبه . رمزية الثعلب هنا تشير الى المسوؤل السياسي او الإداري لا فرق. الذي يتقن فنّ المرواغة والدهاء وإبتكار الحيل حتى لا يقع في المصيدة. “فالثعالب تستطيع أن تهرب حتى من الفتحات الضيقة “وقد عبر سراج عز الدين عن تفاقم الفساد عندما قال: “إكتشفت أن الثعالب كثيرة ، لم يعد تواجد الثعالب مقتصرا على الصحراء بل صارت تتواجد في المدن” (ص223).
سراج عز الدين مولع بمدينته عمان والتي ترمز إلى المعنى الحقيقي للوطن بأكمله. أظهر نقمته على التوحش العمراني الذي أصابها وحوّلها إلى كتل إسمنتية أفقدتها أي مظهر من مظاهر التنوع الذي يضفي جمالية معينة. الرواية أتاحت للقاريء فرصة التعرف، ولو بصورة مقتضبة، على مدينة عمان بشوارعها وأحيائها ليظهر بعضاً من معالمها الثقافية والأثرية . وهو يرفض التطاول على مدينته والإفساد فيها، معتبراً ان المدينة هي بمنزلة الحبيبة التي يجب المحافظة عليها : “أتعرفين الحبيبة مدينة جميلة لذلك عندما يمدّ متنفذ يده إلى جيب مدينة مثل عمان التي أحبها كأنه يمد يده ويفك أزرار قميصك ويخدش نهدك” . غير أن إيمانه بمدينته لم يتزعزع وبقي لديه أمل بأن تنهض وتتخلص من أخطبوط الفساد والقهر : ” ما تزال المدينة تقف على قدميها رغم أولئك الذين مدوا أياديهم لجيوبها وأفرغوها مما فيها. تلك الطبقة التي ولدت منذ زمن ، وتمددت بسرعة مذهلة كالحشائش الضارة في الحقول ” (ص62). وفي إشارة الى التقدم الزائف الذي يعيشه المجتمع الأردني ( ومن خلاله المجتمع العربي ). يقول سراج عز الدين “عمان فتاة قروية ترتدي «مني جوب» قصير، وتدخن سيجاراً كوبياً وتشرب نبيذاً فرنسياً، وتتبختر في الشارع وهي تقتاد كلباً بسلسلة ذهبية، لكنها حينما تعود لبيتها تدرك أنها مازالت تحلم بأن تتغير”.
لم يغفل الكاتب حاجة الطبقة المفسدة إلى أبواق إعلامية تعمل لصالحها، فكان رعد عبد الجليل الذي تنكر لمبادئة اليسارية وسقط أمام إغراءات سليمان الطالع ارتضى لنفسه مهمة تلميع صورة الطبقة المفسدة امام الرأي العام وهذا الصنف من الإعلاميين المأجورين يبرعون في التطبيل وقلب الحقائق لدرجة أن سليمان الطالع يقول للصحفي رعد عبد الجليل “أنت بارع يا رعد حتى إنني صدقت ما كنت تكتبه عني، لقد أثبت أن الكلمة بندقية، والبنادق تأتمر بأمر صاحبها”.


موضوع إجتماعي –أخلاقي- هو الخيانة الزوجية تطرقت إليه الرواية “فالخيانة العاطفية فساد مثلها مثل خيانة سياسي متنفذ مد يده في جيب الوطن “. من هنا قدم لنا الكاتب خمسة نماذج من النساء اللواتي إستدرجهم سراج ليكتشف فيهن إلإستعداد لفعل الخيانة الزوجية .كل واحدة خانتها إحدى حواسها الخمس وحاولت ان تقدم سبباً او تجد لنفسها العذرالذي دفعها لممارسة فعل الخيانة معه. كل هذه الأسباب لم تقنع سراج ودفعته إلى الإقتصاص منهن بشكل أوحى للقاريء انه تخلص منهن بالقتل. .
الإرهاب وتأثيره على المجتمعات كان حاضرا في متن الرواية، وقد إستشرف سراج بما يملك من حاسة مضيئة ان الإرهاب لا بد ان يمتد إلى وطننا العربي يقول ” عندما رأيت الطائرات تضرب برجي التجارة العالمي أدركت أن الدخان الذي تصاعد منهما سيمتد إلى عالمنا العربي وحينما رأيت البوعزيزي (تونس) يشعل النار في نفسه أدركت أن الدخان سيتعالى أكثر …” . وهذا ما شهدناه للأسف في أكثر من بلد حيث أصبح حرق الجسد كأنه رغبة في تدمير الذات التي لم تستطع هزم السلطة المتجبرة، سلطة الحاكم والمجتمع والمعتقدات. أما “القبضاي” الذي كان زعيم عصابة لمافيا البسطات وفرض الإتاوات، ثم تحول أداة إرهابية بيد اسليمان الطالع، بعد أن نصّب نفسه أميراً لجماعة إرهابية، ولم ينقطع التعاون بينه وبين سليمان ( المتنفذ) حيث يقوم بتفجير غاليري (الحواس الخمس) بطلب منه ، وهذا يؤكد أن الإرهاب غالبا ما يكون صنيعة السلطة وأداتها المغلفة زوراً بغلاف ديني.
مع إقتراب الرواية من نهايتها كان لا بد من جلسة حوار ومصارحة بين سراج عز الدين وحبيبته الدائمة ريفال والتي تمثل بالنسبة له الوطن. هذه المكاشفة أوحت بتفلّت ريفال من سيطرة سليمان الطالع وتمردها عليه وعودتها الى حضن سراج عز الدين وكأنها مصارحة ومصالحة قد تمّت بين شعب ووطن.
وينهي الكاتب روايته بإحتفالية يقدم فيها النسوة الخمسة على المسرح وكل واحدة تتلفظ بعبارة لها دلالتها التي توحي وكأنها تخلصت أو تطهرت من الذنب الذي إقترفته. وقبل أن نعرف كيف أعادهن إلى مسرح الأحداث بعد أن توهم الجميع إنهن مقتولات تمتد يد الإرهاب مجددا لتنفذ تفجير الغاليري بما فيه بحيث لا ينجو من التفجير سوى ريفال –المدينة الحبية- والطفل أحمد . الذي هو إمتدادا لصورة سراج. وتكون المفاجأة بإذاعة خبر تعيين جعفر إبن سليمان الطالع في مركز حكومي مهم. وكأن الكاتب اراد القول حتى لو تهدم غاليري الحواس الخمس فالبارود لم يهدم سوى الجدران لكنه عاجز عن قتل الفكرة التي سيجسدها أحمد في إستكمال الصراع مع جعفر سليمان الطالع.
سيدات الحواس الخمس رواية وإن كانت أحداثها تدور في عمّان إلا أننا يمكن إسقاط هذه الأحداث على أية عاصمة من عواصمنا العربية، فالظروف بمعظمها متشابهة والأزمات التي تعصف ببلداننا العربية هي نفسها . سيدات الحواس الخمس كُتبت بأسلوب أدبيّ راقٍ لم يخلُ من اللمسة الشعرية والفنية، كيف لا والكاتب هو شاعر وروائي في آن.

*لبنان

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق