ثقافة المقال

كورونا أزمة أخلاقية…

 مراد غزال

قبل أعوام تفاجأ العالم بالتصاعد الرهيب للأحزاب اليمينية المتطرفة بأوروبا وخطابها الشعبوي المائل للفردية ومفهوم الدولة القومية ومصالحها الذاتية الضيقة.وحازت هذه الأحزاب بخطابها ذاك أصوات الناخبين وترأست حكومات مهمة بالإتحاد الأوروبي حيث تلعب هذه الأحزاب على تخوف الناس من الآخر المختلف ومعارضة الهجرةوأنها تقاسمهم رزقهم ونبذ الأقليات .وكذا ميلها المفرط لمواجهة كل ماهو مختلف وخصوصا بعد التفجيرات المتتالية على عدة عواصم أوروبية .فكتب الكثير من المتخصصين في السوسيولوجية السياسية عن ميل الفرد الأوروبي بشكل مفرط إلى الخطاب المادي البحت وتغير خطير في البنية الجمعية للفرد.

وتجلت ذروة هذه الشعبوية بوصول دونالد ترامب إلى سدة حكم أقوى إقتصاد عالمي وخطابه المباشر أن أمريكا للأمريكيين ونعت دول كبيرة بأنه يمكن إستغلالها متى شاء ووعد الناخب الأمريكي أن يجلب له الرفاه ولو على حساب العالم قاطبة وتنكره لمواثيق دولية وحصاره للمكسيك .

وهو ما أثث لذهنية جديدة وفلسفة ذاتية يدار بها العالم .

لكن عندما إجتاح العالم جائحة كورونا وإعلان أوهان مدينة موبوئه تأرجح الخطاب ببادئ الأمر بين الإصطفاف وراء إستهزاء ترامب ونعت الوباء أنه صيني .وبين صامت وكأن الأزمة لا تعنيه .والقلة القليلة جدا سارعت لمساعدة الصين ولو بشكل معنوي .

ومع تفشي الداء بإيطاليا وإسبانيا بشكل دراماتيكي مخيف وتزايد أعداد الوفيات إلتقى قادة الإتحاد الأوروبي بغرض دعم الدول المتضررة ولكن الإجتماع انتهى بقرار رفضته ألمانيا وهولندا وعدم إستعدادها لتحمل أعباء مالية لمساعدة الدول المتضررة مما دعى رئيس وزراء ايطاليا الى القول أن مشروع الإتحاد الأوروبي بأكمله سيفقد مضمونه والغرض من وجوده. فأغلقت كل الدول حدودها وما فتئت بعض الأصوات تنادي بنظرية “مناعة القطيع” أي ترك الوباء يتفشى وهذا لعدم تعطيل الماكينة الإقتصادية وسيبقى فقط من يملك مناعة كبيرة ويستحق الحياة.

ومع مرور أسابيع الجائحة بانت ظاهرة قرصنة المواد الطبية كما حدث للباخرة التونسية المحملة بالكحول الطبي وغيرها مما يعد إشارة خطيرة لإنحدار قيمي كبير إجتاح العالم .

وكذا إعلان ترامب حضر السفر لأوروبا حتى دون إخطار حكوماتها والذي يعد تصرفا فجا مع حلفائه و دعوته للمخبر الألماني الذي يعد بصيص أمل لإكتشاف علاج للجائحة وبكل سفاقة أن يشتري الدواء للأمريكيين فقط مما أستدعى تدخل الحكومة الألمانية.

وفي خضم هذه الأزمة لم يسمع العالم صرخة القادة الإيرانيين برفع الحضر الإقتصادي والسماح لهم بشراء الدواء لكي لا يموت الساكنة.
ولكن من ناحية أخرى نجد التجربة الصينية التي تكاد تتعافى من الأزمة رسخت كل أقوال كمفوشيوس عن الأخلاق وتلاحم الشعوب وسارعت بالمساعدات ومد يد العون التقنية للشعوب المتضررة من الوباء وتجسد صورة رفع العلم الصيني وطرح علم الإتحاد الأوروبي دلالة أخلاقية على إنتصار روح الإنسانية ونبذ التغول الفردي.

ونجد كذالك دولة كوبا تلك الدويلةالتي طالما عانت ويلات الإمبريالية المتوحشة أُستقبل أطباؤها بكلمات الزعيم كاسترو عن بعث روح الحياة لا الموت .

أما على الصعيد الفردي وبعيدا عن السياسات الكبرى نجد أن المضاربة بالأسعار وتكديس السلع الإستهلاكية و الإحتكار سلوك فردي يصاحب الشعور بالخوف والجشع أثناء الأزمات .ومن ناحية أخرى عمقت الكورونا معنى أن نخاف عن الآخر من العدوى وأقتربنا إلى حد كبير من صناعة وعي جمعي للمشاركة بالقضاء على الوباء سويا .وعمقت علاقتنا مع نظافة أجسادنا .ورجعنا لبيوتنا كمعطى أساسي للشعور بكينونتنا الأسرية التي كانت متفرقة بالشوارع .

فهل عندما تتعافى الشعوب والحكومات من الوباء ولو بثمن باهظ ستدخل بمرحلة جلد للذات الحقيقية و ترمي بكل ماهو مزيف من العلاقات والقيم .

ونرجع إلى إنسانيتنا التي تظهر جلية عند المنعطفات الحاسمة التي تمر بها الإنسانية أم سندخل بمرحلة جديدة تنكفئ فيها الدول أكثر على حدودها كرد فعل حذر من عواقب الوباء البعدية وتنحاز الإنسانية إلى مفهوم القومية الضيقة الجريحة إلى أجل غير مسمى .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق