ثقافة السرد

الرأس الملتهب

صلاح معاطي

رأس وذيل.. رأس أسود وذيل أبيض.. الرأس يسير بسرعة فوق بساط بنى اللون.. الذيل صلب لا يلتوي ولا يلين.. يسير أينما يوجهه الرأس.. ارتسم خط رفيع فوق البساط.. عاد الرأس ثانية إلى موضعه ليرسم خطا آخر ثم ثالثا.. أخذ الرأس يروح ويجئ عدة مرات، ثم.. (تشيت).. أخيرا اشتعل عود الثقاب بعد عشرات الأعواد رماها دون أن تشتعل، وبعد نفاد صبر ولعن على الشركة التي أنتجت أعواد الثقاب الفاسدة هذه..
خمس دقائق وهو يجلس متكورا فوق الفراش يحاول إشعال سيجارة ينفث فيها همومه ومشاكله العديدة.. تنهد بقوة..
– هييه.. كل شئ يتغير إلا أنت. جميعهم صعدوا وتركوك قابعا وحدك في القاع..
أف.. قالها للمرة العشرين حتى أوشك على الانفجار.. أخيرا اشتعل عود الثقاب. قرب رأسه المشتعلة من مقدمة السيجارة.. فجأة ألقى بالسيجارة جانبا.. راح يحملق في وهج العود غير مصدق.. لقد خيل إليه أن شيئا يتحرك.. لا لم يخيل إليه. لقد رآها بالفعل.. أجسام كروية تروح وتجئ في مركز اللهب.. الأجسام تتحرك بسرعة رهيبة وتصطدم ببعضها لتخلف وهجا وحرارة، وتنتج أشكالا عصوية لها أهداب تتحرك في كل اتجاه كأنها كائنات أميبية، ما لبثت أن نمت سريعا، وانفصل رأس عود الثقاب عن الذيل وسقط فوق الفراش..
دفع اللهب بيده بعيدا فحرقت يده.. وقع الرأس الملتهب فوق السجادة وأمسكت بها النار.. اندفع نحو النار يحاول إطفاءها بالماء.. لدهشته لم تنطفئ النار، بل راحت تبتعد عن الماء واختارت ركنا من السجادة تأكل فيه. لمح المكنسة خلف الباب. أمسكها. دفع بها اللهب بقوة. انتقلت قطعة اللهب إلى حجرة الجلوس.. أمسكت بمقعد فوتي.. جن جنونه.. راح يقذف بالرأس الملتهب خارج البيت لتنطلق في الهواء وهو خلفها..
الرأس ينمو أكثر فأكثر، ومكوناتها تبدو أمام عينيه أشد وضوحا.. كرة ضخمة من اللهب في مركزها كائنات هلامية تنمو وتتكاثر بسرعة رهيبة، تنتشر في كل مكان، تدمر كل شيء في طريقها من أناس ودواب وحدائق وبيوت ومبان انهارت بساكنيها وحولتها إلى رماد تزروه الرياح، سادت حالة من الفوضى والذعر بين الناس، وراحوا يتساءلون:
– أ تكون هذه هي النهاية؟ هل قدر للبشرية أن تنتهي محترقة بنيران مجهولة؟
ينتبه الدكتور أمين الشرقاوي أستاذ الفسيولوجي على طرق بالخارج.. أ في هذه الساعة المتأخرة؟ يتجه نحو الباب، يفتحه بحذر شديد، يندفع رجل غريب إلى الداخل وينهار على أقرب مقعد.. يسرع أمين نحوه وقد راعه ما حدث، راح يسأل بوجل:
– من. من أنت ؟
كشف الرجل عن وجه مشوه من أثر حريق حديث، وشعر أشعث تطايرت منه رائحة الدخان، وعينين حمراوين زائغتين تنظران في كل اتجاه، وبدأ يتكلم بصعوبة، بأنفاس متلاحقة في لهاث كأنه احتضار:
– نسيتني سريعا يا أمين.. نسيت حلمي عبيد صديقك القديم.. هل تغير وجهي إلى هذه الدرجة؟
أومأ أمين محدقا في وجهه الذي ضاعت ملامحه:
– لم أتخيل أن تكون أنت صاحب هذه المأساة يا حلمي..
– لقد اعتدت على المأساة يا أمين منذ زمن بعيد.. إن حياتي كلها سلسلة من المآسي. فليس غريبا أن يحدث لي ذلك..
صاح أمين مطمئنا إياه، وهو يربت على كتفه:
– لا بأس يا حلمي.. لن أتخلى عنك. سأعمل المستحيل لإنقاذك، واطمئن عمليات التجميل الآن أصبحت أكثر فاعلية ويمكنك أن تعود مثلما كنت..
رد بوهن:
– ما أتلفته النار لا يعود كما كان يا صديقي، لقد أصبحت أشلاء، أطلال إنسان فقد كل شئ، صدري بداخله نيران متأججة، قلبي يكاد يتوقف عن النبض، أحشائي تتمزق من الألم، رأسي سينفجر من الصداع، عيناي…
قاطعه أمين وهو يقوده إلى الداخل:
– دعك من كل هذا الآن، وتعال معي سأجري لك بعض الفحوصات..
كان أمين منشغلا بفحص عينة من دم صاحبه تحت المجهر، بينما عينا حلمي عبيد لا تفارقان وجهه، ومضى يقول:
– لم تتغير يا أمين منذ أيام ثانوي. دائما كعهدي بك ثابت الجأش صلد قوي أقوى من الظروف، تصور يا أمين لم أتزوج حتى الآن. تركتني كريمة وتزوجت فؤاد الهمشري زميلنا في الجامعة. معها حق. ما الذي يجعلها تنتظر إنسانا بائسا مثلي أقصى طموحه أن يحصل على علاوة بضعة جنيهات كل عام لا تسد رمقا ولا تغني من جوع، وفؤاد ينتظر بعربته الفارهة، وفي خنصره خاتم ثمين مرصع بالأحجار الكريمة.. هنيئا لك يا كريمة..
وانفجر في ضحك هستيري وهو يردد:
– أ مازلت يا أمين تنادي بفلسفتك القديمة عن العدل الإلهي وتوزيع الأرزاق؟
رفع أمين عينيه من على المجهر واتجه إليه وهو يقول بصوت هادئ:
– لقد وزع الله علينا الأرزاق بالتساوي.. لم يظلم أحدا. أعطى هذا المال وذاك الصحة وآخر راحة البال والقناعة..
أشاح حلمي بيده وهو يصيح في سخرية:
– عدت ثانية إلى مواعظ الأغنياء. لم أر في حياتي فقيرا واعظا، فكيف يعظ وهو يتضور جوعا..
– أنت يا حلمي الذي ظلمت نفسك لأنك لم تشعر يوما بنصيبك من الرزق ورحت تشغل نفسك بأرزاق الآخرين..
صاح حلمي بعصبية:
– هل توافق يا دكتور أن نتبادل أنصبتنا في الحياة؟ يدمر الحريق بيتك ويتشوه جسدك وتعيش في فقر مدقع، وحسبك الأيام التي قضيتها في رغد من العيش، ودعني أعيش أيامي الأخيرة في نعيم مقيم.. ما رأيك؟
صرخ أمين في وجهه :
– لم تتغير أبدا يا حلمي. كعادتي بك دائما تنظر إلى غيرك. الآن أستطيع أن أصارحك بالحقيقة التي كنت أنوي إخفاءها عنك إشفاقا بك.. أنت مريض، ومرضك لا شفاء منه.. بداخلك خلايا سرطانية من نوع غريب تولد كائنات فيروسية تعيش في درجات الحرارة العالية.
كان حلمي يستمع وهو فاغر فاهه، وبعد أن انتهى أمين تحرك نحوه ببطء وهو يقول في دهشة:
– تقصد أن هذه الكائنات خرجت من داخلي وهي التي..
– بالضبط.. الكائنات النارية خرجت من أعماقك أثناء زفراتك، وراحت تبحث لنفسها عن وسط ساخن يتلاءم مع الأتون المستعر بداخلك.لا يستطيع علمي المحدود أن يعرف كيف حدث هذا ولكن هذه هي الحقيقة.
انتصب حلمي واقفا وقد تقلصت عضلات وجهه وراح يهزي:
– مادام الأمر كذلك فيجب أن أكمل ما بدأته. أخيرا وجدت ما يؤكد وجودي في هذه الدنيا بعد أن عشت عمري كله كما مهملا لا يشعر بي إنسان. سوف أخرج الآن لأبث نيراني في كل شئ، ولن يجئ الصباح حتى يتحول كل شئ إلى رماد.
وانفجر حلمي في ضحك هيستيري وهو يتجه نحو الباب، أمسك أمين بذراعه:
– لن تخرج من هنا حتى لو اضطررت لقتلك..
جمع حلمي قبضته، دفع أمين بكل قوته فوقع على الأرض، لمح أمين سكينا بالقرب منه. أمسك بها، اندفع نحو حلمي، لم يشعر بيده وهي تطعن حلمي عبيد في ظهره عدة طعنات خر بعدها حلمي على الأرض مضرجا في دمائه وهو ينظر إلى أمين بعينين لم يزايلهما الحقد:
– فعلتها يا أمين.. حتى أملي الأخير في الحياة قضيت عليه..
وانفجر في ضحك هستيري حتى لفظ آخر أنفاسه..
بهدوء.. جلس أمين الشرقاوي.. أدار قرص الهاتف.. انتظر لحظة..
– آلو.. شرطة النجدة.. توجد هنا جريمة قتل.. نعم.. أنا القاتل..
أخرج علبة سجائره.. تناول واحدة.. وضعها في فمه.. أشعل عود ثقاب.. بعد عدة محاولات فاشلة اشتعل العود.. قرب رأسه المشتعل من مقدمة السيجارة.. ترك السيجارة تسقط من فمه.. حدق في رأس العود المشتعل.. لدهشته كانت هناك أشياء تتحرك.. ما لبثت أن نمت سريعا.. صارت لها أهداب.. تحولت إلى أجسام هلامية ترقص وسط النار..
فجأة.. انفصل الرأس الملتهب تاركا الذيل.. انتفض هو من على المقعد وهو يدفع بيده النار التي انطلقت تأكل ما في طريقها.. انطلق خلفها.. حتى أنه لم يعبأ بصفارات عربات الشرطة وهي تدوي في المكان..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق