ثقافة السرد

امرأة تعانق الوهم

عبد الكريم ساورة

كنت أريد أن أحدثك عن ماجرى، لكن وجدتك مشغولة بأمور أخرى، مهتمة أكثر بلون شعرك وكثرة الرجال الذين يطلبون يدك كل أسبوع، أعرف أنك جميلة، بل فاتنة، لاأحد من الرجال يستطيع مقاومة أنوثتك المشتعلة، نظرا لجلالة قوامك الممشوق ونحافة القد، ومع ذلك عليك أن تسمعي كلامي إلى الآخر، على الأقل اسمعي ولو جزءاً منه، لأنه يعد جزء من حياتك، أنصتي ولو قليلا إلى صخب الشارع، الأمهات يبكين من انتشار الوباء، يشعرن جميعا بالخوف، بالخوف على فلذات أكبادهن، يخفن عن ضياع الرجال، أعرف أن موضوع الرجال لايهمك سوى داخل أسوار العشق، لايهمك الرجال الذين يتقدمون إلى الأمام، في الجبهة الأمامية لمواجهة الوباء، لم تعط يوما للأبطال قيمة، أعرف أنك تجهلين كثيرا تاريخ الأبطال، الأبطال في الحروب ماتوا غدرا ولم يعترف بهم أحدا، لم يسجل التاريخ سوى الأبطال في العشق، وياللحزن الكبير هم الآخرون بدورهم ظلوا على رؤوس الأصابع .
أعرف أن كلامي ثقيل على قلبك، لم تعهدِ يوما سماع مثل هذا الكلام، أنت تشعرين أنك واحدة في الكون لامثيل لك، أنت أنانية المنشأ، ولاشيء يهمك في هذا الكون سوى أن يجتمع كل رجال العالم يتحدثون عن مشيتك التي تشبه تحرك البحر، منذ أن عرفتك وأنت لاتفضلين سوى الضحك، الضحك من كل شيء، حتى ولو كان الوقت وقت فناء، لقد أظهرت الأيام أنك كنت محقة عندما جعلت كل الرجال في حالة انتظار طويل، والله لازلت أسأل ماذا ينتظرون ؟
أعرف أنك مهووسة بالمظاهر، لايعجبك العجب، تتمنين لو أن كل المدن تشرع أبوابها لاستقبالك، لتربح تلك الضحكة التي لم تخرج يوما من أعماقك، لكننا اليوم في حالة حداد، في حالة حزن كبير، الرجال والنساء والشيوخ يموتون، حتى الأطفال بدأوا يموتون، ألايتحرك قلبك يوما من أجل حالة من هذه الحالات المفزعة، أنت قاسية القلب، بالله عليك من أين جئت بهذه القسوة ؟
هاأنت تحتفلين اليوم بعيد ميلادك التاسع عشر، ياله من تاريخ ؟ يالها من مصادفة عجيبة، أنت والوباء توأمان، من حقك أن ترقصي كما تشائين، لكن لاتنسي أنك ترقصين على جثث الأبرياء الذين خطفهم الموت فجأة، وهم يحرثون الأرض من أجلنا جميعا، لنأكل ذلك القمح البلدي، أنت من دعاة الحداثة في شقها الحيواني، فالحداثة التي لاتستحضر قيمة الإنسان لايمكن أن تأخذ هذه التسمية، أنت فصيل جديد، فصيل غريب عن مجتمعنا البسيط والعفوي، إننا لازلنا مجتمع الفطرة، وهاأنت تخرجين عن إجماع الإجماع الفطري، وهذا من حقك في كل الأبعاد، لكن أتمنى أن لاتتعدي الحدود التي عشنا عليها زمنا طويلا كنا فيها نكن فيها كل الاحترام إلى الآخر، الآخر الذي أصبحنا اليوم نعامله بقدر مايملك، ولم نعد نعطي للقيم العليا أي قيمة، أنت من تجار هذه الطائفة، وكم يغويك أن تكوني مدللة وسطهم، تتقدمين صفوفهم وتشربين من كؤوسهم اللامعة.
اعلمي أيتها المرأة الشاردة، الذائبة في عوالم اللامبالاة، الفاقدة للحس والذوق، لم أكن أريد أن أنا ديك بهذا اللقب الساقط، ولكن عذرا فالوقت وقت حزن وقت فراق كبير مع الأحبة، إننا اليوم نعيش حالة رعب، تخلي عن أنانيتك ولومرة واحدة، إننا نحتاج جميعا ليدين تصافحنا بسلام، ولصوت يشعرنا بالإطمئنان، ولكلمات تخرجنا من البؤس وتنقلنا إلى أفق الحياة، اعلمي أنك اليوم لا دور لك بأنانيتك المريضة، أنت خارجة ومطرودة من نادي الأصدقاء، من بيت الأحباء، أنت مجرد رقم بارد، وشبح شارد، وجهك الجميل مجرد رسم باهت، إنه يسقط يوما بعد يوم أمام هذه الوجوه البريئة الحاملة للحياة، فتحية لكل من يستطيع أن يكون في هذه الفترة نبيا للحياة.
كاتب ومبدع مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق