قراءات ودراسات

مراجعة لكتاب البروفسور سليمان جبران: على هامش التجديد والتقييد في اللغة العربية المعاصرة

بقلم : نبيل عودة

يجري حول اللغة العربية حوار صاخب أحيانا، بين العديد من المثقفين واللغويين ومختلف أصحاب الرأي. يبدو أن هذا الحوار هو ما يميز الناطقين بلغة الضاد فقط ، إلا أن ذلك لا يشير إلى أهمية غير عادية للغة الضاد، بقدر ما يشير إلى أزمة عميقة باتت تقلق المتعاملين مع اللغة، تتمثل في قصورها الفاضح في المجالات المختلفة، بالأساس المجالات العلمية والتقنية  وأيضا في مجال الاستعمال الأدبي الإبداعي. تبرز الأزمة بوزنها الكبير، في هرب أصحاب اللغة من لغتهم إلى لغات أجنبية للتعبير، إشكاليات استيعاب الطلاب العرب للغتهم، بل ونفورهم من أساليب تعليمها ومن التناقضات الكبيرة بين اللغة المحكية واللغة التي تسمى فصحى، لدرجة أن تعريف الفصحى بات يشكل موضوعا للخلاف، نتيجة دخول أساليب تعبيرية واصطلاحات وجمل متعارف عليها..

لا يمكن أن تخترق أسوار الحواجز النحوية التي وضعها سيبويه قبل مئات السنين، في مناخ ثقافي ولغوي مختلف، بات غريبا عن  مفرداتنا، عن صياغاتنا، عن متطلباتنا اللغوية في هذا العصر الذي يشهد نقلة نوعية عاصفة في العلوم والتقنيات  وفي اللغات واستعمالاتها. الا لغتنا العربية مسجونة داخل كهف يقف على أبوابه حراس اللغة، ظنا منهم أنهم يخدمون لغتهم ،  لا يستوعبون أن حراستهم تقود لغتنا الجميلة إلى الموت السريري، أو تحولها إلى لغة لا يتجاوز عدد المتحدثين فيها عدد المتحدثين اليوم باللغة الآرامية في العالم !!

هذا الموضوع شغلني منذ سنوات ليس كلغوي، بل كمثقف وكاتب يعيش نبض اللغة التي تشكل سلاحه التعبيري، أداته الهامة للتواصل، الأمر الذي وضعني بمواجهة إشكاليات لغوية تعبيرية في الحديث أو الكتابة عن مواضيع تكنلوجية ،علمية وفلسفية ، لم أجد لها صيغة عربية، وجدت في اللغة العبرية التي أتقنها بشكل جيد، لا يرقى إلى مستوى اتقاني للعربية بالطبع، تعابير واصطلاحات سهلة واضحة ميسرة مفهومة  وقابلة للاستعمال بدون تعقيدات نحوية.

شغلني أيضا سؤال ما زال مطروحا: بأي لغة عربية نكتب؟

الفصحى القديمة أضحت لغة لا مجال لاستعمالها وفهمها من الأكثرية المطلقة لمن يعرفون أنفسهم   كعرب. الفصحى الجديدة السهلة، أو لغة الصحافة كما يسميها البعض، أيضا غير ميسرة لأوساط واسعة جدا من العرب.. بسبب انتشار الأمية الهائل الذي لا يقلق حراس  اللغة بقدر قلقهم على مواصلة السجن القسري للغة في  زنزانة نحو وضع لمناخ لغوي لم نعد نعيشه ومن المستحيل أن نعود إليه.

في كتاباتي دائما أتلقى نقدا لغويا حول استعمالاتي للغة. ومحاولات تصحيح لغتي، وأنا على قناعة تامة أن تمكني من التعبير بلغتي العربية ، متطور جدا، ليس بسبب دراستي للغة، بل نتيجة ممارستي وتجربتي الغنية قراءة وكتابة، واعترفت مرات عديدة أني لا أعرف قواعد اللغة، ولا أريد أن أعرف أكثر مما اعرفه اليوم ، وإذا كان لا بد من إصلاح فلغتي هي لغة معيارية حديثة، متطورة في تعابيرها، وسهلة الفهم لأوساط واسعة ، وتحمل من جماليات التعبير والصياغة أكثر من كل نصوص المتقعرين، الذين لا استطيع أن افهم نصوصهم أو أهضم ثقل دم لغتهم !!

ربما أطلت في مقدمتي، ولكني اندفعت إليها بحماس إثر قراءتي لكتاب  شدني بلغته الجميلة وشروحه المنفتحة الراقية، حول إشكاليات لغتنا العربية صادر عن مجمع اللغة العربية في حيفا، للبروفسور سليمان جبران، الذي كان رئيسا لقسم اللغة العربية وآدابها في جامعة تل أبيب، قبل خروجه للتقاعد.

يحمل الكتاب عنوانا دالا: “على هامش التجديد والتقييد في اللغة العربية المعاصرة “، وافتتح سليمان جبران كتابه ببيتين من الشعر عن “الغيورين” على اللغة:

جاروا عليهــا زاعمين صلاحها      في نبذ طارقهــا وفي تقييدهـــــا

لم يفقهوا أن اللغــات حياتهــــــا       في بعث تالدها وفي … تجديدها

هناك مقدمة للدكتور عادل مصطفى ( باحث مصري في اللغة والعلوم والفلسفة ) يقول فيها: ” العربية في أزمة، يجفوها أهلها، يهجرها بنوها، لا يكاد يتقنها سدنتها وأحبارها. أن العربية على فراش المرض، تعاني من تضخم في القواعد والأصول، فقر في المصطلح، عجز عن مواكبة الجديد ومجاراة العصر. الداء واضح للعيان ، لم يعد بالإمكان إخفاؤه . فبئس الدواء إنكار المرض وبئس الحل إنكار المشكلة.”

مقدمة الدكتور عادل مصطفى تستعرض إشكاليات اللغة، التي يعالجها البروفسور سليمان جبران في كتابه ، تتطابق أفكاره تماما مع طروحات وشروح سليمان جبران ، بحيث بدا لي  متحمسا للكتاب وطرحه الذي يثبت ليس فقط معرفة سليمان جبران الكاملة بأصول اللغة ونحوها، أنما معرفة موسوعية نادرة بكل ما مرت به اللغة العربية من تحولات وتطوير في القرن التاسع عشر، خاصة منذ بدأ اللبناني فارس الشدياق: “رجل النهضة الأدبية الحديثة الأول ” – كما وصفه مارون عبود، وسائر النهضويين الرواد العرب أمثال المصري رافع الطهطاوي، جهودهم العظيمة في إحياء اللغة العربية التي قتلها التتريك والتخلف السائد في الأقطار العربية والذي كان لا بد أن ينعكس سلبا على واقع اللغة العربية. وللأسف،  يبدو كأن الزمن توقف، وما زلنا نحاور من نفس المنطلقات، وما زلنا نلوك نفس الحجج ..

قلت إني لست لغويا، ومع ذلك قرأت بحث سليمان جبران اللغوي بشوق كبير، أولا بسبب لغته الجميلة وأسلوبه التعبيري الواضع، وقدرته على التعامل مع الإشكاليات اللغوية المختلفة بتحليل وتفسير واستنتاج، مبني على المعرفة الموسوعية، وهو أمر سحرني به سليمان جبران، لأني وجدت به أجوبة عن القضايا المطروحة أمام تطور مجتمعاتنا المدنية، فمن يظن انه بنحو لغة قديمة خاضع للمرحلة التي نشط فيها سيبويه، يمكن بناء مجتمع مدني علمي تقني حديث هو واهم. اللغة أداة للتواصل لا بد منها للعلوم والتقنيات والثقافة والفلسفة  والمجتمع ، وليس للقداسة فقط.

من المواضيع التي يطرحها الكتاب: ” لغتنا العربية: لا هي عاجزة ولا معجزة،  متى نؤلف نحوا حديثا للغتنا العربية ؟  دور الشدياق في تطوير اللغة العربية  ،  العامية والفصحى مرة أخرى،  الترادف غنى ام ثرثرة ؟  تصحيح الصحيح ، تجليات التجديد والتقييد ” .

تتميز لغة الكتاب بالاقتصاد في التعبير والابتعاد عن الفضفضة ، التي نواجهها في الكثير من النصوص. وكأني به إلى جانب بحثه القيم يعطينا درسا ونموذجا في الصياغة الحديثة بدون فضفضة وترهل لا يضيف للمعنى شيئا، وقناعته تقول أننا في عصر السرعة ولا يمكن ألا أن نقتصد في الكلمات لنؤدي نفس المعنى.

ترددت في إيراد النماذج، لأني شعرت بأني سأنقل كل الكتاب للقارئ، وهذا غير ممكن .

وأعتقد أن انتباه معلمي اللغة العربية لهذا الكتاب ، في كل مستويات التعليم، خاصة الثانوي والجامعي،  استعمال المداخلات والنماذج التي يطرحا سليمان جبران، سيحدث ردة فعل ايجابية تقرب اللغة العربية لأبناء هذه اللغة ، تفتح أمامهم آفاق  لغوية جمالية تنعكس بشكل ايجابي على تقريب اللغة للطلاب العرب، تقريب الطلاب العرب من لغتهم وقدراتها التعبيرية  والجمالية ، مدركين أن الإشكاليات التي يهربون منها ، هي وليدة واقع مريض  وليس نتيجة لغة عاجزة ومعقدة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صدر للبروفسور سليمان جبران:

 

المبنى واللغة في شعر عبد الوهاب البياتي، دار الأسوار، عكا، 1998.

كتاب الفارياق: مبناه وأسلوبه وسخريته، جامعة تل- أبيب، 1991. طبعة ثانية : دار قضايا فكرية، القاهرة، 1993.

صلّ الفلا ، دراسة في سيرة الجواهري وشعره، جامعة حيفا، 1994. طبعة ثانية: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عمان وبيروت، 2003.

نقدات أدبية، جامعة تل أبيب، 2006. طبعة ثانية : دار الفكر، عمان، 2007.

نظرة جديدة على الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب، جامعة حيفا، 2006. طبعة ثانية : مكتبة مدبولي، القاهرة، 2007.

صغار لكن… ، مجموعة قصائد للصغار، حيفا، 1996.

مقالات أخرى كثيرة في النقد الأدبي واللغة.

_____________

 

 

* كاتب، ناقد وإعلامي – الناصرة

 

 

 

 

 

الكتاب: على هامش التجديد والتقليد في اللغة العربية المعاصرة

 

تأليف: بروفسور سليمان جبران

 

إصدار : مجمع اللغة العربية-حيفا- 2009

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق