حوارات المجلة

إدغار موران: ” نعيش في سوق كوكبي لم يعرف إفشاء الأخوة بين الشعوب”

(ترجمة خاصة بالمجلة الثقافية الجزائرية): ترجمة وتقديم : محمد العربي هروشي

في سن تجاوز التسعين وبتوقد في الذهن إدغار موران يواصل مشواره التفكير بوصفه مفكرا وفيلسوفا أصيلا يضع أسئلته الحارقة على العالم في تركيبته المركبة هو الذي يؤمن بالفكر المركب ،والمؤصل لعدة مفاهيم منها الموندولوجيا ،يسائل في هذا الحوار مآل العولمة والاقتصاد المعولم وانهيار القيم الأصيلة ،على رأسها قيمة الأخوة الإنسانية التي توارت أمام جشع الفكر النيوليبالي المتوحش في زمن كورونا الصحافي والكاتب الإيطالي نوتشيو أو ردني حاور ،عن طريق سكايب ، إدغار موران لفائدة الصحيفة الإيطالية Corriere delle serre و EL PAIS

س _العولمة التي تتحدثون عنها خلفت سوقا كبيرا معولما ،من خلاله قلصت التكنولوجيا المتطورة ،بشكل ملحوظ ، المسافات بين القارات.بيد أن هذا التقليص في المسافات لم يسهم في حوار بين الشعوب،على النقيض من ذلك ،وطد لإعادة إثارة النعرات الهوياتية وتغذية النزعات الدغمائية الخطيرة في الآن ذاته .
ج _ نعيش في سوق كوكبي كبير لم يعرف تفشي الأخوة بين الشعوب خلف ،فعلا ،رعبا معمما اتجاه المستقبل. أثار كورونا فيروس التناقض جاعلا منه شيئا واقعيا ،مما يجعلني أفكر في الأزمات الاقتصادية الكبرى في سنوات الثلاثينيات ،حيث عدة دول أوروبية ،ألمانيا ، وخاصة إيطاليا ،عانقت النزعة القومية المتطرفة ،و بالرغم من الحاجة إلى الإرادة المهيمنة للنازيين يبدو اليوم هذا الإغلاق في حد ذاته،غير قابل للنقاش .
إن التطور الاقتصادي الرأسمالي ،إذن ،حل مشكلات عظيمة تؤثر على كوكبنا : تدهور البيئة الكوكبية ،والأزمة العامة للديمقراطية ،و تفاقم اللامساواة ،واللاعدالة،وانتشار الأسلحة والنزعة الاستبدادية الدوغمائية (مع الولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل في القمة )، أضحى ، اليوم، ضروريا تشجيع تشكيل وعي كوكبي تحت قاعدة إنسانية: تشجيع التعاون بين الدول نحو الهدف الأساسي ألا وهو تقوية الحس التضامني والأخوي بين الشعوب .
س _ لنحاول تحليل هذا التناقض ،باختصار ،آخذين في الاعتبار العالم المتناهي في الصغر للعلاقات الشخصية.
وضع ظهوركورونا فيروس الإيديولوجيات ذات العمق الذي سيطر في الحملات الانتخابية ،في السنوات الأخيرة هاته ،في أزمة : شعارات « «Americ Frist “فرنسا أولا” ،”إيطاليا أولا “و ” البرازيل فوق كل شيء ” ،أعطت الابتعاد عن الانسانية داخل كل فرد صورة تبدو كجزيرة منعزلة عن باقي الجزر (موظفا استعارة جميلة لتأمل دون جون )،في المقابل أظهر الوبأ البشرية كونها قارة واحدة وبأن الكائنات البشرية مرتبط بعضها ببعض.
لم نع ،أبدا ،في أي من أوقات العزلة (بعيدا عن تأثيرات الأصدقاء،و الحياة الجماعية ) ،الحاجة إلى الآخر .
ج _ تماما ،خطورة الجرثومة وإجراءات المكوث في البيت انتهت بتحفيز إحساس الأخوة لدينا،ففي فرنسا مثلا،في كل ليلة نضرب موعدا من نوافذ نا مع الطاقم الطبي للتصفيق لهم الذين هم في الصف الأول يساعدون المرضى.
في الأسبوع المنصرم ،تأثرت لما شاهدت على التلفاز بنايو ومدن إيطالية أخرى الناس تطل من الشرفات مرددة النشيد الوطني جماعة ،وترقص على إيقاعات أهازيج شعبية.وهذا أيضا الوجه الآخر للعملة .علمتنا التجربة بأنه يمكن تجاوز الأزمات الخطيرة التي يمكن أن تزحف عليها ظواهر الانغلاق والحقد: مطاردة المخالف أو الحاجة إلى كبش الفداء .بالكاد حققت مع الأجنبي أو المهاجر.
إن الأزمات يمكن لها أن تشجع الخيال الخلاق( كما حدث نيو ديل ) أو تتسبب في التخلف .

س _ أ تلمحون ،أيضا ،إلى أوروبا التي أمام مواجهة الطوارئ الصحية كشفت ،مرة أخرى ،عن عجزها على برمجة استراتيجيات موحدة ومتضامنة ؟
ج_ أجل، أوروبا المزيفة الموالية للأبناك وللتقنوقراط اغتالت ،خلال هذه العشريات ، الأفكار الأوروبية الأصيلة قاضية على كل دفعة في اتجاه البناء لوعي موحد. فكل بلد يدير الوبأ بشكل منفرد، دون أي تنسيق حقيقي .نتمنى من عمق هذه الأزمة أن تنبعث روح الوحدة القادرة على تجاوز أخطاء الماضي : بدءا من تبرير الطوارئ بالنسبة للمهاجرين إلى هيمنة المبررات المالية على حياة الإنسان،انطلاقا من من غياب سياسة دولية أوروبية إلى العجز في التشريع في المجال المالي.

س _ ما كان موقفكم من الخطاب الأول لبوريس دجونسون إزاء السخرية القاسية التي بها دعا المواطنين البريطانيين للتهيء لآلاف الموتى الذين سيتسبب فيها كورونا فيروس والقبول بالقاعدة الداروينية الاجتماعية (إقصاء الأكثر هشاشة )؟
ج_ مثال واضح كيف أن المسألة الاقتصادية أكثر أهمية و أقوى من القضية الإنسانية: الربح له قيمة أكثر من الخسارات الضخمة في الكائنات البشرية التي يمكن للوبإ أن يلحقها بها. إن التضحية بالأكثر ضعفا ،في البدء والمنتهى (الشيوخ والمرضى ) وظيفي بالنسبة لمنطق الانتقاء الطبيعي.كما يحدث في عالم السوق .فمن لا يستطيع مقاومة المنافسة محكوم عليه بالاستسلام .أن تخلق مجتمعا إنسانيا أصيلا يعني أن تقف في وجه الداروينية الاجتماعية مهما كان الثمن .

س _ وظف الرئيس ماكرون الحرب كاستعارة ليتحدث عن الوبإ، ما هي الحدود و الاختلافات بين نزاع مسلح والذي نحن بصدد معايشته ؟
ج_ أنا الذي عشت الحرب أعرف جيدا الآليات.أولا يبدو ،بداهة ،نوعا من التنوع: في الحرب ،إجراءات الحجر وحظر التجول مفروضة من طرف العدو، أما الآن ،وبالمقابل فإن الدولة هي التي تفرضه ضد العدو، والتفكير الثاني له علاقة بطبيعة العدو : في الحرب هو مرئي .أما الآن هو غير مرئي،أيضا بالنسبة لمن هم مثلي ، الذين شاركوا في المقاومة يمكن أن يوظف القياس ذاته : فبالنسبة للمقاومين كان الحرس الأسود (جيستابو حرس هتلر / المترجم) بمثابة الوبإ لأنه يحشر أنفه في كل مكان محيطا بنا، كان بوسعه التصنت والإخبار عنا .لست أدري الآن إن كانت مرحلة الحظر هاته ستدوم الوقت الكافي كي تثير القيود التي يمكنها التذكير بتقنين الأكل و التجارة السرية للسوق السوداء.
أفكر وأتمنى ،ألا يحصل ذلك. في كل الأحوال لا أظن أن توظيف الحرب كاستعارة تصلح لفهم هذه المقاومة للوبإ .

س _ بصدد التضامن الإنساني: ألا يظهر لكم ما يقوم به العلماء في هذا الوقت وهم يروجون لتنسيق دولي للبحث عن هزيمة الوبإ ،أليس في قدوم أطباء صينيين و كوبيين إلى شمال إيطاليا علامة على الأمل ؟
ج_ هذا إجابي ،دون نقاش ،الشبكة الكوكبية من الباحثين تبرهن عن جهد يستهدف الصالح العام العالمي عابر للقارات و للغات وللون الجلد. ولكن لا يجب أن نقلل من مظاهر التماسك الوطني : أن نكون ،قلت هذا سابقا ، محاطين بالفاعلين الطبيين الذين يشتغلون بالمستشفيات ،كثير منهم ،مع ذلك ،تركوا خارج هذه الصيغ الجديدة للمجتمع التضامني : أشخاص وحيدون ،عجزة و أسر فقيرة لم تستجب لها الشبكة دون إحصاء من يعيشون في الشارع لأنهم لا يملكون بيتا .إذا كانت هذه المرحلة ستدوم طويلا ،كيف سنستثمر في استثمار العلاقات الإنسانية وكيف سنتمكن من التلطيف من الحرمان .

س _ يروقني لو أحطنا ،مرة أخرى ، بموضوع العلوم بعد كارثة الحرب العالمية الثانية، كان اول لقاء بين الألمان و الإسرائيليين، بواسطة العلماء.بينما أتجول بمعية بمعية فابيولا جيانولي ب Cern de Gnibraالسنة الماضية ،رأيت حول مائدة باحثين من دول بينها نزاعات،ألا تفكرون بأن البحث العلمي والذي لا يطمح إلى ربح أي شيء ،يمكنه أن يؤدي ،أثناء هذه الطوارئ ، إلى ترويج روح أخوة عالمية ؟
ج _بالطبع يمكن للعلوم أن تقوم بدور هام إلا أنه غير مصيري، يمكنها تحريك حوار المشتغلين لمختلف الدول الذين هم الآن يشتغلون من أجل إيجاد لقاح وإنتاج عقار ناجع.ولكن لا يجب أن ننسى أنه وبشكل متناقض ،كثير من الباحثين في الماضي،اشتغل خدمة للحرب وللسلطة ،أقول هذا وأنا أثق في كل هؤلاء العلماء الخلاقين والمترعين بالخيال، الذين ،من المؤكد ،يعرفون كيف يروجون و يدافعون عن بحث علمي صارم في خدمة الإنسانية .

س_ أيندرج حظر الطوارئ الذي فرضه الوبأ على الكل في بعض الدول الأوروبية ،أضعفت الحكومات تدريجيا المستشفيات بتخفيضات في الموارد و في الأطر الطبية،ممرضين ،أسرة ،وآليات تؤشر على أن الصحة العمومية عليلة .
ج _ ليس هناك من شك في وجوب أن تكون الصحة معممة وعالمية.كنا في أوروبا ،خلال العشريات الأخيرة ،ضحية التوجهات النيولبرالية التي حثت على تقليص الخدمات العمومية بصفة عامة .إن برمجة إدارة المستشفيات كما لو كانت شركات يعني اعتبار المرضى كسلسلة مدرجة داخل عجلة الإنتاج .هذا مثال آخر على كيف أن رؤية مالية محضة يمكنها أن تخلف كوارث من وجهة نظر إنسانية و صحية .

س _ الصحة والتعليم يكونان أسس الكرامة الإنسانية (الحق في الحياة و الحق في المعرفة ) و قاعدة للتطور الاقتصادي لبلد ما .خضع النظام التعليمي ،أيضا ،لتخفيضات فظيعة في الميزانيات خلال هذه العشريات .
ج _ الصحة والتعليم بصدد هذه النقطة أنا متفق مع ما هو مسطر في كتبك.لا يمكن تدبيرهما بمنطق مقاولاتي،فالمستشفيات أو المدارس والجامعات لا يمكن أن ينج عنهما ربح اقتصادي ( لا يتعين عليهم بيع منتوجات للزبناء الذين يشترونها )إنما عليهم التفكير في رفاه المواطنين وتكوينهم .و كما يقول مونتاني « teste ben fatte « / رؤوس مصنوعة بشكل جيد /المرجم / بمعنى أن إعادة اكتشاف روح الخدمة العمومية انكمشت بشدة في هذه العشريات الأخيرة .

س_ الآن والمدارس والجامعات مغلقة ،أضحى ضروريا،إجراء التعلم عن بعد من أجل الحفاظ على العلاقات بين الأساتذة والتلاميذ حية ؟
ج_ بفضل التكنولوجيا أمكن عدم قطع خيط التواصل،كذلك في فرنسا يتهيأ التلفزيون لتقديم برامج لطلبة المعاهد ولكن المسألة ،كما تعلمون جيدا،هي في العمق :تعرضت في مختلف كتبي إلى حدود نظامنا التعليمي،أعتقد أنه لا يتلاءم مع التعقيد الذي نعيشه من وجهة نظري الشخصية والاقتصادية و الاجتماعية .
لدينا وعي مخصص لحجرات مانعة للماء، عاجز عن إعطاء أبعاد موحدة وغير ملائمة لمواجهة بطريقة محددة ،مشاكل الحاضر. طلبتنا لا يتعلمون بالتحديات الوجودية ، ولا أيضا بالتعقيد ولا باللا يقين لحقيقة هي في تغير دائم .
يبدو لي هاما، الاستعداد لفهم الترابطات : كيف أن أزمة صحية يمكن أن تتسبب في أزمة اقتصادية التي بدورها تخلق أزمة اجتماعية و، في الأخير ، وجودية .

س _ اعتقد بعض العمداء والأساتذة أن تجربة كورونا فيرويس فرصة لإطلاق الدراسة عن بعد ،أعتقد أنه لمن الضروري التذكير بأنه لا يمكن لأي مسطحة رقمية أن تغير من حياة تلميذ.ألا يمكن ،على هذا النحو ،المجازفة بتشويه الأهمية الأساس للدروس داخل الفصول وللالتقاء الإنساني فيما بين الأستاذ والطلبة؟
ج _يجب التفريق بين الاستثناء الذي فرضه الوبأ وبين الظروف العادية .الآن ليس لنا خيار ولكن المحافظة على العلاقة بين الأساتذة والتلاميذ أمر أساسي .
فقط الأستاذ الذي يعلم بشغف يستطيع ،حقا ،أن يؤثر في حياة طلبته ،إن دور التعليم بخاصة هو في الأشكلة عبر منهجية مبنية على أسئلة و أجوبة قادرة على استفزاز الروح النقدية. فأن تعلم هي مهمة كالتي يقوم بها الآن الأطباء: يتعلق الأمر ،في كل الأحوال، بالاعتناء بأرواح بشرية ،بأشخاص ،بمواطني المستقبل .

س_ لقد توصل الوبأ إلى أن يفجر حدود السرعة.إن الحظر الصحي في منازلنا ساعدنا على إعادة اكتشاف أهمية البطء من أجل التفكير والفهم ،من أجل المحبة .
ج_ يبدو لي ،دون نقاش ، أن الوبأ وما فرضه من قيود،فرض علينا تخفيضا في السرعة صحي ،أنا بدوري لاحظت تحولا قويا مس إيقاعي اليومي: لم أعد موقوتا و لا راسما لانقط كما كنت من قبل .عندما تركت باريس لأعيش في مونبولييه لاحظت تغيرا ملحوظا في مسار أيامي.الآن وبوعي أكبر ،أن (نحن ) استعدنا امتلاك الوقت ،برجسون كان قد فهم جيدا الفرق بين الزمن المعيش (الآني ) والزمن الموقوت ( الماضي ) ،إن استرجاع الزمن الآني تحد سياسي وأيضا أخلاقي و وجودي .

س_ خصوصا الآن ننتبه إلى قراءة كتب وسماع موسيقى و الاستمتاع بأعمال فنية هي أحسن طريقة لزرع إنسانيتنا .
ج_ دون ريب ،فالحظر الصحي ينبهنا إلى أهمية الثقافة،هي فرصة _عبر هذه المعارف التي سمتها مجتمعاتنا ،إجحافا ،بأنها ” غير مجدية ” لأنها لا تنتج أرباحا _ كي نفهم حدود النزعة الاستهلاكية والسباق دون توقف اتجاه المال والسلطة.سنكون قد تعلمنا شيئا في أوقات الوبإ هذه إذا عرفنا كيف نعيد اكتشاف وزرع القيم الأصيلة للحياة ،الحب ،الصداقة ،الأخوة والتضامن . قيم أساسية نعرفها دائما ،و دائما ،للأسف ننتهي بنسيانها .
…………………………………………………………………………………..
Cultura /EL PAIS 12Abril 2020-
شاعر ،مترجم وباحث/ المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق