ثقافة السرد

الجزء 17 من رواية المأساة الفلسطينية…(حرمتان ومحرم)

للروائي صبحي فحماوي

الحدود..دود..دود..!
لا ربيع في هذه البلاد، والصيف حَرٌّ قاتل، وفراغٌ لا عمل فيه، وجوُّ البيت خانق، فلا خروج ولا دخول، وأبو مهيوب يعمل صيفاً شتاءً في صيانة الحدائق، وأما البنتان، فتتمددان مقبورتين داخل بوتقة البيت، وتدوخان وهما تنظران إلى مروحة السقف الدوارة، وتحسّان بفراغ قاتل، وتتمطيان وهما تقضيان الوقت على سريريهما المفردين المتوازيين، وبينهما متر للمرور، بالحديث (الفارغ والمليان):
كنا نتفلسف أيام دراستنا في الكلِّية ونقول: ساق الله يوم انتهاء الدراسة، وإذ بالكلِّية أجمل أيام حياتنا، يوم كان الأستاذ فكري المصري يبحث عن ألوان الزيت فلا يجدها، أكون أنا قد خبأتها في درجه، فيروح يبحث عنها في أدراجنا، وعندما يكتشفها في درجه، يشعر بالحرج، فتقول لـه الشقية سماهر:
“ها قد وجدتَها في درجك يا أستاذ، ألا تشعر يا فنان الشعب أنك قد ظلمتنا؟” فيعتذر الأستاذ، ونضحك نحن بصمت مستغربات سذاجته، وكيف يعتذر عن شيء لم يفعله! (إيييه)! أيام، ضاعت علينا سدى! ولا يريد أبوكِ إلا أن يخطبني لأخيكِ غازي! يا عمي لا داعي لخطوبة كهذه لا نعرف أبعادها! اسمعي يا تغريد، إذا لم يأت خبر من أخيك غازي، فأرجوك أن تبلغيهم أنني أعلن إلغاء هذه الخطوبة الكاذبة، وأعلن خلع هذا الخطيب من طرف واحد، وأرجوك أن تساعديني في التعرف إلى شاب يكون أهلاً لبنت محترمة مثلي.. “تضحك وهي تقول”: طبعاً محترمة، فإذا استمر الجميع بتجاهلي، فأنا أكرر رغبتي بشاب محترم يبحث عن فتاة حلوة تقف معه فتساعده على شقاء الدنيا، وتنجب له أطفالاً يردفون شعب المقاومة. يجب أن لا نعطِّل مصنع أطفال المقاومة هذا! فتجيبها تغريد ، وهي مضطجعة على سريرها، ساخرة :
” أول مرّة أشاهد وأسمع بنتاً مجنونة ونرجسية مثلك تُدلل نفسها، وتشيد بأنها حلوة ومحترمة! فكيف عرفت أنك حلوة يا محترمة، هل لحست قفاك، فذقت طعمه الحلو؟!” تغلُّ ماجدة مخدتها وتخبطها برأسها حانقة وتقول:
– لست أدلل نفسي! أنا بحاجة إلى شاب محترم يدللني، فالطبيعة تكره الفراغ، وحتى البقرة الدنماركية تجد من يدللها! فتقعد تغريد من اضطجاعها على سريرها المفرد وتقول:
“تريدينني أن أعمل لك مُطلِّقة، أم خاطبة؟ واحدة من الاثنتين! يا ماجدة خلِّيها على الله، تأكدي بأن ما هو مقدّر لك، فهو لك.”
– هذا صحيح، ولكن الواحدة منا تفكر وتخطط، والله يُدبِّر، وأنا الآن في دور التخطيط والسعي، ولن أبقى عالة عليهم بعد اليوم، ولن أنتظر منهم تقرير مصيري. أنا التي ستقرر مصيرها بنفسها، وحتى لو تزوجت أبو مهيوب ذات نفسه، فلن أتركهم يتحكمون بمصيري إلى ما لا نهاية! تضحك تغريد وتقول: ” دعينا نصل إلى بلادنا أولاً، ومن ثم تقررين مصيرك يا شاطرة! إذا كانت فلسطين كلها غير قادرة على تقرير مصيرها، فهل أنت يا (خر..( ستقررين خيبتك؟ وكِّليها لله أحسن لك! “
*****
يأتي صيف السنة التدريسية الثانية، والحنين إلى الوطن يأكل لحمهما ويشرب دماءهما، وأبو مهيوب ليس أقلّ منهما شوقاً للوطن. وكثيراً ما يمسح الأرض أو ينظف المطبخ أو الحمام وهو ينشد:
كل شيء للوطن! كل شيء للقضيّة!
ليس للروح ثمن! فهي للأرض الأبية!
للوطن…!
تعودان من المدرسة فتسمعانه يغني، فتشاركانه بتلك الأغنية الوطنية التي صارت أسطوانتها مشروخة، من كثرة ما رُدِّدت، وليس من وطن..! وكما يقول أولئك الممثلون اللبنانيون المسطولون على الفضائيات اللبنانية: إلوطاااااان!
تفكِّر كل من البنتين بأهلها وأقاربها، عددهم ونوع الهدية التي ينتظرها كل منهم، وكذلك يفكر أبو مهيوب بشراء هدايا كثيرة لبناته الثلاث، وأولادهن الذين تخيلهم بلا ملابس، أو بملابس بالية تحت الحصار الخانق.
يخرج الرجل والصبيتان معاً إلى سوق المخيمس لشراء الحاجات، حيث تباع الملابس في السوق الشعبية، فيشتري كل منهم عدّة أنواع من الملابس، وعندما تزداد مشترياتهم، يذكّرهما الرجل بالاقتصاد في النفقة قائلاً: “والله لو نشتري لهم السوق كله، فلن يكفيهم، فهم كُثرُ.” فتضحكان وتتوقفان عن الشراء.
يعودون من السوق منبعجة أحمالهم، وسائق سيارة الأجرة مندهش من هذه الأغراض التي تملأ السيارة من الخلف، وما بين المقاعد، ولكنه لا يتكلم في الموضوع لسبب واحد، وهو أن لغته أجنبية من لغات الشرق الأقصى.
كل هذا كوم، والشوق والحنين أكوام من العشق والوله لتراب الوطن.
يصعدون حافلة السفر. الطريق طويل إلى بيت المحبوب، والمشقّة تهون أمام الشوق، و(مصر على المشتاق مش بعيدة)، وفي السابق كانت فيالقهم الثورية التي تاهت بوصلتها تقول:
“الألف ميل باتجاه فلسطين أوله خطوة، فصارت الخطوة ألف ميل!”
الحافلة تتمدد وتنصهر وتتلاشى أبعادها مع السراب المتوهج الشفاف المخادع، وتُشوى بنار صحراء حارقة لا نهاية لها، والرمال المتحركة تعسف غبارها فتسد الفضاء في وجه الطريق!
ما هذه الصحاري الجرداء في كل اتجاه؟ ولماذا أزالوا الأشجار من كل مكان؟ وهل يوجد هنا أيضاً محتلّون يُجرِّفون أشجار مزارعهم وغاباتهم، فتصير بلادهم امرأةً عاقراً، لا تنجب أشجاراً ؟ والمتسائل أبو مهيوب لا يعرف أن معظم الأراضي العربية صحاري خالية كهذه!
تذكر تغريد تقول لـه ذات أمسية وهم يشاهدون التلفاز في البيت: “انظر إلى خارطة الكرة الأرضية، تشاهد الوطن العربي كله موشحاً باللون الصحراوي، وباقي الكرة الأرضية خضراء، كل شيء أخضر، إلا الوطن!”
يتنقلون بوسائط السفر المتغيرة هذه، من سيارة أجرة إلى طائرة، إلى باخرة، إلى حافلة تدخل بهم إلى (إلوطااااان)، فما بعد الحدود إلا الحدود..حدود وراء حدود..دود.. دود.. وكلها حدود عربية القلب واليد واللسان، والعربي على العربي) يا حبيبي) مثل الشحم على النار، فعند الحدود العربية العربية انتظار واحتقار..


هكذا كانت تأتي التعليمات من أجهزة الجمارك وأجهزة الأمن وأجهزة تخليص البضائع وأجهزة التعقيب وأجهزة التفتيش وأجهزة الطوابع وأجهزة التأمين وأجهزة المخابرات وأجهزة الاستخبارات وأجهزة الأمر والنهي وأجهزة مجهزة بتجهيزات جاهزة تشهد على المسافرين يوم الحشر والنشر أشكالهم وأحجامهم وأيديهم وملابسهم وأصواتهم ووجوههم وعيونهم وأنوفهم وأسنانهم وصبغات ذقونهم وأوامرهم :
– قفوا..انتظروا..موظف الجمارك ذهب ليتوضأ..لا تخرجوا من السيارة إلا بأمر من مسؤول الأمن..مسؤول الأمن غادر نظراً لتغيُّر الدورية، وسيعود رجال أمن آخرون..لا تخلفوا صفوف الدور، والموظف ذهب ليصلي جماعة مع باقي الموظفين..كلها ساعة زمن .. ساعتان..ثلاث ساعات ويحضر المسؤول، وينتهي كل شيء..الجماعة ذهبوا ليتناولوا لهم لقمة طعام..بعد الأكل يشربون الشاي وسوف يصلون فوراً..لا تتزاحموا عند المعبر..أنتم عرب جَرَب، وغير حضاريين..لا تتراكضوا مثل ال…قفوا بالدّور..سوّوا صفوفكم..إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج..أنزلوا أمتعتكم من الحافلة هنا على المصطبة…كل قطعة صغيرة معكم يجب أن تُنزّل هنا على الأرض للمعاينة ومن يترك شيئاً داخل الحافلة يُخالَف وقد يمنع من المرور. افتحوا حقائبكم وأكياسكم وأمتعتكم، واعرضوها ظاهرة للعيان!
ثمة كلب أمني بحجم الجحش، يتجول مع تابعِهِ الذي يسير وراءه مقطوراً بحبل متين، يشمشم رائحة الأمتعة، باحثاً عن شيء مفقود. يقترب من أمتعة ماجدة وتغريد، فترتعب الصبيتان، وتهربان من مكان الأمتعة، خوفاً من الكلب الشرس! فيقول لهما تابع الكلب:
“لا تخافا، إنني أمسك به!” ويتابع توجيه تعليماته للركاب المحتشدين حول أمتعتهم: “كل واحد يتعرف على أمتعته، ويفتح حقائبه بنفسه، ومن لا يتعرف على إحدى الحقائب، فليتركها، لأنها قد تخص إرهابيين”..لا تأخذوا حقائب ليست لكم، لأنكم قد تنقلون أشياء ممنوعة، وأنتم لا تدرون.”
وعند الحدود يسألها موظف تدقيق الجوازات:
– ما اسمك يا بنت؟
“اسمي ماجدة.”
– ما معنى ماجدة؟ هل أنت من الماجدات العراقيات؟ .. وأنت ما اسمك يا صبية؟
” اسمي تغريد؟”
– لماذا هذا الاسم، تغريد؟ يا أختي صوت المرأة عورة، فلم التغريد ؟ هذا والله حرام!
يتأفف أبو مهيوب متضايقاً من علك الكلام الفارغ، ويقول :
– لم هذا التحكم بعباد الله، وتأخير المعاملات، وعدم وجود تقدم في الصف الطويل ؟ فيقول لـه الشرطي :
“أنت سدّ خشمك، وإلا أرجعتك إلى آخر الصف أو جعلتك تبيت الليلة على الحدود!” ويتابع موظف الجوازات تعليماته واستعلاماته مع المغادرين: “نريد أن نتأكد من الجوازات. هل معك جواز سفر ساري المفعول؟”
“هل معك إقامة على الجواز؟”
“هل إقامتك سارية المفعول؟”
“هل معك تصريح خروج ؟
هل معك براءة ذمة وموافقة على السفر من الكفيل؟”
“هل معك تصريح عودة؟”
“اكتب كشفاً بالأغراض التي معك.
“هل معك طوابع ؟” فيسأله المسافر :
– من أين آتي بالطوابع ؟
– هذا ليس شغلي. اذهب إلى هناك في العمارة المجاورة، واسأل عن الطوابع. أهم شيء الطوابع. أية معاملة من دون طوابع طبعاً ستطبع بعدم الطبع!
ما هذه؟ مجلة نسائية؟ ممنوع تمرير مجلات نسائية!” يستغرب المسافر قائلاً:
“المنع يُطبّق لو كنت داخلاً بلادكم، ولكنني خارج مروراً! “
” داخل خارج، هذا لا يهم، هذه مجلة مصادرة يعني مصادرة، المهم أن الحدود تمنع تمرير مجلات نسائية فاضحة!”
“القانون يقول..!”
“تريدني أن أطلعك على القانون الذي يمنع المجلات الإباحية؟”
“ولكنها ليست إباحية، إنها مجلة نسائية محترمة !”
“يا أخي تريد أن توقف تحرك كل هذا الصف الطويل الطويل من السيارات، كي أريك القانون؟ يا أخي صحيح إنك لا تستحي على وجهك! قال قانون قال! طيب انصرف انصرف! “
يستولي رجل الحدود على المجلة النسائية الملونة بأنوثتها، بهدف التفرج عليها شخصياً بعد انتهاء الدوام الرسمي.

1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق