ثقافة المقال

“الديوان الاسبرطي” والتواجد العثماني في الجزائر ..

هل تعمد عيساوي محاباة الخليجيين لكسب الجائزة "الأهم" في العالم العربي؟

إدريس بوسكين

تعود رواية عبد الوهاب عيساوي الفائزة “بجائزة البوكر العربية” لعام 2020 “الديوان الاسبرطي” إلى أواخر العهد العثماني وبداية الاحتلال الفرنسي للجزائر وهي فترة متشعبة جدا وذات أحداث تاريخية كبرى قلما تطرق لها الروائيون الجزائريون في أعمالهم.

“الديوان الاسبرطي” رواية تاريخية أيديولوجية مقدمة في قالب أدبي تعود أساسا للفترة العثمانية في الجزائر والسنوات الأولى للاحتلال الفرنسي للبلاد (1815- 1833)، وأهم ما يميزها “الجرأة” في التطرق للتاريخ العثماني وإطلاق الأحكام الضمنية التي يعتبر عيساوي أنها تساعد في “فهم وكتابة التاريخ الحقيقي” لهذا التواجد العثماني بعيدا عن “الأكاذيب” التي تقدمها السلطة!.

وأثث عيساوي عمله هذا -الذي يتميز بجمالية البناء الروائي والسرد المباشر- بخمس شخصيات رئيسية “منح” كل واحدة منها (ظاهريا) حق النظر للأمور بمنظارها الشخصي يتقدمها الضابط الفرنسي “كافيار” الذي انهزم مع نابليون في “واترلو” وتم أسره فيما بعد من طرف الأتراك ورمي به في إحدى سجون مدينة الجزائر (المحروسة) غير أنه بعد خروجه يفضل البقاء بالمدينة والتعرف عليها وعلى ساكنتها ليصبح لاحقا مهندس حملة احتلالها.

وأما مواطنه الصحفي “ديبون” فهو أيضا من الشخصيات المهمة في هذا العمل حيث منحه عيساوي صفة “الإنسانية” رغم أنه طرف رئيس في حملة احتلال الجزائر، بل إنه برر إلى حد ما مشاركته في هذه الحملة كرغبة شخصية منه في تخليص الأسرى الأوربيين والسكان الأصليين مما سماه “تسلط” العثمانيين عليهم بمدينة الجزائر!.


الشخصيات المتبقية تتمثل في التاجر الجزائري “إبن ميار” الذي كان مدافعا عن العثمانيين وسلبه الفرنسيون كل أملاكه فيما بعد وصديقه “حمة السلاوي” الذي يمثل صوت الجزائري المسحوق الذي يحب وطنه بالإضافة إلى “دوجة” المرأة المقهورة التي ترمز للمرأة الجزائرية البسيطة التي راحت بدورها ضحية الاحتلال الفرنسي.

في هذا العمل الذي تدور أحداثه بين جنوب فرنسا ومدينة الجزائر في فضاء يغلب عليه البحر وتأثيثاته السردية سيلاحظ القارئ بسهولة رص عيساوي للعثمانيين مع الفرنسيين في صف واحد كـ “محتلين” بل وأكثر من هذا أن الفرنسيين في نصه هم أحيانا “أفضل” من العثمانيين لأنهم “قادمون ومعهم الحضارة (الغربية)” بينما العثمانيين “لم يقدموا شيئا طوال ستة قرون!” وهي المعزوفة الغريبة التي يرددها كثيرون وليس عيساوي فقط.

وببساطة يختزل الكاتب في هذا الإطار ستة قرون كاملة من التواجد العثماني في عدة أعوام فقط سبقت دخول الفرنسيين للبلاد وهي أعوام ضعف الجزائر والإمبراطورية العثمانية ككل متناسيا أن الجزائريين خلال هذه الفترة الطويلة كانوا يعيشون في ظل الأمن والحماية من الهجمات المتكررة للصليبيين الأوروبيين وخصوصا منهم الفرنسيين والإسبان وأن للعثمانيين الفضل في إنقاذ المورسكيين واليهود من إبادة المسيحيين لهم، كما تناسى أيضا أن الأهالي لم يتعرضوا يوما للإبادة والاضطهاد من طرف الأتراك كما فعل معهم الفرنسيون، كما أنه لم تفرض عليهم يوما اللغة ولا الثقافة التركية العثمانية، بل وحتى مذهبهم الديني “الحنفي” لم يتم فرضه عليهم.
والأهم من هذا كله أن الجزائر آنذاك كانت من أقوى بلدان العالم وكانت في مواجهة ندية مع هؤلاء الصليبيين الذين كان دأبهم احتلال إفريقيا واستعباد شعوبها باعتبارها أرض أوروبية رومانية مسيحية خالصة، وإضافة إلى هذا فإن مدينة الجزائر بالذات كانت في عهدهم من أهم عواصم العالم كما لم تكن في حياتها من قبل وحاضرة بشرية متعددة الشعوب والأجناس والثقافات بعد أن كانت مجرد “قرية” على حد وصف ابن بطوطة لها.

الرواية مليئة أيضا بالعبارات المسيئة للأتراك والتي تخرج من أفواه أبطال هذا العمل وتصدح بكره العثمانيين وخصوصا “كافيار” و”حمة السلاوي” على غرار “الخبثاء” و”الجشعون” و”الطماعون” وأيضا “البرابرة” وهي وللسخرية نفس الصفات تقريبا (إن لم تكن أبشع منها) التي أطلقتها الفرنسيون على الجزائريين بعد احتلالها للجزائر وتباهى بترديدها كبار أدبائها ومثقفيها كفيكتور هوجو وأرنست رينان الذين اعتبروا أن من واجب فرنسا “تحضير” و”أنسنة” هذه الشعوب “البدائية” ولو بالاحتلال، بل إن عيساوي تعمد أصلا وضع مقتطف من روايته على مغلفها الخارجي يصف فيه العثمانيين بـ “المتوحشين” رغم أن المتوحشين الوحيدين الحقيقيين هم الفرنسيين الذي أبادوا ونكلوا منذ حلولهم بالبلاد بملايين من الجزائريين طوال قرن واثنان وثلاثين سنة.

وفي هذا السياق لا نجد تقريبا في هذا العمل أي ذكر للجرائم التي اقترفها الفرنسيون آنذاك بحق الجزائريين وعلى رأسها الإبادات التي ارتكبت بالعاصمة وضواحيها بمجرد حلول الفرنسيين بالبلاد كمجزرة “العوفية” (1832) مثلا بسهل متيجة والتي أباد فيها الفرنسيون آلافا من الأهالي إذ يبدو بوضوح أن الكاتب قد تعمد تجميل صورة الاحتلال الفرنسي في مقابل تشويه الحضور العثماني.

في هذه الرواية تظهر إذا بوضوح رغبة الكاتب في مهاجمة التاريخ العثماني في الجزائر وليس من الصعب أبدا اكتشاف هذا الأمر عبر فصول الرواية الخمسة لبساطة اللغة المستعملة والأسلوب المباشر، غير أنه بالمقابل لا يمكن معرفة ما إذا كان هذا التوجه الأيديولوجي معبرا عن شعور الكاتب الشخصي بحكم قوميته العربية الناصرية أم أنه فقط استغلال لسياق سياسي خليجي راهن أملته العداوة التي تشنها منذ سنوات السعودية والإمارات ضد تركيا الحالية عبر مختلف وسائل الإعلام والسينما والأدب خصوصا وأن المال الخليجي (الإماراتي) هو الذي يمول البوكر.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق