قراءات ودراسات

الأدب العربى ووهم التجذير

محمد على عزب *

ممّا لاشك فيه أن مقولة أدونيس بأن الثقافة العربية تقُدّس النموذج التراثى الشعرى مقولة صادقة وواقعية, فالمؤسسات التعليمية والاٍعلامية فى البلاد العربية حتى يومنا هذا مُقصّرة أشدّ تقصير فى اٍعطاء الشعر الحديث والمعاصر مساحة تليق به, ليس على مستوى التعليم الأساسى والثانوى فقط بل على المستوى الجامعى أيضا, ممَّا أحدث فجوة بين القارئ والشعر الحديث بتيَّاراته المختلفة, فأصبح هناك شعر بلا قارئ, واٍن توجه بعض القُرّاء لقراءة الشعر الحديث فاٍن المعيار الذى يختبرون به شعرية الشعر, هو النموذج التراثى بما له من شكل عمودى وموسيقى رنانة تخاطب الأذن وكلمات فخمة معبرة عن فكرة أو قيمة ما يتبناها القُرّاء دون النظر اٍلى جماليات اللغة الشعرية القائمة على التخييل والتصوير والاٍيماء والاٍيحاء وتقديم شفرات ورموز يقوم القارئ بِفَكّها وبذلك يكون مشاركا فى اٍنتاج النَّصّ الشعرى .
واٍن كان النموذج الشعرى التراثى هو معيار اختبار شعرية الشعر فى عموم الثقافة العربية ولدى الكلاسيكين ومن نَصّبوا أنفسهم حماة للتراث, فاٍن هناك تَوَجُّها أدبيا مقاربا اٍلى حد كبير من تعظيم النموذج التراثى, وهو ما أحب أن أسميه “وهم التجذير” وهو ليس لدى الكلاسيكين فقط بل لدى تيّار من الأدباء الحداثيين والمعاصرين أيضا, ووهم التجذير هو محاولة اٍثبات أن هذا الشكل الشعرى أو ذاك له جذور فى تراث الأدب العربى, وربما يكون السبب فى ذلك هو “فوبيا التغريب” أى الخوف الشديد بالاتهام بأن هذا الشكل أو ذاك شكلا مستوردا من الثقافة الغربية وأن من ينحاز جماليا لهذا الشكل منحازا للثقافة الغربية, ومنسلخ من ثقافته وهويته العربية, فتجد أن هناك من يربط بين فنّى الرواية والقصة القصيرة وبين تراثنا الحكائى المُدَوّن فيجعل من “حكايات ألف ليلة ولية” و”حكاية حَى بن يقظان” لابن طُفيل و”مقامات بديع الزمان الهمذانى” وبين القصة القصيرة والرواية, ويقول هذه الأعمال هى جذور للقصة القصيرة والرواية فى تراثنا العربى, أولاّ كل الشعوب لديها تراث من الحكايات سواءا مدونة أو غير مدونة فالسرد الحكائى نشاط فكرى يمارسه الاٍنسان منذ القدم, ثانيا هناك فرق بين الحكاية أو “المتن الحكائى” وبين “المبنى الحكائى” وفقا لمقولات “جيرار جينيت” ودراساته للسرد القصصى والروائى, فالمتن الحكائى أو الحكاية هو مجموعة الأحداث والوقائع الحقيقية أو المتخيلة التى حدثت فى زمان ما ومكان ما وهذا كما أشرت موجود فى كل حكايات الشعوب, أمّا المبنى الحكائى فهو النص القصصى أو الروائى المكتوب وفقا لمقومات الفن القصصى أو الروائى من وجهة نظر ورؤية فنية وبؤرة حدث والتنامى الدرامى لذلك الحديث وتقنية السرد من ناحية نوعية الراوى وتركيب الشخصيات وبنية الزمن القصصى ودمج الأزمنة والحذف والاٍضمار وغيرها من تقنيات يُعرف بها فن القصة القصيرة لدى مؤسسيها فى فرنسا جى دى موبسان وفى روسيا أنطون تشيكوف أو فن الرواية الذى نشأ فى فرنسا وهذه هى جذور فنّى القصة القصيرة والرواية نعم نشأت فى ثقافات أخرى غير الثقافة العربية, ونفس الحال عند بعض من يتناولون قصيدة النثر نقدا يقولون أن قصيدة النثر لها جذور فى تراث الأدب العربى مثلا كتابات المتصوف النِّفَّرِى يعتبرونها جذرا من جذور قصيدة النثر فى تراثنا العربى, والواقع أن ما كتبه النفرى أو غيره من المتصوفة نثرا فنيا جميلا قد يستخدم الترميز والمجاز وهما من سمات لغة الشعر لكنه نثرا وليس قصيدة نثر, لأن الفكرة أو وجهة النظر العقلية ظلت بارزة على النص دونما أن تتحوّل الفكرة اٍلى عاطفة, وتحويل الفكرة لعاطفة من أولى أبجديات الشعر, ثم أن نثر المتصوّفة قائم على التأمل الذاتى لتجربة روحية للعالم والذات والآخر وتضمن رموز وشفرات متفق عليها بين المتصوفين, فالصوفى لا يقدم رمزا شعريا بل يستخدم رموزا وعلامات صوفية متفق عليها من ناحية التركيب والدلالة بين المتصوفيّن, وهذه الرموز هى التى شكلت لغة النثر الصوفى وأعطته طابعه الخاص, أما الشاعر فيبتكر رموزه الخاصة ويشحن المفردات العادية بالطاقة الاٍيحائية ليقدم طرحا جديدا هو بالأساس طرح شعرى يحول الفكرة لعاطفة ويرى العالم من منظوره ورؤياه الذاتية الغير مقيّدة بتوجّه ما, قصيدة النثر تخاطب الشعور والعاطفة والعقل والوجدان, أمّا النصّ الصوفى فهو قبل كل شئ نّص يحمل وجهة نظر فكرية بارزة معتمدا على مقدمات ونتائج ومحصور فى دائرة محددة وهى دائرة الفكر الصوفى, وبذلك يكون النص النثرى الصوفى نص نثرى فنى وليس شعرى حتى لو اعتمد على التكثيف بدلا من الاستطراد واستخدامه للرمز كما أشرت سابقا مرهون بالفكر والتوجه الصوفى, وخلاصة القول النص الصوفى النثرى ليس جذرا لقصيدة النثر فى تراثنا الأدبى لأنه مرهون برموز وفكر ولغة متفق عليها بين جماعة ذات توجه ما فهو يقدم وجهة نظر وليس تجربة شعرية ذاتية حرة, أما قصيدة النثر التى نشأت فى الثقافة الفرنسية فهى قصيدة بكل ما تعنيه القصيدة من شكل فنى وبنية لغوية جمالية تجسّد رؤيا شعرية ذاتية حُرة عبر لغة تنحرف فى تركيبها عن اللغة العادية فهى لغة رامزة واصفة مشخصة يمتزج فيها المعرفى / الفكرى بالحدس والشعور فى سبيكة شعرية واحدة يصوغها شاعر له رؤيا وتجربة شعرية يبتكر مجازاته ورموزه وصوره الشعرية وتركيبتها الجمالية فتخرج اللغة من نثريتها التى تطرح وجهة نظر فكرية وتعتمد على مقدمات ونتائج وتسلسل منطقى اٍلى فضاء اللغة الشعرية الواسع, نعم قصيدة النثر نشأت فى الثقافة الفرنسية والقصة القصيرة جذورها أوربية, وكذلك المسرح تعود جذوره للاٍغريق والشعر الحُرّ نشأ فى الثقافة الأنجلو أمريكية, ولكن هذه الأشكال والفنون الأدبية خرجت من التقافات التى نشأت فيها وأصبحت عالمية ملك لجميع الاٍنسانية, فليس مهم هذا الشكل نشأ فى هذه الثقافة أو تلك ثم انتقل اٍلينا, المهم هو قدرتنا على استيعاب تلك الأشكال وصبغها بروحنا المعبرة عن هُويتنا وتبيئتها فى ثقافتنا وهضم تراثنا الأدبى وتذوبيه وتحويله اٍلى زاد ثقافى ورافد من روافد الاٍبداع نضخها فى الأشكال الأدبية الحديثة والمعاصرة التى واٍن كانت نشأت فى ثقافات أخرى فاٍنها أصبحت مللكا للاٍنسانية وأصبح هناك رواية فرنسية ورواية مكسكية ورواية عربية وهكذا .. ولا ننسى أن من أهم أولويات حصول العالمى نجيب محفوظ على جائزة نوبل أنه قدم برواياته نموذجا للرواية العربية التى وظفت التراث المشرقى وجعلته رافدا من روافدها وفى نفس نفس الوقت انفتحت على الثقافات الأخرى .
وأخيرا بالنسبة لمن يتهمون الآخرين بالتغريب وهم عادة ممن نصبوا أنفسهم حماة للتراث أقثول لهم اٍن بلاغتنا العربية تأثرت بالبلاغة اليونانية بل أن مفردات اللغة العربية التى تحدث بها قريش كانت تضم بعض المفردات الفارسية, وهذا ملاحظ فى كتب البلاغة العربية القديمة ومعاجم اللغة العربية, الأشكال الأدبية ملك للاٍنسانية بغض النظر عن البلد التى نشأت فيها, المهم هو القدرة على صبغ تلك الأشكال بروحنا وثقافتنا لتكون معبّرة عنَّا وموجَّهة للاٍنسانية فى كل مكان وزمان .

*شاعر وناقد مصرى

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق