الموقع

الحج إلى واشنطن : سقوط النجمة

سقوط النجمة

للمرّة الأولى أنهض على الاِسْتثناء .. للمرّة الأولى أنا لستُ أنا، ولستُ تلك الفتاة التي تنْعم بالبذخ الرأسماليّ والرفاهيّة. لمْ أجدْ السرير ليّنا كعادته، ولا وسادتي الحريريّة، ولا الحاسوب الذي لا يفارق غرْفتي، ولا ألمعلّقات النحاسيّة والتحف التي يهدنيها أبي. للمرّة الأولى لا أفيق على صوت ” فاطمة “.. تبصْبص قرب سريري، تنْتظر أنْ أمنحها فطورها الصباحيّ. هكذا كنتُ أنادي كلبتي “فاطمة”، تهكّما على العرب والمسلمين الوسخين. و”فاطمة” من فصيلة ألمانيّة نادرة، كادتْ تنْقرض عقب الحرب العالميّة الثانية. جلبْتها معي من “بلون” الألمانيّة، في إحدى زياراتي لبعض أهلنا هناك.

للمرّة الأولى لا أسمع صوت “نارمين” عبر الهاتف أو رسالتها التي أتلقّاها بالبريد الالكتروني.

للمرّة الأولى أصطدم بالمكان مُرتبكة، وأنا أنهض كمن يحمل حائط المبكى.. أو أحاول أنْ أنهض مقيّدة اليدين والساقين، مُلقاة حذو أكياس أجهل كنهها وحمولتها.

أرى السقف يُشبه لون علبة صفيح، يوشك أنْ يُطبق على أنْفاسي.. يوشك أنْ يسْقط . حتّى أنني أحرّك جسدي بحذر لا مثيل له، مُنْتبهة إلى منعرجاته ونتوءاته. علّ حركة عنيفة واحدة، تُساعده على السقوط، فيدْهس جسدي.

بنفْس المكان، وأنا مُلقاة كغيري من الأكياس تماما.. لا شيء يساعدني على معرفة المكان. فالأكياس موجودة في كلّ المدن والقرى، وبأيّ مكان في العالم. ولا شيء غير بعض الأدوات الفلاحيّة البدائيّة، تُذكّرني بالعرب في القرى الفلسطينيّة.

آه… تذكّرتُ… ربما في قرية من قُرى البلد الذي وصلْتُ إليه منذ ما يزيد عن الشهرين. قلتُ ربما… وفي الحقيقة أنا مُرهقة إلى درجة أنني لم أعدْ أتذكّر شيئا.

أحاول أنْ أحرّك رأسي بعنف كيْ أنفض الذاكرة من طحلبها، علّي أسْتحضر شيئا أو أنتبه لسبب وجودي بهذا المكان المُقرف.. في ذات الوقت أحاول أن لا أُزعج السقف كي لا يسقط.

… أمْسح المكان ببصري، علّي أعثر على ما به أتعرّف على المكان.. جدران طينيّة تُغلّفها الرطوبة والعناكب وحشرات لا عهْد لي بها.

وبسرْعة اسْتقرّ بصري على أعْمدة خشبيّة تشدّ السّقف كيْ لا يسْقط. وبالكاد يتّسع المكان لسيارة، لولا هذه الأكياس المرصوفة خلفي.

وأنا أرى الأعمدة الخشبيّة، أتخيّل فأرا يتسلّقها ويقضمها مُبْتسما أو ساخرا من جلستي أو من قيودي.. ينْهش العمود ولا يُخلّف فضلاته. إنّه يلْتهم العمود وينْتفخ.. يقضم العمود وينْتفخ، حتّى صار الفأر خنزيرا.

أنا أسْتغرب كيف اِسْتطاع العمود الأخير أنْ يتحمّل وزْن فأر بحجم خنزير. مع ذلك أكمل الفأر العمود الأخير، حتّى صار كبغل، أوشك أنْ ينْفجر.. والسقف أوشك أنْ يسْقط..

أوْشك أن ينفجر.. أوْشك أن يسقط ..

اِنْكسر بصري إلى الأرض، وقلّصْتُ جسدي، فأنا ميّتة لا محالة.

فُتح الباب، فصات صديدا ولم تدْخل الشمس. ربّما هو الليل أو ربما من فَتح الباب سدّ على الشمس مداخلها.

دخل ثلاثة رجال مُلثّمين، يرْتدون أزْياء شبه عسْكريّة. تقدّم أحدهم تسْبقه فوهة مدْفعه الرشاش، فيما بقيَ زملاؤه قرْب خدّ الباب. ولا أعرف إنْ كان عددهم يفوق الثلاثة.. من يدري ربما كان المسْتودع مُحاصرا بمجموعة من الإرهابيين.

تقدّم أحدهم بمشْية ثابتة متوازنة، وعيناه تبْرقان بحدّة عيون الصقْر. جعلتْني أخمّن أنه شاب لم يتجاوز الأربعين.

سألني بصوت جهوريّ هزّ به أركان المستودع، حتّى خلته يسقط:

ـ هل تتكلّمين العربيّة ؟

لهجته العراقيّة جعلتْني أحدّد موقعي.. نعم أنا الآن في العراق.. في بغداد تحديدا، ومُتأكّدة أنني دخلْتُ بغداد. نعم آخر صورة بقيتْ عالقة بذهني هوّ مُروري بالجسر على سيارة سُخّرتْ من أجلي. أذكر أنّ السيارة توقّفتْ بسبب عطب مفاجئ، وأذكر أنّ أحد المارة تقدّم لمساعدتي.. وأذكر..

أذكر ماذا ؟ لا شيء. فقط أذكر أنّ أحد المارة عرضَ عليّ مُساعدته، ولا شيء بعد ذلك.

إذن لماذا أنا هنا؟ هل لا زلتُ في بغداد؟ أمْ تمّ نقْلي إلى جهة غير معلومة؟

اِرْتَعَدتْ فرائصي، وتجمّد الدم في شراييني واسْتنْجدْتُ بكلّ الكتب السماويّة.

الآن فقط، فهمتُ أنني بين أيْدي الإرهابيين العراقيين. وكأنّ الإرهابيّ الذي أمامي مرّر أذنه إلى جهة الذاكرة، وتنصّت على وشْوشات أفكاري.. كأنه اِسْتاء من كلمة “الإرهابيين”، فزمجر ثانية:

ـ هل تتْقنين العربيّة ؟

نعم yes ـ ( أجبْتُ بارْتباك )

شعرْتُ أنّه اِطمأنّ قليلا، لمّا رأيت نظراته ترْتفع إلى مسْتوى السقف، وردّ:

ـ حسنا، أنتِ الآن في حماية المقاومة العراقيّة الباسلة. لا تخافي، لن نُسيء إليكِ. فقط عليك بقراءة هذه الورقة، وسنقوم بتسْجيل ذلك وتمريره لوسائل الإعلام.

اِلتفَتَ إلى أحد زملائه، وأشار بسبّابته كأنه يطلب اِسْتدعاء أحد ما. ثمّ مدّ لي الورقة، وألقاها بإهمال على ركبتيّ، ثمّ عمد إلى فكّ قيْدي.

فتح زميله الباب ودخل أحدهم يحمل آلة كاميرا، ووجّهها نحوي، وأشار إليّ كيْ أقْرأ الورقة بصوت واضح ودون اِرْتباك.

لحظتها، كانت النبضات تتصاعد، وعيوني أحسستها تُحاول الاِرْتماء على التراب من شدّة الخوف. مع ذلك حضرتْ “نارمين” بعنْف جسدها وشهوتها. حاولتُ إقصاءها من الذاكرة، لكنها تمسّكتْ بالحضور رغم الغياب.

كان شذوذها يدْفعها لتقْييدي إلى السرير من معصميّ وساقيّ، وتشْهر سوطها في جسدي.. على إليتيّ وخصْري وفخذيّ.. مُتمتّعة بآلامي.

و “نارمين” كانت تُصرّ في لحظات الشذوذ التي تجْمعنا، أنْ أجلدها حتّى البكاء، وتُصرّ على ذلك. حين تُمارس عليّ عنْفها، كثيرا ما تُدْمي شفاهي وجسدي بأسْنانها وسوْطها.

وما كان يدْفعني لتحمّلها، هوّ ذلك الجسد الشهيّ الذي يُميّزها، لم أصادف امرأة بتلك الأنوثة الصارخة.. ذلك الجسد الممتلئ، وتلك الشفاه المُكتنزة.. كانت كلّ حبّة في جسدها، تُثير فيك ودْيانا من الشهوة.

كانت كذلك دائما، حتّى أفقدتْني شوقي للرجال. منذ عرفتها، ومارسْتُ معها ـ أو بالأحرى أجبرتْني ـ شذوذ السحاقيات، رفضْتُ كلّ الرجال الذين أبْدوا رغبة في مُعاشرتي. بالمثل كانت “نارمين” ترفض الرجال وتكرههم، لذلك لا تُعاشر إلا النساء.

………………………………..

صرخة الإرهابيّ أسْقطتْ “نارمين” من ذاكرتي نحو الإقصاء. قال آمرا:

ـ عند الإشارة، تبْدئين في قراءة الورقة.

ـ ….

أردْتُ أنْ أعلّق مُتسائلة، غير أنه أكمل بنفس النبرة الآمرة:

ـ الأسئلة والتعاليق ممْنوعة.

بارْتعاش لمْ أسْتطع تداركه، أمْسكْتُ الورقة من طرفيها، وتلوتُ:

“إني أنجيلا موردخاي، العاملة بمنظمة الأمم المتحدة بالعراق منذ شهرين، أهيب بالحكومة الأمريكيّة والحكومة الألمانيّة والمجتمع الدولي، لمساعدتي وإطلاق سراحي. في مدّة لا تتجاوز اليومين. مع العلم أنني في صحّة جيّدة وأُعامل معاملة حسنة”

بسرعة من فاجأه الحيض، اختطف الإرهابيّ الورقة من أناملي، وأعاد قيدي.

فيما انْسحب المصوّر مهرولا، وتبعه الآخرون بارْتباك لم أفهمه، إلا بسماع دويّ انْفجارات هزّتْ المنطقة.

فاجأني الدوار، وحاصرني الخوف، كمن يقترب من حبل المشنقة. مخافة أنْ ينالني القصف الأمريكيّ، أو يسْقط أحد صواريخ الكاتيوشا على المكان خطأً. وما ضاعف خوفي، تسلل روائح الكبريت والفسفور إلى المسْتودع، مع تصاعد عمليات القصف وإطلاق النار.

الرعب الذي يحاصرني، كان مع الاِرْتباك والخوف والقيء الذي يفاجئني.. كان يُخدّرني. ربما بفعل الدخان الذي اسْتنْشقته. مع ذلك كنتُ أشْعر بارتخاء لذيذ يتوزّع في كامل شراييني.

ارتخاء يعيد “نارمين” إلى الذاكرة… تحضر وهْي تلْعق بلسانها شفتيّ وفخذيّ ونهديّ، حتّى تصل أسْفل سرّتي، لتتسلّل لمسام الجلد نشْوة ممْزوجة باللذّة والانتشاء والسّكْر. وأنا المقيّدة، كلّ شيء يتحرّك في جسدي نبْضة.. نبضة.

أما الآن، فلا شيء يتحرّك فيّ، حتّى النبض نفسه. حتّى أني أُوشك أنْ لا أسْمعه… وغبْتُ ….

لا أذكر المدّة التي غبْتُ فيها عن الوعْي، ولا شيء هنا يُحيلكَ إلى الزمن الكرونولوجيّ. حتّى الشمس، لا تدْخل  هذا المسْتودع. ربّما كان المكان قبْوا أو غرفة تحت الأرض أو أنّ الشمس حجبتْها الأدخنة والغبار والحرائق عن كامل العراق.

وأنا أسْحب خيوط الوعْي شيئا فشيئا، تناهت إلى مسْمعي وشْوشات من الخارج، ربما أولئك الذين زاروني منذ ساعة أو ساعات، أو ربما غيرهم من مجموعات إرهابيّة أخرى.

تتالتْ دقات قلبي، حتّى كادتْ تُسْمَع إلى الخارج. فكتمْتُ تنفّسي، حتى لا يتناهى إلى الإرهابيين.

أكمل أحدهم حديثا، لم أتبيّنْ أوّله:

ـ ( .. ) وإذا لم يسْتجيبوا؟

ـ لا أدري.. ربما نعْطيهم مهلة أخرى.

ـ وبعد..؟

ـ إنْ اسْتجابوا.. وإلا…

ـ وإلا ماذا ؟ القائد “نواف” ربما ينفّذ فيها حكم الإعدام.

ـ أقسم بالله، لولا مصلحة المقاومة، لنفّذْتُ حكم الإعدام في ” نوا …”

تكهّنْتُ أنّ رفيقه منعه من إكمال جملته، بوضع يده على فمه، كأنّه ارْتكب جُرْما.

و أكمل بعد أنْ منعه صديقه من نطق أسْم “نواف”:

ـ من “نواف” هذا، حتى يكون قائدا علينا ؟ نحن أحرار العراق… نحن أبناء حزب البعث .. و هذا الفلسْطينيّ، ما الذي أتى به إلينا؟

ـ ( علّق بهدوء ) هذا ليس وقتا مناسبا للتشْويش والحسابات.. العراق الآن يضجّ بالعرب و الشيعة والأكراد الذين لا زالوا يتوافدون منذ وصول الاحتلال، وهم يشاركوننا النضال. و نحن نعلم أنّ “نواف” موجود في العراق منذ حربنا مع الكويت.

هوّ الآن يا أبا المجيد أكثر وطنيّة من بعض العراقيين. رجاء أبا المجيد.. لنؤجل الحسابات.

ـ يكفينا تأجيلا للحسابات.. وجود العرب في العراق، هوّ ما شوّش علينا طرق العمل، واختلط الحابل بالنابل: هذه كتائب محمد، وأخرى جيش المهدي، وتلك ميليشيا الصدر، ورابعة وخامسة وألف…

قل لي بربّك منْ يُقاوم من، ومن يدافع عن العراق، ومن يخدم الاِحتلال ؟

ـ أبا المجيد، رجاءً… لا داعي لهذا الكلام. نحن مُتّفقون على أنّ مَنْ يخون القضيّة يُعدم، ولو كان عراقيّا. إذا ما دام نواف مُخلصا كغيره من الشرفاء العراقيين، فهذا يشرّف قضيّتنا.

والحقيقة يا صديقي يعدّ نواف من طينة المناضلين الأحرار.. أعرف نواف منذ سنوات، حين التقيت به على هامش الملتقى القومي العربي، وكان لا زال جاهلا بالوضع العراقي رغم أنه يدرس الفلسفة بجامعة بغداد. مع ذلك كان قادرا على استيعاب وتحليل الراهن العربي والدولي، وله القدرة على أن يفسّر ويتنبّأ بالنتائج. ومنذ أنْ غيّر جنْسيّته إلى العراقيّة صار عراقيّا (حرّك رأسه وابتسم بمكر ) لا تتصوّر أن أجهزة حزب البعث يمكن أنْ تتركه دون رقابة، حتّى وقد صار بجنسيّة عراقيّة.

ـ بمثل هؤلاء سقطتْ بغداد.. وعن طريقهم وصلتْ المعلومات المخابراتيّة إلى الأمريكان والصهاينة ( شبكَ عشْره على رأسه ) العراقيّ الحرّ لا يخون العراق ( وبنبرة أشدّ حزما) ثمّ أليْس الأحرى بهؤلاء أن يدافعوا عن فلسطين ؟

ـ هذا موضوع آخر..

( تغيّرتْ نبْرة صوته بارْتباك، وخوف ) انتبه أبا المجيد، هناك تحليق طائرات.

كنتُ مُسْتمْتعة بالحوار ومرْتبكة، متمنّية أنْ أكون خارج هذا القبو لأرى المُطلق والامتداد.. لأرى هذا العالم. قطعا إنه ليس بغداد. كنتُ في بغداد لا أمرّ إلا من شوارع محدّدة، وحسب التعليمات.

إنّ مهنتي تفرض عليّ التقيّد بالأوامر والأوقات بانْضباط جماعيّ وآمن. إنّ وجود مقرّنا بالمنطقة الخضراء، يجعلنا في مأمن من أسلحة الإرهابيين، وتحت حماية القوات الأمريكيّة. ولولا ذلك العطب المفاجئ للسيارة، لما كنتُ هنا الآن.

…….

عادتْ بيَ الذاكرة إلى أوّل لقاء جمعني بـ “نارمين”، حيث كان عطب السيارة ـ بالمثل ـ سببا في تغيير حياتي الخاصة.

ففي زيارة لأحد أقاربي في برلين، تعطّلت السيارة، ربما بفعل رداءة الطقس والثلوج المتهاطلة.. كان الطقس أشدّ من قسوة الحرارة في بغداد.

تسمّرْتُ خلف المقْود، مُحاولة إعادة تشغيل المحرّك، دون جدْوى… فكّرْتُ في اسْتعمال الهاتف الجوال، غير أني لا زلتُ بعيدة عنْ مقرّ أقاربي، وبالمثل ابْتعدْتُ عنْ منزلنا بحوالي ستين كلمترا.

نزلْتُ من السيارة، محاولة الاِسْتنْجاد بأيّ كان.. كنتُ أشير إلى السيارات العابرة دون أنْ تعيرني أيّ اهتمام.

حين هممْتُ بالرجوع إلى المقعد، أشارتْ لي سيارة بأضْوائها، فأشرْتُ بيدي فتوقّفتْ.

فتحْتُ الباب طالبة المساعدة، فابْتسمت مُرحّبة، وكأنها تعْرفني منذ سنوات.

حين اسْتويْتُ على كرْسيّ سيارتها، مثبّتة حزام الأمان حولي، انْتبهْتُ إلى سيّدة غاية في الجمال والأنوثة. وبلباس يكشف عن كامل فخذيها ونهديها، اسْتغربْتُ من قدرتها على تحمّل البرد بتلك الملابس.

أردْتُ أنْ أبرّر:

ـ تعطّلت السيارة دون سابق إعلام… لا أدري… هذه المرّة الأولى التي تحصل معي.

ـ هذا وارد في كلّ الأوقات… أنا “نارمين”. وأنتِ ؟

ـ أنا “أنجلا”.

ـ إلى أين مقصدكِ؟

ـ إلى برلين.

ـ هذا طريقي ( مُتداركة ) سنعرّج على منزلي بعض الدقائق.. لا بدّ أنْ أحمل بعض الأغراض.. هل تصحبيني ؟ خمس دقائق فقط، ثمّ نكمل طريقنا.

ـ لا مانع .. لا مانع.

أرجو فقط أن لا أكون قدْ أزعجتكِ.

ـ لا داعي للشكر، كلنا يتعرّض لمثل هذه المواقف…

( صمتتْ قليلا ) ربع ساعة فقط، ونكون قد وصلنا.

بالفعل، ربع ساعة كانت كافية لتجدني في قاعة جلوس فاخرة ومتّسعة. بيتها ينمّ عنْ بذخ صارخ.. الكريستال والتحف النحاسيّة والفضّيّة وقطع العاج والزرابي الفارسيّة.. كلها تُصيبكَ بالذهول.

كنتُ أمْسح ببَصري كلّ المعلّقات واللوحات والتحف، متسائلة:

ـ هل هذا منزلكِ؟

ـ ( وهي تتجه إلى إحدى الغرف ) بالطبع.. ورثْته عن والدي. فأنا ابنته الوحيدة.

أمامكِ الويسكي، خذي ما شئت.

تناولْتُ قارورة الويسكي، أسكب منها دون أنْ أرفع بصري عن المعلّقات والزرابي والتحف التي تُحيلكَ إلى منزلة الطبقات الأرسْتقراطيّة بأوربا.

فاجأني صوت “نارمين” من الداخل:

ـ أنجيلا… تعالي لحظة.

لا زلتُ مُمْسكة بكأس الويسكي، مُتّجهة إلى غرفتها ودخلْتُ بانتباه شديد، فخاطبتْني بإلحاح:

ـ أنجيلا.. أدخلي.

دخلْتُ غرْفتها ذات الإنارة الحمْراء الخافتة، كأنّك بإحدى العلب الليليّة، عدا كون الموسيقى هنا خافتة. خمّنتُ أنها موسيقى “جون ميشال جار” أو “خوليو أجليسياس”. ولم يكن في الغرفة ما يشي بالغرابة، عدا صورة ضخمة لمادونا، وهي شبه عارية. وكانت “نارمين” ممسكة بفسْتان. قالتْ:

ـ هل تُساعديني؟

ـ بالطبع.

ـ لي صديقة أريد أنْ أهديها هذا الفسْتان، بمناسبة عيد ميلادها.

ـ لكن.. لكن كيف سأساعدكِ؟

ـ جسدها يشْبه جسدكِ تماما.. هل تُجرّبينه؟

ـ بالطبع… لا مانع عندي.

وضعْتُ كأس “الويسكي” على طاولة صغيرة حذو السرير.. تناولْتُ الفسْتان من بين أصابعها… مددْته على ظهر الأريكة، وشرعْتُ أفكّ أزرار سروالي وملابسي الأخرى.

حين تعرّيْتُ تماما إلا من ملابسي الداخليّة، تقدّمتْ منّي “نارمين” وشرعتْ تمرّر أصابعها على صدْري و شفاهي وفخذي، مُسْتعينة بذهولي.. وكانتْ تدْفعني رويْدا، رويْدا إلى السرير. حين أردْتُ منْعها، فاجأتْني قشعْريرة ساخنة وارْتباك شديد في نتوءات جسدي.. فطاوعْتها. ولم أدْر كيف اتجهت أصابعي إلى أزْرار ملابسها، واحْتضننا السرير.

صباحا، أفقْتُ على صوت “نارمين” .. كانتْ عارية تماما. واحْتجْتُ ربْع ساعة لأسْتحْضر ما حصل البارحة.

……………….

……………….

دخل عليّ أحد الإرهابيين إلى المسْتودع، ليقْطع عليّ حبْل الذاكرة، شاهرا رشاشه في وجْهي.

وتبعه ثان، مُتّجها إلى قيودي ففكّها، ثمّ غادر في صمْت.

اقْترب الأوّل منّي، ووخزني بسلاحه:

ـ اِنْهضي، عليْنا بالمغادرة.

لمْ يكنْ بوسْعي أنْ أعلّق أو أتساءل، فما الذي يُمكن أنْ تفْعله الشاة أمام جزارها؟

حين خرجْنا من القبْو، كانت سيارة شرطة تقف بالمكان. فغمرني فرح بالنصْر والنجاة… هممْتُ بالركض نحو السيارة، غيْر أنّ بابها الذي فُتح، والإرهابيّ الذي نزل منها، إضافة إلى الإرهابيين الأربعة الذين يحرسون المكان بمدافعهم ورشاشاتهم… جعلني أغْتال فرحي. وبصعوبة منعْتُ قلْبي من إخماد نبْضه.

دُفعْتُ إلى السيارة، قبل أنْ يدسّوا أجسادهم بجانبي، وتكفّل أحدهم بإعادة قيدي. فيما قام الثاني بوضْع عصابة على عيْنيّ. وانْطلقتْ السيارة دون قدْرة لذاكرتي على تبصّر الأمْكنة و الطرقات والمنْعرجات.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق