قراءات ودراسات

كيف تواكب الرواية أحداث الوطن؟

أصداء ثلاثية نجيب محفوظ في رواية كتاب مرقوم لأدهم مسعود القاق

بقلم: السيد نجم

في البدء.. فالعمل الإبداعي (نثر وشعر) يقع – دومًا – في دائرة السؤال القديم/ الجديد: هل هو انعكاس مباشر للحياة الواقعية؟ إذن بما يتميّز عن لغة الحياة اليومية التقريرية؟ ثمّ.. ٳذا كان مستقلًا عن الواقع الموضوعي.. بما سينتهي إليه، هل إلى عالم مثالي منعزل؟

ليصبح السؤال: كيف يمكن للعمل الإبداعيّ أن يظلّ مستقلًا ومتصًلا بالواقع.. من دون الوقوع في المحاكاة أو الشطط؟

نظرة تاريخية..

يتوقف المتابع للمنتج الإبداعيّ العربيّ أمام عدد من الملاحظات، في مجملها على علاقة بالتجارب الكبرى والأحداث الجسام للوطن.

ففي النثر العربيّ قبل الإسلام في الجزيرة العربية اقتصر على ما يمكن أن نطلق عليه الفن الحكائيّ (القصص)، والخطب في الأسواق، ونوادر السمر في المجالس، ولم يحرص أحدهم على تسجيلها (ربما بسبب نقص وسائل التسجيل، فيما عدا الذاكرة البشرية؛ التي وجدت في الإيقاع والموسيقى الشعرية عونًا للحفظ والاحتفاظ بالمنتج الإبداعيّ الشعريّ).. وقد يرجع القول: إنّ الشعر ديوان العرب إلى هذا السبب، مع ذلك للعرب ككل شعوب العالم، لها حكاياتها وقصصها وأساطيرها، ومن النثر “أيامهم”.

أغلب الظن أن القصّ انفصل عن التاريخ, وبدا مستقلًا بعد نزول القرآن.. فكانت قصص الأولين، وأخبار الأنبياء، وقد اعتاد الخلفاء الاستماع إلى القصص في مجالسهم، فكانت قصصًا أخرى غير التي يعرفها ويقرأها العامة، التي كانت – غالبًا – أخلاقية، وتسعى للموعظة الحسنة.

ارتبط القصّ العربيّ منذ النشأة بالأساطير القديمة، التي روت أحلام الإنسان البدائي وعلاقته بالمجتمع والطبيعة وما وراء الطبيعة.. منها قصة “فتنة الزهرة” للملكين هاروت وماروت, ومنها ما كانوا يتحدثون به عن القمر، حين أراد أن يتزوج البدران من الثريا.. ومنها ما تحدثوا به عن أصنامهم: هبل رب الأرباب، واللات والعزى وثالثهما مناة، ومنها حديثهم عن الكعبة والحجر الأسود والصفا والمروة, وقصة “عام الفيل”, وقصص “الغيلان وشياطين الشعر”، ثم قصصهم عن زمن العرب البائد كأرم ذات العماد وعاد وثمود، وحديث العماليق كعوج بن عنق… وغيرها، مما يشير إلى غلبة قصّ البطولة أو حول الصراع وارتباط القصّ بالتاريخ والأحداث الحياتية الكبرى أو العامة.

مع ذلك يمكن الجزم باهتمام العرب بالأيام فيما بعد، كما فعل “ابن الأثير” الذي جمع حوالي السبعين يومًا، و”الميداني” جمع مائة وثلاثين يومًا، وهكذا فعل “الأصفهاني” وغيره.

يبرز السؤال: هل هناك انفصال بين النضج الثقافي ومن ثم اﻹبداعي، والنضج الاقتصاديّ والسياسيّ؟ هل يمكن أن تكون الأوضاع الاجتماعية / الحضارية في حالة انحلال أو تكاد، ومع ذلك تنمو الثقافة و(الإبداع) تحديدًا.

نقول، بما قال به بعض المستشرقين، إنّ الانحلال الاجتماعيّ والاقتصاديّ عند العرب قبل الإسلام لم يمنع النضج الثقافي، وربما أجمل وأعظم منجز شعري وسردي عن “التجربة الحربية” مثلًا، جاء على الحالتين: التقّدم الحضاري، والانحلال الحضاري.. وهو ما انتهت إليه الدراسات الأكاديمية حول علاقة أحوال المجتمع ومنها الأحوال السياسية السياسة والإبداع.

نماذج روائية والسياسة..

بين أيدينا ثلاثية نجيب محفوظ والرواية الطويلة (كتاب مرقوم) للدكتور أدهم مسعود القاق (927 صفحة) للتنقيب بين السطور وبيان البعد السياسي وملامحه خلف الاحداث والشخصيات.. لبيان الدور والأثر السياسيّ على الشخوص والبناء الفنيّ للأحداث داخل النصّين.

لعل أهم العناصر الكاشفة لتوظف الأحداث السياسية في الرواية هي: التعبير عن الذات الجمعية والهوية.. الوعي بالجوهر الأصيل للذات الجمعية.. والحثّ على تجاوز الأزمات الشعبية وآثار الحروب والاضطهاد والقهر.. الوعي بالآخر المعتدي وكشف أخطائه وأخطاره من أجل ازدياد الوعي بالذات والمواجهة.. ليس بتعزيز القدرة على مواجهة الآخر فحسب، بل بتعزيز الذات (الجمعية) وتعظيم عناصر قوتها.

كيف برزت الحياة السياسية في ثلاثية محفوظ وأدهم مسعود؟

تصوير الملامح العامة للمتغيرات الاجتماعية

(شكلت هزيمة ثورة ‏(‏عرابي‏)‏ والاحتلال الإنجليزي عام ‏1882،‏ ثم اندلاع ثورة‏ 1919‏ وحصارها، ثم هاجس ثورة‏ 1952‏، شكلت هذه الأحداث الخلفية التاريخية والاجتماعية في ثلاثية نجيب محفوظ)..

بينما شكلت نكسة 1967 للأنظمة العربية، ثمّ اجتياح إسرائيل للبنان، وتدمير مدينة حماه وقمع السلطة عام 1982، وسقوط الشيوعية عام 1992، واحتلال العراق عام 2003م، ثمّ الأحداث المتسارعة لشباب سوريا ضمن الربيع العربي بداية من عام 2011م حتى التعامل القاسي المتعمد من السلطة السياسية.. ومشاركة بطل الرواية وإصابته وفراره ٳلى لبنان والمشاركة السياسية ضمن المعارضة، إلى أن وصل إلى مصر عام 2012م شكلت هذه الأحداث الخلفية التاريخية والاجتماعية في بنية ثلاثية كتاب مرقوم.

لقد شيد نجيب محفوظ عالمه الروائيّ المكانيّ حول أعرق أحياء القاهرة‏..‏ سواء حي الجمالية‏، أو حي الحسين وهى أحياء شعبية، تمثل جوهر ملامح القاهرة القديمة، وقاهرة العامة والفقراء.. حيث بقايا العمائر والمساجد والخانات‏‏، ورصد التحولات السياسية التي حدثت منذ نهاية الأربعينيات في أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية‏، ورصد تحولات العالم وصراعات القوى الكبرى ومدى تأثيرها علي سياق وتطورات الحياة المصرية‏..‏ ثمّ اتخذ من الأسرة البرجوازية الصغيرة بؤرة تعكس كل هذه التغيرات بشموليتها السياسية والثقافية والروحية والأخلاقية‏.

بينما عمد أدهم مسعود القاق على إبراز الحدث ذاته؛ وهو غالبًا حدثًا سياسيًّا، وبيان تأثيره على أسرة من البرجوازية الصغيرة أيضًا، وعلى (أحمد) الشخصية المحورية بشكل رئيس.. غير مكترث بدلالات المكان أو الزمان بأكثر من إبراز دورهما، كما محبس الاعتقال؛ بكل ما يحمله من دلالات ومعان، وما يشكله من عناصر بيان دور السلطة في مواجهة أحرار المظاهرات. ولم يتردد الروائي وقد أشار الى المعنى قائلا في مقدمة الرواية “عاث أولئك الساسة فسادًا في مدى نصف قرن… مصوبين سهام أحقادهم السامة على شكل ميلشيات طائفية وأخرى تكفيرية نحو وطن جميل” ص9

بينما حرص محفوظ على رصد طراز المعمار والأزياء والعادات وفنون الغناء.. فأصبح مفهوم الخاص والعام، الجزئي والكلي – في ثلاثيته – مواز ومعبر عن المتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية‏.

وان بدا ممثلًا لمفاهيم المثقف البرجوازي الذي يرفع من شأن “الحرية”.. سواء في التعبير عن الرأي والتعددية الحزبية ويحترم وجهات نظر الآخرين‏,‏ رافضا الديكتاتورية والنظم الشمولية‏.

كان الروائي (أدهم مسعود القاق) يلهث – بقلمه – نحو الأحداث وتطوراتها وتأثيرها المباشر على شخصية البطل باعتباره أنموذج (المثقف الشاب/ التقدميّ فكريًا/ العارف لقضايا وطنه وتاريخها) واللافت أن الرواية تخلو من الخطب الرنانة والصوت الزاعق والافتعال في الأقوال والأفعال.. بل كثيرًا ما نقرأ سطور تصف (أحمد) وكأنه الشاعر المتيم الرومانسي، بعيدًا عن كونه مناضلًا.. ولن ينسى القاريء تجربته مع صديقة الضابط المنشق عن جيش السلطة أثناء هروبهما ٳلى لبنان، حيث طعن بطنه بالسونكي في أثناء هروبهما إلى لبنان نتيجة سوء التقدير والفهم؟!

رصد ملامح المقاومة فكريًّا

اشترك كلا الروائيين في التعبير عن البعد السياسي في الروايتين.. برصد “الهم العام” وانعكاسه على الشخصيات في النص، مع إبراز محوري “الهوية والحرية” من خلال الأحداث الحياتية/اليومية/الآنية.. ثم ردود الأفعال والاستجابات، وهى التي تشكل نصّ الرواية.

تجلّى ذلك في اختيار نماذج الشخصيات الروائية، ويمكن التوقّف أمام ملمح اختيار الشخصيات وتوظيفها لبيان المحتوى والمضمون السياسيّ في النصّين.

اشتراك الثلاثية وكتاب مرقوم في بعض نماذج الشخصيات:

‏(1)‏ نموذج الشخصيات الحزبية.. بدت مناضلة مثقفة معطاءه في الثلاثية.. وبدت شخصية أنانية وربما متسلطة مشاركة في اضطهاد جموع الناس برواية كتاب مرقوم.

(2)‏ نموذج المثقف اليساري‏.. بدا شخصية بارزة في الثلاثية، وتكرر في أكثر من رواية لمحفوظ، وهو الحالم بالمجتمع القادر على إسعاد أهله، لكنه سقط بعد عدد من الهزائم. بينما المثقف اليساري في كتاب مرقوم منفعل وتائه.. وربما يشعر بالهزيمة والقهر دومًا.

(3)‏ نموذج الأصوليّ الإسلاميّ‏.. رصده محفوظ منذ أعماله الروائية المبكرة، ونشير لـ: عبدالمنعم “في رواية “السكرية” من الثلاثية، الذى بدأ يساريًا ثوريًّا في انتفاضة الطلبة والعمال عام 1946م.. بينما الأصوليّ الاسلاميّ ما كان سوى إرهابيّ في رواية (كتاب مرقوم).

(4)‏ نموذج الانتهازي‏.‏. لم تكن الانتهازية صفة مشتركة بوضوح بين شخصيات الثلاثية، بينما بدت كذلك مع أغلب شخصيات كتاب مرقوم.

لا يفوتنا اختيار نمط شخصية “المومس” في الثلاثية، بكل ما حملها الروائي من دلالات، حتى أصبحت “أنموذج” للعديد من المفاهيم السياسية.. فهي غالبًا تسقط بسبب الفقر والقهر الاجتماعي، ودومًا تبدو مضحية نبيلة السلوك إلى حد قد لا يتوفر عند غير المومسات.. في المقابل بدت العشيقة هي من تقوم بدور التعضيد ودعم (أحمد) طوال هزائمه المتكررة!

الخاتمة

التاريخ هو مجموعة الأحداث، وكاتب التاريخ ما عاد معتمدًا على الأحداث وحدها، بل يشترك مع التاريخ الفلسفة وعلم النفس والاجتماع والاقتصاد والسياسة في عملية الكتابة.. لذا السياسيّ في العمل الروائي يظل مفتوحًا على عدة أوجه وأكثر من قراءة.

Ab_negm2014@yahoo.com

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “كيف تواكب الرواية أحداث الوطن؟”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق