الموقع

الحج إلى واشنطن : مبادلة الرهينة

مبادلة الرهينة

لا زالتْ سيارة الشرطة التي تُقلّني إلى حيْثُ لا أدري، تطْوي الأرْض طيّا. كنتُ أشعر بذلك من خلال صوت السيّارة المُرتفع، وسهام الريح الوافدة إلى الداخل من نافذة لمْ تُوصدْ تماما. لم أسْتطعْ أنْ أحدّد المدّة الفاصلة بين ركوب السيارة وتوقّفها… رغْم أنها مدّة يُمكن أنْ تتجاوز الساعة بقليل. توقّفْنا… وتمّ إنزالي برفْق كما اعتقدْتُ، ولم أُبارح مكاني. حينها سمعْتُ أحد الذين رافقوني، يقول كمنْ يوجّه كلامه إلى من يبْعد عنه عشرين مترا ـ بحدْسي فقط خمّنْتُ ذلك، رغْم العصابة التي ما زالتْ تحْجب عنّي الإنارة، قال:

ـ الأمانة عندنا الآن.

أجابه آخر من الجهة الأخرى:

ـ وهذه أمانتكم بعون الله.

لمْ أفهم معنى الحوار تماما… فقط وَخَزَني أحدهم من ظهْري، قائلا:

ـ تقدّمي إلى الأمام.

تقدّمْتُ بخطى بطيئة، محاولة تحسس الطريق بأصابعي التي أمدّها أمامي لتُعينني على تلمّس اللاشيء، ودقات قلبي كبوصلة لا تشير إلى شيء… تدقّ كإيقاع طبل منتفخ بصوت الحرب.

لم أكنْ واعية، هل أنا أسير بمفْردي أم بصحبة أيّ كان، أو كنتُ أقادُ دون علمي إلى هاوية ما.

…. قرابة دقيقة أو أقلّ من المشْي، أمسك بي أحدهم من كتفي وهو يقف أمامي، قائلا بصوت مُختلف لمْ أعهدْه ـ كأنه صوت شيخ يُحادثني أو يُحادث نفسه:

ـ جيّد… جيّد جدا.. ( ووجّه كلامه إلى آخر لم أتبيّنه ) خذوها إلى الداخل بسرْعة.

بعْد ساعة قضيّتها بغرفة أشبه بقاعة مسْجد، مُقيّدة اليدين والساقيْن وقدْ فكّوا عنْ بصري عصابتهم.. وصَل شيخ عليْه وقار ورهبة، مع أنّ عيونه تشعّ إباء وحدّة. جلَس قبالتي على كرْسيّ خشبيّ، وقدْ مدّ سبْحته ليُحرّك حبّاتها بهدوء وخشوع… أو ربّما كانت السبحة بيده ولم أنتبه.

عدّل من جلْسته قليلا بعد ما يُقارب الدقيقة من الصمْت، دون أنْ يرْفع عيونه نحوي، وقال:

ـ أنتِ الآن في رعاية تنْظيم القاعدة ببلاد الرافديْن.

لمْ أشْعر بخوف شبيه بخوف هذه اللحظة، ولا أتذكّر أنّ خوفي أسْرع في شراييني كالنمل. ثمّ حَفَر تحت الجلد، ليصْبغ على وجْهي اِرْتباكا لا مثيل له.

كثيرا ما سمعْتُ عن تنظيم القاعدة والإرهاب و 11 سبتمبر و”أسامة بن لادن” و

“الظواهري”… وأذكر أنه في كلّ مرّة تحضر هذه الأسماء، يحضر الخوف والفجيعة والرهبة وترتفع درجات الحيطة في دول أوروبا وأمريكا إلى مستوى السقْف. فما بالك بامرأة وقعتْ الآن في شراكهم.

وبعد لحظات من الصمت، أكمل:

ـ لن نُعاملكِ كما عاملكِ حزْب البعث البائد. وبعون الله ستكونين بخيْر… أنتِ فقط رهينة للضغط على أعداء الله.

حينها فقط فهمتُ أنّ وجْهتي حُوّلتْ من تنْظيم إلى تنظيم آخر بالمبادلة أو بعنوان صفقة ما.

وكيف سأعامل وأنا بين براثن تنظيم القاعدة ؟

ما الذي سيفْعله بي أبناء “الزرقاوي” وأحفاد “بن لادن”؟

كيف سأكون بخيْر ؟ وأنا لا أعرف مصيري، وما الذي سيحْصل لي ؟ هل أُعْدم بحبال الإسلام الإرهابي ؟ أم أُرْمى بالرصاص وألقى إلى كلاب الشوارع؟

هل يَذْبحني “الزّرقاوي”، كما ذَبح تلك الرهينة الأمريكيّة أمام شاشات العالم ؟ أم ينْهشون لحْميَ الغضّ المغْري، كما تُغتصب مومس، وقدْ وقعتْ بأيدي عصابة منظمة ؟

كأنه ألقى سبحته إلى بوْتقة تفكيري لترصّد خوفي وأسئلتي… أو أبْصر خوفي في عيوني الحيْرى، وهْي تمْسح المكان علّها تعْثر على بصيص من أمل يُخرجها من القفص المُحاط بالفخاخ.

قال بهدوء لا مثيل له:

ـ قلتُ لا تخافي، بعون الله لنْ يمْسسْكِ ضرّ.

نهض إلى خزانة خشبيّة بلا أقفال، وتناول منها لباسا أسود ـ ألقاه بجانبي، وأكمل:

ـ عليْكِ الآن أنْ تسْتري عورتكِ، لتكوني أختنا في الإسلام.

وعلى علمي باللغة العربيّة، إلا أنني لمْ أفهم ماذا يقصد بالعورة… لم أُصادفْ هذا المصطلح من قبل. فسألتُ بارْتباك:

ـ لم أفهم….

ـ ( مبتسما ) ارْتدي هذا اللباس العراقيّ، وغطّي رأسكِ… هذا كلّ شيء.

ـ وقيْدي..؟

ـ آه … فهمْتُ… سأفكّ قيْدكِ، وأتْرككِ لخمْس دقائق.

ـ ( أشرْتُ برأسي علامة المُوافقة، ولم أعلّق )…..

تقدّم منّي وفكّ أسْري، ثمّ غادر الغرفة ليعود وقدْ ارْتديْتُ ملابسي العراقيّة السوداء، ولم أسْأله وهو يُعيد القيْد إلى معْصميّ، إنْ كان لون اللباس دلالة الحزن، أم هو لباس تقْليديّ مُتداوَل.

وقبْل أنْ يُغادر الغرفة، أشار بسبّابته إلى كتاب كان مُلقى على طاولة صغيرة، وقال لي:

ـ بجانبكِ كتاب الله العزيز، يُمكنكِ قراءته. أنتِ لسْتِ على طهارة، مع ذلك قراءة القرآن أفضل من ترْكه.

لمْ أنتبه إلى كلامه، ولمْ أعرْ لكتاب القرآن انتباها… وتنفّسْتُ الصعداء عندما خرَجَ، كأنّ حجارة بحجْم جبل كانتْ جاثمة على صدْري.

اتّكأتُ إلى الحائط، مُحاولة أنْ أغالب رغْبة جسدي في النوم. فالمكان لا أمان به، ولا يمكنني أنْ أثق بهؤلاء.

كلّما أخذني النوم قليلا، أرى سكاكينهم تمْتدّ إلى عنقي… أرى بنادقهم… أرى الأحزمة الناسفة والسيارات المُفخّخة… أرى محطات الميترو بلنْدن، تتناثر إربا… أرى الأبراج تتهاوى كنجْمة مُحترقة…

مرّ بذاكرتي لحظتها، حجم الفجيعة التي أصابتْ والدي وهو يُتابع أحداث 11 سبْتمبر… ظلّ ممْسكا بسيجارته والطائرات تصْطدم الواحدة تلوى الأخرى، كأنك أمام مشهد سينمائيّ خادع أُعدّ له جيّدا.

فيما لا يزال المُحلّل السياسي يُعلّق على الحدث، كان والدي مُنهارا على الأريكة دون حراك. غيْر أنه بعْد يوم واحد، صار مُتفائلا ومبْتسما، كأنّ ما حدَثَ البارحة كان مسْرحيّة.

لمْ يعدْ مُهْتما ومُنْشغلا بالحدث وبالعمليّة الإرهابيّة، عدا ما كان يلغّ به أمام مجموعة من الحقوقيين اليهود، كلما اجْتمع بهم في منزلنا… يُناقشون آخر الأحداث ومواقف الدول الكبْرى والدول العربيّة وحتّى بعض الخونة مــن اليهود.

وعلى خلاف والدي المُنْشغل بالأنشطة السياسيّة والثقافيّة… كنتُ لا أهتمّ بغيْر عملي بفرْع منظّمة الأمم المتحدة للإغاثة. لا أبدو سياسيّة، ولا أفهم كثيرا في الإيديولوجيا والأحزاب، عدا ما يتوفّر للمواطن العادي.

أما والدي فهو العضو الناشط بحزْب الخضر، ورئيس منظمة “ضدّ الفكر النازي” التي أسسها، ويترأسها منذ سقوط جدار برلين. ما زال ينْشط بحماس، كلما اشْتدّ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أو كلما نهض أحد الجامعيين أو المثقّفين ليُشكّك في المحارق النازيّة.

وما زلْتُ ُأذكر جيّدا العمل الهام الذي قام به أثناء محاكمة “دافيد إيرفينج” في محكمة ألمانيّة قضتْ بتغريمه عشرة آلاف مارك، بعْد أنْ شكّك في حدوث جرائم ضدّ الإنسانيّة. وهو ما حصل مع الكاتب “جارودي”، حيْث كان والدي يتنقّل حتّى إلى فرنْسا والنمْسا وانجلترا لحشْد الأنصار اليهود ضدّ هؤلاء.

لمْ تهْدأ الحركة في بيْتنا، من اسْتقبال الشخصيات السياسيّة والثقافيّة والدينيّة… تناقش تأثير هذا الحدث على العلاقات بين اليهود، ومدى النجاح الذي يُمكن أنْ يتحقق لهذا الكاتب، خاصة إذا اسْتثمر العرب نظرياته.

كان والدي يدافع عن موقفه وعن منظّمة “ضدّ الفكر النازي”… أمام جمع من اليهود والمُناهضين للمُشكّكين في المحارق النازيّة.

وهو يُلوّح بجملة من الأوراق، هيّ عبارة عن بيانات ستُوزّع في الشوارع الألمانيّة.. وتُعلّق في الأماكن العامة.

فيما سيتكفّل هو ومجْموعة من الحقوقيين، بحشْد الدعم الدولي للضغْط على القضاء الألماني.

لمْ أعرْ اِهْتماما للمسْألة، رغم تعاطفي مع اليهود ومع من لقيَ حتْفه في المحارق النازيّة. كنتُ أدْخل عليْهم دون أنْ أنْضمّ إلى حواراتهم، ودون أنْ يدْعوني أحد منهم لمتابعة الحوار، رغم أني إطار بمنظّمة دوليّة.

هذا عدا المرّة التي أعدّتْ فيها المنظّمة تقريرا لمناقشته، حول تراجع المحاصيل الزراعيّة في الأراضي الفلسْطينيّة. والتي ألمحتْ فيه اللجنة الرافعة للتقْرير إلى تأثير السياسة الإسرائيليّة اللاإنسانيّة على الوضع الاقتصادي.

ثار نقاش عنيف في أرْوقة المنظمة، حول مفهـوم “اللاإنسانيّ”، وعُرض التقرير للنقاش مرّة أخرى قصْد تعْديله.

أثناء ذلك، دخلْتُ على والدي في مكتبه بمنزلنا، وكــان مُنْشغلا بقراءة كتاب

“بروتوكولات حكماء صهيون”، الذي كثيرا ما أشاهده يتصفّح أفكاره، وكأنه يسْتمدّ منه أحكاما إلهية. غيْر أنه كثيرا ما يُسْرع إلى إخفائه بارْتباك، كلما حلّ ضيْف فجْأة أو دون سابق إعلام… يطويه بسرْعة، ويدسّه في درْج مكتبه بخوف الخنزيرة على أطفالها.

دخلْتُ، فانْتبهَ إليّ بشيء من الغرابة، وعلّق:

ـ لا أراكِ تتردّدين كثيرا على مكتبي… ما المسْألة؟

ـ ليْس شيئا مُهمّا… فقط أردْتُ أنْ أسْتشيركَ في مسْألة، علّي أتحسّس زوايا الموضوع.

ـ  ما نوع الاستشارة ؟

ـ سياسيّة طبعا.

ـ أعرف.. أعرف… أقصد بماذا تتعلّق ؟

ـ تتعلّق بتقرير أعدّتْه منظمة الأمم المتحدة للإغاثة، حول تأثير الحصار الإسرائيلي على الوضع الفلاحي لدى العرب في “غزّة”.

ـ ( طوى الكتاب الذي أمامه، وخلع نظارته ) وماذا جاء في التقرير ؟

ـ جاء فيه أنّ الحصار الإسرائيلي لا إنساني.

ـ ( ردّ بحدّة ) هذا تقرير مُلفّق ضدّ اليهود. الغرض منه منع اليهود من الدفاع عن أرضهم المُقدّسة ضدّ الإرهابيين العرب.

( خفّف من حدّة كلامه ) وهل صادَقوا على التقرير ؟

ـ لا… يبْدو أنهم سيناقشون مسْألة “اللاإنسانيّ” هذه.

ـ طيّب… طيّب، هذا ما يجب أنْ يحصل.

على كلّ أعلميني بآخر الأحداث، حتّى يُمكننا التحرّك.

أكمل كلامه، وعاد يُرتّب نظارته على أنفه الحاد. ثمّ فتَحَ الكتاب الذي أمامه، على نفس الصفحة التي كان توقّف عنْدها.

فهمْتُ منه أنّ الحوار قدِ انتهى.

هكذا كان والدي يتعامل مع الجميع بجفاء وبكلمات واضحة ومُخْتصَرة… حتّى مع عائلتنا الضيّقة.

وأذكر أنّ آخر حوار دار بينه وبين أمي  ـ وهي على فراش الموت  ـ كان جافا وقاسيا لا ينمّ عن مسؤول عنْ عائلة.

قالتْ له:

ـ “هانز” قدْ لا أعيش بعْد اليوم ؟

ـ لا داعي لهذا الكلام… سأطلب لكِ الطبيب.

ـ أنا لا أريد طبيبا، أريدكَ بجانبي في هذه اللحظات.

ـ لا أسْتطيع… لي أشْغال لا بدّ من إتمامها. سأغادر الآن، وستتكفّل “أنجيلا” باسْتدعاء الطبيب.

ـ هان …

ـ ( وهو يُغادر ) أتمنّى لكِ الشفاء… لنْ أتأخّر.

غادر مُسْرعا نحو أعماله وسياسته وأنشطته، تاركا أمي تصارع حشْرجات الموت، لتلفظ أنفاسها بعد دقائق.

كانتْ عائلتي ـ رغم الجفاء العاطفيّ ـ تُعدّ عائلة مُحافظة، من أصول يهوديّة هاجرتْ إلى بريطانيا زمن الحكْم النازيّ، وعادتْ إلى ألمانيا بداية الستينات، حيْثُ تعرّف أبي على ابنة صديق والده وتزوّجها.

هيّ أمي التي ماتتْ، حين بلغتُ العقْد الثاني من عُمري.

لذلك جاءتْ علاقتي الشاذة بـ “نارمين”، سيْفا مُسلّطا على رقبتي. أخشى أنْ يُصيبني، فتنْهار علاقتي بوالدي. فرغم تفتّحه وتحرّره إلا أني لا أضمن  دفاعه عن السحاقيات واللواطيين.

ما كنتُ أخشاه حصل فعلا، واسْتعملتْ “نارمين” شريط فيديو ضمّنتْه صورا من علاقتي الشاذة معها لتهدّدني. بأن تكشف علاقتي الشاذة لوسائل الإعلام فأفقد منصبي المحترم بمنظمة الأمم المتحدة. وكان المقابل هو أنْ أعمل لصالح المُخابرات الإسرائيليّة.

يا له من موقف، فلو كنتُ امرأة عاديّة لهان الأمر، لكنني إطار سام بمنظّمة دوليّة. وأيّ تشْويه لسمْعتي، قدْ يُفقدني عملي.

فهمْتُ تبعا لذلك أنّ “نارمين” لم تُقابلْني صُدفة لمّا تعطّلتْ سيارتي تحت الأمطار. وحتّى سيارتي تمّ تعْطيل مُحرّكها عمْدا، لأقع بالتدرّج في هذه اللعبة التي لمْ أفقْ منها، إلا وأنا مُحاصرَة برغباتي الجنْسيّة التي لمْ تخْمدْ أبدا، وبسطْوة المُخابرات الإسْرائيليّة.

وما وُقوعي في براثن المجموعات الإرهابيّة في العراق، إلا بسبب مُهمّة كُلّفْتُ بها، وليْس بسبب عملي في المنظمة الدوليّة.

في اليوم الذي اختطفت فيه، كان اليوم قبل الأخير لمُغادرتي التراب العراقي في اتجاه واشنطن لحضور مؤتمر دوليّ. لذلك كُلّفْتُ بمُقابلة أحد أعضاء المليشيات التابعة لوزير بالحكومة العراقيّة، ليُسلّمني وثائق أحملها إلى “نارمين” ومنها إلى عميل آخر بالمُخابرات الإسرائيليّة . وبسبب تلك الوثائق، ها أنا الآن في كمّاشة إرهابيين لا أعرف ما سيصْنعون بمصيري.

فهل تتدخّل إسرائيل لإنقاذي؟ أمْ منظمة الأمم المتّحدة ؟ وما أدْراني أنّ منظمة الأمم المتحدة ستسْعى لفكّ أسْري إذا علمتْ أني أشْتغل عميلة للمُخابرات الإسرائيليّة ؟

و والدي هلْ سيفْتخر بي أمام أصدقائه السياسيين، إذا علم أنني أعمل لصالح الشعب اليهودي؟ وفي حقيقة الأمر، لم يكن ذلك الشريط الذي يصوّر علاقتي الشاذة بنارمين هو السبب الوحيد لانضمامي للمخابرات الإسرائيلية .. فأنا كنت قادرة على العيش بأريحيّة وبترف لا مثيل له، بحكم الثروة الهائلة التي اكتنزها والدي في البنوك والبورصات وتجارة الذهب. وإنْ كنت حريصة كلّ الحرص على منصبي بالمنظمة الأمميّة، إلا أنّ والدي أمكن له أنْ يزرع في داخلي حبا جارفا للشعب اليهوديّ وتعاطفا مع قضيّته العادلة في “أورشليم”.

صرتُ تبعا لذلك أتوفّر على قدر هائل من الكره والنقمة على العرب الوسخين والإرهابيين وعلى كل مسْلم أراه يسْجد لربّه، ذلك السجود الذي معناه الخنوع والخوف والتملّق. لذلك كلما أرى مسلما يُقتل أو يسجّ به في الزنازين والمعتقلات أردّد بيني وبين نفسي أنّ العالم ارتاح من جرذ يمكن أنْ يصيب الإنسانيّة بالوباء.

لا أدري… لا أدري..

كلّها أسْئلة تنطّ في ذهني وتُشوّش عليّ مُحاوَلة ترتيب الأفكار.

أردْتُ التخلّص من كلّ ذلك بمحاولة تصفّح كتابهم… كتاب القرآن الذي يتّخذونه مرجعا لممارسة الإرهاب، والتعدّي على الأبرياء . فتحْتُ الكتاب لأقرأ أيّ شيء:

أوَ لمْ يَروا أنّا خلقْنا لهُم مِمّا عَمِلتْ أيْدينا أنْعاما فهُم لها مالكُون * وذلّلْناها لهُمْ فمِنْها رُكُوبُهُم ومنْها يأكُلون * ولهُمْ فيها منافِع ومَشارِب أَفَلا يَشْكُرُون * واتّخَذُوا مِنْ دُون الله آلِهة لعلّهُمْ يُنْصَرُون * لا يَسْتَطيعُونَ نَصْرَهم وهُمْ لهُمْ جُنْد محْضرُون * فلا يَحزُنك قولهُمْ إنّا نعْلَمُ ما يسرّونَ ومَا يُعْلنون * أَوَ لمْ يَرَ الإنْسان أنّا خلقْناه منْ نُطْفَة فإذا هُمْ خصيم مُبين * …

لمْ أُكمل ما تبقّى من السورة، فقط لقشعْريرة حلّتْ بجسدي… برهْبة أحْسستها وأنا أمرّ على إيقاع ليْس بالشعر ولا بالنثر. لمْ أصادف نصّا عربيّا بهذا التأثير والترتيب، ثمّ أنّ شعر العرب لا يُرتّب بهذا الشكل على الورقة.

ما شدّني فعلا، حديث القرآن عن النطفة التي هيّ السبب الأول لنشْأة الجنين في رحم أمه.

كيف أمْكن لهذا النصّ أنْ يُدْرك هذا المفهوم زمن رسولهم الأميّ الجاهل ؟ كيف ؟….

اخْتلطتْ أشياء كثيرة في ذهني… هي مزيج من الرهبة والشوق والارتباك.

فتحْتُ الكتاب على صفحته الأولى، وشرعْتُ أقْرأ مُتهجّية كلمات لمْ أُصادفْها أو لم أسْتطع شرْحها، أو هي بسبب الخطّ العربيّ المُتشعّب، لمْ أتبيّن أحْرفها.

كلّما تقدّمْتُ أكثر، اِزْددْتُ حيْرة وارْتباكا…

سمعْتُ خطوات أحدهم، فألقيْتُ الكتاب جانبا وتظاهرْتُ بالنوم. دخل نفس الشيخ إلى الغرفة، وأوصَدَ بابها من الداخل، مُتّخذا نفس الكرسيّ الخشبيّ للجلوس، وقال:

ـ أعرف أنّكِ لسْتِ نائمة.. اقرئي القرآن، سيُساعدكِ كثيرا.

شعرْتُ بأنّ العرَقَ الذي يتصبّب على جبيني، قدْ فضحني، ففتحْتُ عيوني قائلة له:

ـ ماذا ستفْعلون بي؟

ـ هلْ أنتِ جائعة ؟

ـ لا يهمّ… سألْتكَ ماذا ستفْعلون بي ؟

ـ سنُقرّر لاحقا.. لا تهْتمّي، اقرئي القرآن فقد تُصْبحين امرأة مُسلمة. والله سبحانه وتعالى قدْ أكرم المسلمات، وجعل الجنّة تحت أقدام الأمّهات.

ـ إذن لماذا تقتلون النساء، وتذبحون الرجال ؟

ـ من قال لك ذلك ؟

ـ كلّ الصحف والقنوات التلفزيّة، تُعْلن ذلك وتُمرّر صُوركم وأخباركم.

ـ ( ابتسم ) هذا هُراء… يُحاولون تشْويه سُمعة الإسلام.

نحن يا ابنتي نُدافع عن أرْضنا… صحيح أنّ الوسائل أحيانا لا إنسانيّة. لكننا نحن من احْتلّوا أرضهم، واغْتصبوا نساءهم، وانتهكوا حُرُماتهم ، و… و…. أليس كذلك؟

ـ لا أعرف…

نهض من مقعده ليُغادر الغرفة، ثمّ عاد حاملا معه طبقا عليْه بعض الخبْز وحساء لمْ أتبيّن لونه تماما، غيْر ما يَبينُ من خضار داخله.

وضع الطبق أمامي وانْصرف، دون أنْ ينْسى إغلاق الباب خلفه. وكانت الإضاءة التي تتقلّص شيئا فشيئا، تشي أنّه المساء أو بداية الليل. لذلك تكهّنْتُ أنّ ما قدّموه لي على هذا الطبق من خبز وحساء، إنما هو العشاء.

رفعتُ الإناء إلى أنفي أشمّ ما بداخله، فصفعتني رائحة حارة لم أتبيّنها… وتذوّقته ..

أعدت الإناء إلى الأرض بتوتّر وبصقتُ ما علق بفمي من حساء لم أتبيّن أيّ صنف من الأطعمة هو. فتّشتُ في كلّ الأطعمة الألمانيّة فلم أجد له مثيلا… أسْلمْتُ رأسي إلى الحائط بتأفف، فوخزني الجوع وتحرّكتْ أمعائي تعلن احتجاجها.

نظرتُ إلى الإناء من جديد ثمّ إلى الخبز ولم أتمالك رغبتي في الأكل.. بالأحرى رغبتي في أنْ أبقى على قيْد الحياة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق