ثقافة السرد

الجزء 18 من رواية المأساة الفلسطينية (حرمتان ومحرم)

لصبحي فحماوي

  الختم بالشمع الأحمر !
تتحرك الحافلة بحمولاتها من الركاب والأمتعة، وتنطلق بحرية تامة، فتنهب الرمال المتحركة، وتمضغ الفيافي والقفار، وتطارد في الصحاري العربية المترامية الأطراف حتى يجف ريقها، وتصل عطشى إلى شاطىء البحر على الحدود، حيث لم يحن بعد موعد قدوم الباخرة. ولكن أعداداً من رجال الأمن والمباحث والجمارك والتأمين والشحن والتدقيق والتفتيش والصحة والتعقيب والطوابع والوقاية والدفاع المدني والبائعين المتجولين، ورجالاً آخرين لا تُعرف هوياتهم يقفون في انتظارهم، ويتحلقون حول الحافلة، ويمطرونهم بوابل من التعليمات المشددة: ” الباخرة ستكون هنا غداً صباحاً، ولكن الخروج من الحافلة ممنوع”..بلا مؤاخذة، معظمكم فلسطينيون، وغير مسموح لكم بالنزول، خوفاً من التسلل والهروب إلى داخل البلاد..ولهذا سيدخل عليكم بائعو الطعام والشراب وكل واحد منكم يستطيع أن يشتري كل ما يريد.. خذوا حريتكم في الشراء. أنتم مرحب بكم في الشراء. أنتم في وطنكم العربي في الشراء، فأطعمتنا شهية، واللحم المباع لكم كله مذبوح على الشريعة الإسلامية، وحلال زلال.” ويضيف مراقب سابع :
“ولكن النزول من الحافلة ممنوع.”
ويقول تاسع: “رجاءً عدم الإحراج، ونحن للسلامة العامة فقط، سنغلق عليكم أبواب الحافلة”ويضيف عاشر: “سنغلقها فقط للصباح.” ويعتذر ثالث عشر:” لا تؤاخذوني، فأنا عبد مأمور، وهذه ليست تعليماتي، وليست إرادتي، لقد كان (الودّ ودّي) ولكنني مضطر لأن أختم الأبواب بالشمع الأحمر.” ويؤكد سادس عشر:” وسيأتي موظف الجمارك في الصباح ليستلمكم، ويفك عنكم الشمع الأحمر، فأنتم عُهدة على ذمته.” ويخفف عنهم موظف ذو لحية كثة طويلة ممشطة حمراء اللون، ويضع يديه في جيبي ثوبه الباكستاني، ويقف بخشوع من خشية الله قائلاً: “ستكون الأمور مُيَسّرة بإذن الله” فيقول أبو مهيوب لحرمتيه اللتين تجلسان على مقعد خلفه: “ماذا نريد أكثر من هذا التيسير!”
وبعد طول معاناة، ينتقل الركاب من الحافلة إلى الباخرة، إلى عرض البحر، فلا يُعرف مَن منهم الذي شرب البحر، فصار أصحاب البلاد خائفين من المسافرين على ماء البحر أن ينفد، ولكنه بإرادة الله وبحمد لله لم ينفد، فوصلوا كلهم سالمين إلى البر الثاني، حيث الحدود العربية التاسعة..
وهناك أعيدت عليهم تعليمات أكثر شدّة من تعليمات الحدود السابقة، ولكن بمنتهى الأدب والاحترام واللياقة في التعامل :
– لو سمحتم، قفوا كلكم على باب الشاطيء.
– لو تكرمتم، لا تتحركوا إلا بأمر الشاويش.
– أسعدكم الله، اختموا معاملات الجوازات.
– أثابنا وإياكم الله، اذهبوا إلى الجمارك.
– نرجوكم، لا تنسوا الرقابة الصحية.
– من فضلكم، تابعوا الرقابة الأمنية.
– لو تلطّفتم اختموا أوراقكم من المخابرات والمباحث.
– بارك الله فيكم، ضعوا طوابعاً على معاملاتكم.
– إخواني وأخواتي الكرام، ادفعوا رسوم العبور.
– سيداتي وسادتي، أخرجوا حقائبكم وافتحوها جاهزة للتفتيش.
– نستميحكم عذراً، لا تتركوا قطعة مخفيّة دون عرضها للتفتيش الدقيق.
– لو سمحتم، قفوا بانتظار الحافلة التي ستقلكم إلى بلادكم.
– أعزائي، كلها عدة ساعات، وتكون الحافلة قد وصلت، وتنطلقون إلى بلادكم بإذن الله.
– رَبعي وأهلي، انتبهوا، نريد أن نفهم على بعضنا، ونريد أن نحترم النظام والقانون والعرف والعادات والتقاليد.
– أخوالي وخالاتي، نريدكم أن تقعدوا هنا في هذه الساحة المبلطة، وسنرسم حولكم دائرة بالطبشورة، ومن يخرج من الدائرة، ستدور عليه الدوائر، ومن لا يريد أن تدور عليه الدوائر، فليحترم الدائرة، ويقعد فيها غير ملوم ولا محسور…
وهنا تتذكّرَ تغريد مسرحية “دائرة الطباشير القوقازية” لبريخت، فتكتم ضحكتها تضامناً مع النظام والقانون. ويقول آخر :
– يا جماعة، ستجدون هنا كل المأكولات والمشروبات بأسعار معقولة، والحمّامات لحسن الحظ تقع داخل الدائرة، فمن أراد أن يعملها فليعملها بمنتهى الحرية، فبمجرد أن يدفع رسوم المرحاض، يجده يفتح تلقائياً. شعارنا هنا (حرية على طول) خذوا راحتكم، واشعروا كأنكم في وطنكم.
– هلا عمّي، نرحب بكم في وطنكم الثاني، ونحن معكم في كرم الضيافة والأمن.
– البلد بلدكم، ولكن إياكم أن يتسلل أحد منكم إلى البلاد، فهذا خط أحمر! ويتدخل رجل عيناه حمراوان، تقدحان شرراً وهو يقول :
– وكل خروج عن الخط الأحمر يا أحبائي، هو خط أحمر.
فتقول ماجدة لتغريد:
“تعليمات، تعليمات، تعليم، تعليم… يا ليت الحكومات العربية تولي شعوبها تعليماً أكاديمياً ومهنياً وفنياً بقوّة ودقّة هذه التعليمات الأمنية على الحدود!” فتخرسها تغريد قائلة بصوت منخفض: “أرجوك أن تطبقي فمك، فمقتل المرأة العربية بين فكيها! “
وبعد ليلة حافلة بالاحتياطات المشددة، وبرد الصحراء القارس، تصل الحافلة المصون، ويطلع الصباح، وتسكت شهرزاد عن الكلام المباح، فيتدافع الركاب صاعدين فيها اتقاءً للبرد والمعاناة الطويلة. وبلا طول سيرة تنطلق باتجاه الحدود الواحدة والعشرين. وأخيراً تصل منتفخة بالأمتعة والركاب بيُمن الله ورعايته إلى أرض الوطن، (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى)، والحافلة تواصل دخولها إلى حدود أرض اللبن والعسل، أرض اليورانيوم المنضب الممطر من أجنحة طائرات الأباتشي، التي لا تقرأ ولا تكتب غير أرقام الملابس الداخلية لأطفال الحجارة..
الحدود هنا محشورة بصفوف طويلة جداً من الحافلات والسيارات الصغيرة والكبيرة، والشاحنات المحمّلة بمواد مختلفة.
(وقوفاً بها صحبي عليّ مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجلّدِ)
تتنفس ماجدة الصعداء قائلة: “الحمد لله أننا وصلنا إلى الوطن، صحيح إنه لا شيء يعدل الوطن، الآن نستطيع أن نتنفس هواء بلادنا”. وتضيف تغريد متنهدة: “أنا لا أصدق نفسي! أتفرج على الحدود وكأننا على أبواب الجنة!” فيكبح أبو مهيوب جماحهما قائلاً :”اذكرا الله.” فتقول تغريد: “لا إله إلا الله!” لا تفهم ماجدة مغزى قوله، فتستفسر منه، فيوضح قائلاً: “أقصد أنكما لم تدخلا بعد، وحين وصولكما، كل إلى بيت أهلها، تستطيعان القول: إن هواء بلادي..!”
الحافلة تُقدِّم عَجَلَةً، وتؤخر أخرى، والركاب داخل حرِّ الحافلة وهوائها الممزوج مع دخان عوادم السيارات، وألم الجلوس يكسر الظهور، يترقبون إشارة مَخرَج من هذا العذاب!
يحرس الحدود مجندون آليّون، يشاهدهم الركاب من بعيد وهم يروحون ويجيئون بحذر شديد متباهين بأسلحتهم الأوتوماتيكية، يصوبونها يمنة ويسرة باتجاه السيارات والمارّة، وكأنهم في معركة حقيقية محتدمة، مع وقف التنفيذ! وتحت مظلات المعبر، يقف مجندون آليون ذكور وإناث، يتحدثون مع بعضهم، ويتمازحون وهم مكفهرو الوجوه. يبدو أنهم يكسرون حاجز الخوف والكُره بالمزاح الثقيل، تحجزهم عن جمهور المسافرين جدران زجاجية سميكة. تقول ماجدة: “إنها واقية من الرصاص!” فتعيد تغريد مقولتها السابقة: “سدِّي حلقك، الحيطان لها آذان”، فتسد ماجدة حلقها لدرجة تكاد معها أن تختنق. يطفىء السائق محرك الحافلة، فترتفع درجة الحرارة، وكل ساعة أو بعض ساعة، يُشغِّل السائق المحرك، فينتبه الركاب إلى التقدم باتجاه يوم الحشر والنشر، وعندما يصل دورهم تقوم الحافلة وتتململ ثم تتقدم أقداماً قليلة في الشارع الترابي المهترىء ثم تتوقف للمرّة المائة فيطفىء السائق محركها وينام على المقود.
وبعد عمر طويل من الانتظار والترقب، يصعد معاون السائق، ويقول للركاب: “يا جماعة كل واحد يستعد لتناول حاجاته، وتقديمها للتفتيش، بحيث تكون مفتوحة منفولة قطعة قطعة أمام كلاب بوليسية، ولا تخافوا، فالكلاب مدربة، وخلال سنوات الانتفاضة كلها، لم تأكل أو تنهش على هذه الحدود سوى تسعة وعشرين مسافراً من الركاب. وأنتم تعرفون أن عدد الناس الذين يموتون دهساً في الشوارع أكثر من هذا الرقم بكثير ولذلك فالنسبة آمنة، والتفتيش سيتم حالا بعد عدة ساعات فقط من الآن، ولذلك كلوا واشربوا واستريحو حتى يصلكم الدور.”
– كيف نستريح في هذا الحر القاتل، وهذه المقاعد التي تكبلنا، وتكسر ظهورنا، يقول أبو مهيوب؟ فيقول له معاون القائد : “يا عمي أرجوك أن لا ترمينا في داهية، دعونا يا جماعة نصل إلى أهالينا بسلام، ألا تريدون أن تصلوا إلى بيوتكم؟” فيصرخ الجميع بأصوات مختلطة ومتداخلة: نعم! ولاّ! آه! طبعاً! دخيلك! طنيب عليك! نحن في عرضك! دبرنا! من شان الله…!
يشاهدون مُجَنّداً آليّاً يقف بين مكعبات إسمنتية تتوزع بانتظام أمني هنا وهناك، فتحشر السير، وترسل القلوب إلى الحناجر. ثلّة من الحرس يسيرون تحت (المحسوم) وهم يتحسسون ويداعبون كلب أمن شرس، يشد حبله مجند مختص بالتفتيش، فيندفع إلى الأمام باحثاً عن شيء مفقود. يلهث ولسانه يتدلى بطول شبر من فمه. وأخيراً ينطق رجل آلي بلغة عربية عبرية مكسّرة : كل ما نريده منكم هو الانضباط والصف بالدور وعدم الخركة إلا بأمر الضابط.
“حاضر يا خواجة!”يجيب معاون القائد. وهنا تقول ماجدة لتغريد المعتقلة إلى جوارها: “قد يكون هذا المعاون مخبراً لنا ولهم في نفس الوقت!” فترفض تغريد شك ماجدة قائلة:” اتقي الله يا ماجدة، قد يكون الرجل مسكيناً، وله أطفال، ويريد الستر ليصل إليهم سالماً، فبطشهم لا يستثني منا أحداً! ألم يقل مظفر النواب:
(أبول عليكم، لا أستثني منكم أحداً!) إنهم يبولون علينا، ولا يستثنون منا أحداً، لا المعاون، ولا المتعاون، ولا حتى القائد!”
يسمحون لهم بالخروج من الحافلة، فيتدافع الركاب نازلين، ينشدون شم نفَس هواء وتحريك أرجلهم المكتّفة منذ زمن، وهناك يشاهدون سيارة إسعاف تقف قبل الحاجز يتصارخ حولها رجال ونساء: “الله أكبر! لو تركتم السيارة تمر من الحاجز، وتصل إلى المستشفى، لعاش المولود ؟” “الله أكبر، مات الجنين في بطن أمه!” ” يا حسرة أمه وأبوه! “” الله يقهر الحاجز وسنينه! “” الولد مات!” ” الحقوا المرأة المجهضة على الحاجز، لا تزال مشيمة الجنين الميت تنزف بغزارة، فالمستشفى على بعد مئتي متر عن الحاجز!”
يستعطف أحدهم الحاجز الحديدي العملاق، الواقف في وسط الطريق ورأسه يناطح الغيوم المتلاشية، فاتحاً رجليه المنفرجتين على شكل الأمر العسكري (استرح) بينما السيارات والمشاة وكل شيء يمر من تحت بيضاته المعلقتين في السماء: يا خواجة عملنا تنسيق مع المستشفى وقالوا لنا تعالوا. فتململ الحاجز وقال: “بدكم (تصاريخ)!”
“معنا تصريح!” ردوا عليه معاً، بينما تقدم أحدهم يعرض عليه الورقة.
– هذا (التصريخ) ما فيش فيه أسماء. مكتوب ثلاثة مرافقين فقط.
“طيب اسمح لثلاثة أشخاص بمرافقة السيارة!” قال أحدهم. فأجاب الحاجز الفولاذي بأوامره الحادة: “استصدروا (تصريخاً) بأسماء الأشخاص المسموخ لهم بالمرور، وساعتها أفكر في الأمر.”
“الجنين مات، نريد إسعاف المرأة! المرأة تموت!” قال آخر.” “يا خواجة المرأة تموت، اسمح لها بالمرور من دون مرافقين! افتح هالحاجز!” صرخ ثالث، فأجاب الحاجز بصوت يتردد صداه: “(التصريخ) يقول: ثلاثة مرافقين، يعني ثلاثة مرافقين، وأنا لا أستطيع تمريرها وخدها دون ثلاثة مرافقين. مخالفة التصريخ ممنوعة!” وقال ثالث: ” كل شيء عندكم ممنوع، ممنوع! “
يغضب (المحسوم) ويخرج من عقاله، وينتفض، فتطقطق عظام رقبته، ويسمع كل الموجودين صوت اصطكاك الحديد بالحديد، وبسرعة يصوّب العملاق آلاته الرشاشة نحو جماعة سيارة الإسعاف، فتجمع الجماعة جموعها، وتغلق أبوابها، وترجع من حيث أتت، على أمل عمل أي إجراء يسعف المرأة ويحميها من الموت.
المدينة تنتشر وتتمدد قبل وبعد الحدود، وتتكاثر بعض المعالم حول (المحسوم) مثل عريشة (مطعم الترويئة) لبيع الشطائر، ومحل بناشر(في العجلة الندامة) وكشك (دخِّن عليها تَنجَلي، وخليك قدها!) وعريشة (عبد السميع اللميع للشاي السريع)، وكاتب استدعاءات يقعد خلف منضدة قميئة، عليها بضعة أوراق، وطوابع، ويتناثر في المكان على جانبي الحدود كثير من إطارات السيارات المهترئة، وتجد الأرض مزروعة بأكياس البلاستيك المرفرفة سواداً على عيدان أشواك خلاء المكان، كالغربان الناعقة. تقف هنا وهناك أعداد من السيارات المكسوة بالغبار الكثيف، بعضها لأصحاب يواصلون سفرهم بعد الحدود بسيارات الأجرة، وبعضها لأشخاص لا يملكون تصاريح لسياراتهم، فيتركونها هنا غريبة وحيدة، وينفذون من سم الخياط بجلودهم. والحدود تقسم المدينة إلى قسمين، قسم تابع للولاية العربية المحتلة، وقسم للولاية العربية القابعة تحت الاحتلال، وسيارات الإسعاف الفلسطينية تطلق زواميرها وهي ترسل المرضى من ذوي الحالات الخطيرة إلى المستشفى التخصصي المتنازع عليه من قبل الاحتلال.
يشاهد الرجل الآلي ركاب الحافلة وهم ينزلون منها متدافعين، فيقول للقائد : لماذا يتدافعون؟ أنتم عرب متخلفون، لا تفهمون النظام! أنا لم أسمح لكم بالنزول. أنا لم أعط إشارة النزول. أنتم تخالفون التعليمات. ورا! يا الله ورا.. ارجع أنت وباصك إلى آخر الدور! فيتظلم القائد قائلاً: ” يا خواجة نحن..” فيصرخ الآلي بسلاحه المرعب:
” قلت لك ارجع يعني ارجع.”.. يسحب عليه أقسام الرشاش، فيتراجع القائد قائلاً له:” أمرك سيدي. اصعدوا إلى الحافلة يا جماعة..!” فتجيب الجماعة بأصوات متداخلة بعضها مع بعض: “الله أكبر.” ” ولّ عليه!” ” دخيل الله!” قتلتونا!” “متنا!” تخدّرت أرجلنا!” “والله لو كنا أغناماً لسمحوا لنا بتحريك عظامنا قليلاً.!”
وتصيح امرأة بأعلى صوتها : “يا ناس، طفلي سيموت بالمراجعة والإسهال والحرارة المرتفعة!” ويقول أبو مهيوب: “يبدو أن هذا العجوز المجاور لي على المقعد، قد توفي!”
يتراجع القائد بحافلته إلى آخر صف السيارات، الذي صار على بعد خمسمائة متر إلى الخلف، ويقعدون هناك بانتظار أن يتقدموا ثانية، كتقدم (حجر سيزيف) ومن هناك، من الآخر، تبتدىء الحافلة بالتقدم من جديد.
وعند منتصف الليل، يبدأ تفتيشهم، فيذهب أبو مهيوب إلى غرفة تشليح الرجال، بينما تدخل ماجدة إلى قسم تشليح النساء.
” اخلعي كل ملابسك هنا، وانتقلي إلى الغرفة الزجاجية التالية، وسنناولك ملابسك من الشباك الزجاجي، والبسيها على مهلك.” تقول المرأة الآلية لماجدة، فتمتثل ماجدة للأمر، وتخلع ملابسها، فلا تبقى غير حمالتي نهديها، وسروالها الداخلي، ولكنها تأمرها بقسوة: “اخلعي كل شيء، وإلا ستعودين إلى آخر الدور خلف المحسوم، ثم تتقدمين بعد عمر طويل إلى هنا، لتخلعي أمامي كل شيء من جديد! لا تخافي، الغرفة مغلقة من جميع الجهات. نخن نصور بالأشعة فقط، ولا نلمس شيئاً بأصابعنا.” تتكهرب ماجدة مرعوبة وهي تمد يديها لتخلع أخر خيط يغطي أنوثة جسدها أمام المفتشة ولكن الآلية تطمئنها قائلة: “لا تندهشي، فنخن نعيش في عصر الشفافية!” تخلع ماجدة كل شيء، وتنتقل إلى الغرفة الثانية عارية كما خلقها ربها، وهي منكمشة على روحها، وتغطى كنوزها بيديها الاثنتين، ثم تستلم ملابسها من شباك الغرفة الأولى، وتلبسها أمام المفتشة الثانية التي تراقبها وتتفحص جسد مهرة عربية أصيلة. تخرج من هناك مستورة، ولكنها مسودّة الوجه وحاقدة! وكذلك تفعل تغريد وكل الصبايا اللواتي.. تغار المجندة الآلية من جمال أجساد بعض الصبايا العربيات اللواتي تعاينهن، فتتولد فيها رغبة مكبوتة…!
وعند شباك الجمارك، تدفع كل منهما الشيء الفلاني لضابط الحاجز، قيمة جمارك باهظة على الهدايا البسيطة التي تأخذها لأهلها وذويها.
يبحث أحد الرجال عن حذائه الذي يتأخر كثيرا حتى يخرج من فتحة غرفة التفتيش، وأخيراً يشاهده متقدماً نحوه على قشاط الأمتعة المتحرك، وهو مربوط بعقاله الأسود! ينكمش وتتقزم هيئته ويلتقطهما بكرامة ذابلة ولكنه لا يناقش مسألة العقال، شرف العرب المربوط بالحذاء!
يصدر صوت غناء من مذياع قريب:(أشكي لمين الهوى والكل عُذّالي؟ أضحك لهم، والبكا غالب على حالي!)
يصل المسافرون إلى إرهاق لا يستطيعون معه أن يناقشوا، أو يعارضوا، أو حتى أن ينطقوا بكلمة واحدة غير :
“أمرك يا خواجه!””حاضر!” ” مفهوم!” “معلوم!” “صحيح!” “فوراً!” “مضبوط!” “كويس!” “ممتاز!” “آسف!” “طيب!” “موافق!” “مرتاح!” ” راضي!” “مبسوط!”..
ويستمر تردد هذه المقولات، حتى يخرجوا من ربقة معتقل الحاجز!
تأخذهم سيارة أجرة، من الحدود إلى معسكر الحصار، وسائق سيارة الأجرة رجل خمسيني أصلع، كث الشعر الأشيب المحتشد حول رقبته وتحت أذنيه، وذقنه غير حليق، وملابسه رثّة، وبقايا عينيه مُفَعّصتان. يمضغ الكلام فيتلفه قبل أن يتفوه به، فيشرح لهم خلال الطريق قصة حياته كلها :
” عذاباتنا مع المحتلين من جهة، ومن جهة أخرى مع الناس الذين يدفع بعضهم بعضاً! نحن كالسمك يأكل بعضنا بعضاً، ولكن الاحتلال مثل شبكات بواخر الصيد العملاقة، تشبكنا وتجرفنا جميعاً!”
يثرثر بكلمات مخنوقة كمرجل يغلي ويفور بما فيه من عذابات، بينما أبو مهيوب والبنتان مخدّرون من عناء السفر. يسمعون ولا يعون ما يقوله السائق الذي يواصل كلامه قائلاً: ” كل هذا كوم، وامرأتي وأولادها كوم. المرأة مريضة، وكل يوم تريد أن آخذها إلى طبيب، وأنا لا أملك أجور أطباء، ولا أجور نومها في مستشفى، ففي أحسن الأحوال، أستشير صيدلاني، فيصف لي دواءً، أشتريه لها، وفي معظم الأحوال، أقول لها اغلي ميرمية أو جعدة أو قيصوم واشربيها، فيخف عليك الألم، أو استشيري الداية أم خليل، فالملعونة أم خليل خبيرة بأمراض النساء والتداوي بالأعشاب، ولكن ماذا تنفع الأعشاب، عندما يكون الولد الصغير عنده فشل كلوي بسبب المياه الوسخة التي يتنازلون لنا عنها لنشربها، والولد الأكبر صحته عَفِيّة، هرب وراح مع شباب الانتفاضة، وابنتي الثالثة عروس في التوجيهي، جاءتها رصاصة مطاطية في كتفها، فشلّت نصفها الأيسر، وقعدت في البيت، والرابعة في كلِّية المعلمات، عندها أزمة صدرية لاستنشاقها غازات القنابل المسيلة للدموع! يقولون إن هذه الغازات التي يقذفونها على مدارس البنات ليست مسيلة للدموع فقط، بل تمنع الخَلَف، وإلا لماذا يقذفون هذه القنابل المتخصصة على الطالبات وليس الطلاب؟ مصائب تتراكم فوق مصائب، وكل هذا يقع أخيراً على كاهل الرجل الذي يحمل الأمانة، ويتحمل تداعيات هذه الأسرة!”
ينتبه السائق إلى أن أحداً لا يتحاور معه في حديثه هذا، ولا يعرف أن الكل ذائب بسبب عذابات السفر، فيتابع شكواه قائلاً: “وهذه السيارة أستأجرها من صاحبها بمئتي شيكل يومياً، يأخذها على البارد المستريح، وأنا أركض بسيارته ليل نهار لعلِّي أحصِّل هذا المبلغ، ولكن ما باليد حيلة. ماذا أفعل، فأنا لا أستطيع الالتحاق مع عمال الباطون الذين يعملون في أراضي الثمانية وأربعين، في الأشغال الشاقة، لبناء الفلات للمستوطنين، ولا يعودون إلا في الساعة الحادية عشرة ليلاً. يعودون فقط ليحضروا قوت أولادهم الذين لا يرونهم إلا وهم نائمون، وينامون لهم ساعتين زمن، ثم يقومون ليلحقوا بالطابور الطويل المحتشد منذ الفجر في صراع البقاء. هذا أيام كان هناك تصاريح عمل، وأما اليوم- يا حسرتنا- حتى هذه التصاريح قد ألغيت بسبب الانتفاضة، فقعد العمال وعائلاتهم في بطن الجوع ! صدقوني يا جماعة إنني لم أدفع أجرة البيت منذ ستة أشهر، وصاحب البيت الذي تحمّلَنا مشكوراً، سيطردنا من السكن والسكون، وسوف نلتجىء إلى النوم في المسجد، أو تحت خيمة في الشارع !”
يذكر السائق لهم كل هذا، ويبدو أنه متعود على مثل هذه الثرثرة، ليمضي وقت العمل من جهة، وليفضفض عن قلبه وضيق حياته من جهة ثانية، وليستدر عطفهم في طلب ضِعف الأجرة المتعارف عليها!
لا يتفوه أبو مهيوب، ولا أي من البنتين بكلمة، بل يدفع الرجل كل ما يطلبه السائق، رغم اعتراضات أبو غازي الذي يقف في استقبالهم عند باب الدكان، وبعد الترحيب بهم والقبلات والأحضان، يقول للسائق: “هذه الأجرة التي تطلبها يا رجل مضاعفة!” ولكن أبو مهيوب يدفع بالتي هي أحسن.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق