ثقافة المقال

صناعة الأوهام

بقلم د ميسون حنا /الأردن

الحلم وصناعة الأوهام يتيحان لنا المجال لنتوسع بأفكارنا ، وتتشعب آمالنا وطموحاتنا ونصعد قمم الجبال ، وإن شئنا ارتفعنا للسماوات العلى ، ونشعر بالظفر ونبدو قانعين ، راضين ، ونأبى أن نصحو لئلاّ نرتطم بعتبة الحقيقة ، لكن الواقع يجذبنا نحوه ، ويصب على رأسنا دلو ماء بارد فندرك أننا لم نبرح مكاننا ، وأن ديوننا تكبلنا ، وعجزنا يقزمنا ، وهزائمنا تكسر عنفواننا ، لكننا برغم ذلك نرفع رؤوسنا ونأبى أن ننحني بذل أمام أقدارنا ، ونتمسك بكرامتنا ونتغنى بمجد أجدادنا ، ونحن نعلم في قرارة أنفسنا أن أجدادنا مروا بظروف مماثلة لما نمر به الآن وكانوا مغلوبين على أمرهم ، لكننا نتغاضى عن ذلك ونرسم لهم صورا برّاقة ونلبسهم أثواب البطولة والعزة والكرامة ، ونمجد صورهم التي رسمناها لهم بإتقان المتعطش للحرية ، الجائع لحفظ كرامته ، المتمرد على الظلم ، فننسب لهم انتصارات وبطولات ثم نلتفت إلى أبنائنا ونأسف على هذا الجيل الضائع ، ونصفه بالمياعة والسفاهة والتفاهة ، كما وصَفنا الأسبقون ، ويظهر بيننا من ينتقده بشدة ، ويؤيد انتقاده زمرة من الناس يدعون أنهم المصلحين ، ويحملون راية الإصلاح ، ويتغنون بأمجاد مضت وانقضت ، ولا يكتفون بذلك ، بل يضعون برامجا وخططا ليصلحوا من شأننا فتنشأ الأحزاب ، والجمعيات ، والتجمعات السياسية والفكرية والثقافية ، ونندمج معها متناسين ما نحن فيه من قهر وذل ، ونعيش أحلامنا من خلال هذه النشاطات فيتجدد ثوب الحلم ، ويتسلح بالعلم والمعرفة والفن والجمال ، ولكننا مع ذلك لا زلنا منغمسين مع أحلامنا ، ونتطلع بأمل نحو مستقبل مجهول ، وعندما نأوي إلى فراشنا مساء نكون قد هيّأنا أنفسنا لأحلام تمدنا بالطاقة والعزيمة ، وتسير الأيام ولكن ليس بوتيرة واحدة فنحن نتقلب حسب المعطيات حولنا ، ونتناغم مع مستجداتنا فقد تعلمنا المواربة ، وقوّينا مناعتنا ، واكتسبنا ليونة تجعلنا نواجه الظلم ولا ننكسر ، ولم تعد تجرحنا النكبات فأحاسيسنا تخدرت بفعل الإدمان ، وإن كنا نتألم أحيانا ، لكننا نتناسى الألم وأخيرا ننغمس باحتياجاتنا الآنية ، ونلتفت إلى رغيف الخبز ولقمة العيش وننسى كل شيء آخر .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق