ثقافة المقال

قراءة في نص شعيب حليفي ” في كل مساء أعود إلى قلبي”

شميسة غربي*

حين يرسو المساء على مدائن القلب المُتْعب؛ يعْبُرُ “شعيب” إلى مَشْتَلة الأرواح السّاكنة.. يمنحه العبور سانحةَ اللقاء بالنفحات المتوهّجة في قلب التراب. يُسائلُ عبيرَ الهوية الشامخة؛ وقد فاض به الشوق إلى ِعناقِ الأنْوارِ المُشعّاتِ في عوالم الخُلْد…
الحال؛ ينقله إلى تمثُّلِ الأحِبّة: تتراءى لهُ ظِلالهم في ِمرْآة الوجْدان.. ينْفجِرُ حنين الرّجُل إلى الماضي الجميل، فإذا بهِ يُبْدِعُ جلْسة حوارية؛ تنْسُجُها زفراته المُهْرَقة على القِرْطاس وتنْقُشها ضُلوعُهُ بمِداد العِرْفانية… يَعْبُرُ “شعيب” إلى أزمنة الأصول؛ مسْتلهماً منها حكمة الدُّهور…يستحضر في بداية نصّ الفسْحة؛ وصايا والده، “محمد بن عبد السلام”، حمولةُ العَتَبة؛ تُفْصِحُ عنْ سحر الخيال حين يُخْضِعُهُ الكاتب لمقاصدَ عفْوية، تتحكّمُ فيها الذّائقة الفنية، وتصْهَرُها سلاسةُ اللغة الراقية لَحْظةَ تفْجيرِ الأعْماق؛ بِنِيّةِ الفَضْفَضة الذاتية وما تخلقه مِنْ أجْواءَ شعُورِية، تُحلّقُ بِصاحِبها فوق أفنانِ العشق الكبير.
ما بين أفعال النهي والأمر؛ تجْتاحُ العتبة همومٌ، تتوارى وراء فِكْرٍ بِبُعْدَيْن: أحدُهُما؛ البُعْدُ الإنْسَاني وثانيهِما البُعْد الِاجْتِمَاعي بقناعة مهيبة؛ لا تُزَعْزعُها الراسيات… هو ما ستحمله صيغ النهي المتناثرة في الأسْطرِ الأولى : “لا تكتبْ إلا ما جاء في صحفنا، وما قلناهُ في خاطرنا..” “لا تُجادلْ.. “لا تغفُ ولا تدْنُ.. “. تَلاحُقُ أفْعَال النَّهْي على هذا النحو؛ في مُتوالية خطية قصيرة؛ سيُكسِب المعنى قطعِيَتَهُ ويُلْزِمُهُ بعَدمِ التّجَاوُز إلى ما سواه. يتعزّزُ هذا الطرح؛ حين يعمد الكاتب إلى توظيف الصيغة المعاكسة/ صيغة الأمر الدالة على الوجوب: “إذا نفد مِنْكَ وَحْيُنا؛ فاصْمُتْ.. ” ” إرْفعْ رَأسك، واكتُبْ سِرّك، ودُقَّ الأوْتاد.. أكتُبْ ما لا يُكتَبْ ” هي دلالات متقاطعة؛ تصُبُّ كلّهَا في سياق الوَعْي المُتحرِّر الذي لا تُرْبِكُه جبَرُوتُ الآخر.. تنْتهي العتبة بِأمْرٍ؛ ولكن بمقْصِديةٍ أخرى وبدلالةٍ أعْلى.. فعْلُ أمر جديد؛ له مِنَ الدلالة ما يرْفعُه إلى مقام سُلطة الرُّوح: ” إذا فقدْتَ أمّكَ؛ فَاغتربْ..” من هذه السلطة؛ سينطلقُ الحوار؛ ِلتترَاسَل عبْرهُ الحواس في العتبة المُوَالية؛ على شكلِ حَديثٍ بيْن زَمَنٍ وَلّى وزَمَنٍ مَعِيش؛ يُحِسّ مُبْدِعُهُ بحُرْقة الفقد: ” في كلِّ مساء؛ أعود إلى قلبي، أفتّشُ عنكِ…” العودة ها هنا؛ ستفتح سبيل الذكرى، لتتعمّقَ دلالة الِاعْتراف بِنكهة الحياة الأوّلى: ” لم أفقدْ مذاق حَليبكِ على مرِّ كل هذا الزمان، أرْتوي منهُ كلما عطشتُ، وأقتاتُ كلما جُعْتُ. كأنّهُ نهرٌ في داخلي وأنا تُراب..” تتدرّج الحواس؛ بعد هذه المناجاة؛ ِليُفْتَحَ بابُ المُساءَلة:
” مساء الخير أمّي، كيْف أنْتِ في وحْدتِك ؟ أقولُ لكِ.”
” بلْ؛ كيف أنتَ… أمَازِلْتَ حَزيناً بعْدَما ترَكْتك ؟ تقولينَ لي.”
“لا تهْتَمِّي أمّي لِأْمْري. أسْتطيعُ أنْ أخبِّئَ جُرُوحي ِفي جُيوبي الخَلْفية وأُوَاصِل..”
” كنتُ في كلِّ صلاة؛ وفي كل الأوقات؛ أدعو اللهَ أنْ يأخذني قبْلَكُمْ، كنتُ أفكّر في نفسي كيْ لا أتعذّبَ بعْدَكم، ولكنّي سَهَوْتُ يا بنيّ؛ أنّي تركتك وحيداً.”
” كنتُ بدوري؛ أدعو اللهَ أن يُبْقيكِ ويأخذني إليْهِ، هاهو قدِ استجابَ لكِ وحدكِ، ألمْ أقلْ إنّكِ ولية ربّي.. دعواتُكِ يُسْتجاب لها، وما حُزْني إلا أنّكِ وحيدة هناك..”
” لستُ وحيدة؛ عُدْتُ تحت حكم والدِكَ، محمد بن عبد السلام، في رياضٍ واسع، نعبد الله ونتحدّثُ عنكم “
” ما قال لكِ بويا ؟ “
” قال إنكَ صرتَ شرِساً بعد غيابه، فاقِداً لِصبْرِك الذي علّمَكَ أسراره. “
” لا تهتمي أمي، ذلك من آثار الزمن.. مات بويا؛ فعُدْتُ إلى وصايا جدّي عبد السلام الذي حارب في الشاوية (…) وأنا في كلّ حياتي لا أكتبُ إلا عن تلك المساحة التي أغفلها المؤرّخون وعن ذلك الصمت الشامخ. لماذا لم يفهموا أنني غير معني بالكتابة عن شيء آخر؛ خارج هذه الرقعة وهؤلاء الذين هم شجرة أنسابي..”
تسري في بنية الحوار عفوية “الحميمية” المُنْبِئة عن توَاصُلِ الأزْمِنَة فيما بيْنَها. توَاصُلٌ تخْتصِرُ دلالتُهُ؛ هيْبَة المَرْجِعية، وجَاهِزِيَة الِامْتِثالِ لِطقوسها متى وَجَبَ ذلك. وما بدَأتْهُ الأصُول؛ ستسيرُ على درْبه الفُروع، وستُحارب من أجله… إنّها الِاحْتفالية بِجَوْهَرِ السّلالة؛ في معظم كتابات الأستاذ شُعيب.
تتخلل تراسليةَ الحوار؛ وجهاتُ نظر؛ تُلخّص في مجملها؛ الِاعْتقاد الراسخ بِعالم النبوءة ومكاشفة أسرارالأحلام وانعكاسها على الواقع، وما سينْشأ من مُجابهاتٍ؛ تفْرِضُها التحوُّلات الصّادِمَة في حرَكية الأزْمِنَة:
” نولَدُ زبيباً ونوراً، فيجعلنا الزمن علْقَماً وظلاماً. نَصارع كل هذه الحياة لِنحْمِي جوْهَرَنا الأوّل..”
” لماذا بدأتَ تفقد صْبرك؟ كنْ رحيماً وحذِراً…”
” ليتني كنتُ حكيماً وأمّياً مثلكِ. ليتني كنتُ مثلَ بويا؛ فارِساً وأمِّياً.”
” لا تكن حزيناً، لا تكن عنيفاً وقاسياً، فتختفي منك تلك الرحمة التي زرعتها فيك. “
وبمعزوفة الأمل؛ يختم المبدع حوار الأزمنة؛ بمناجاة الطيف العزيز؛ فتأتي المُناشدة جِسْراً لِاحْتِواء الدلالة الأعمق؛ الدّلالة “الأمّ” والتي من أجلها؛ نسج الكاتب النص / الفسحة:
” … ليتَ جنّتنا؛ تكون شاوية بطيورها اللعوب، التي تُحلّقُ عالياً، لتنظر إليّ محدقة بعيونها المسطرة بكحل شغوف (.. ) بنوايانا وأولى الكلمات والقبلات والأخطاء والضحكات والدموع والخطوات..”
يقينٌ أخير؛ يرْسو بالكاتب على مرْفإ الحقيقة القاهرة؛ بعد فقْدِهِ للأصول؛ ها هو يعود إلى ذاته؛ ليُفْصح: ” لمْ تكتشفْ طول حياتك؛ أنّكَ هشٌّ مثل فراشة في سماء بيضاء ساكنة (… ) وقدْ أحْسسْتَ أنَّ الدَّهرَ قدْ شقّكَ إلى نِصْفَيْنِ بضرْبةٍ واحدة.”

*سيدي بلعباس/ الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق