قراءات ودراسات

تطور علم التاريخ في الحضارة الإسلامية

محمود رفعت الحلو*

مقدمة: لاريب أن علم التاريخ بدأ مع بداية وجود المجتمع الأنساني نفسة منذ بدأ الأنسان يسجل مظاهر حياتة بشكل أو بأخر، مبتكرا بذلك مجالا جديدا لمعرفة الأنسان بذاتة ولا شك أن هذا النمط المعرفي قد جاء تلبية لحاجات اجتماعية فرضت نفسها منذ البداية علي الجماعات الأنسانية، ومن ثم من الجائز أن نقرر أن للتاريخ وظيفة اجتماعية من حيث أنة يلبي حاجة الجماعة البشرية الي معرفة ذاتها.
تعريف علم التاريخ:
قد جاء في تعريف علم التاريخ أنة معرفة أحوال الطوائف وبلدانهم ورسومهم وعادتهم وصنائع أشخاصهم وأنسابهم ووفياتهم، الي غير ذلك وموضوعة أحوال الأشخاص الماضية من الأنبياء والأولياء والعلماء والحكماء والملوك والشعراء وغيرهم ، والغرض من علم التاريخ الوقوف علي الأحوال الماضية ، وفائدتة العبرة بتلك الأحوال والتنصح بها وحصول ملكة التجارب لالوقوف علي تقلبات الزمن ليحترز من تقلبات وعدم تكرار أخطاء الماضي وكذلك يسجلب نظائرها من المنافع وهذا العلم يفيدنا لتخطيط للمستقبل.
وصف علم التاريخ:
اتصف علم التاريخ الأسلامي بالأصالة والاستقلال ، لنشةئة من داخل المجتمع الأسلامي تلبية لحاجات هذا المجتمع وأغراضة ولم يكن التاريخ الأسلامي ظلا لما عند الأخرين اقتباسا لأعمالهم التاريخية وافكارهم عنة كما كان تلبية لشعور المؤرخين الديني ومتمما للعلوم الدينية وكان التقويم الهجري الأساس الذي اتخذة التاريخ الأسلامي في تسجيل احداثة وتحديد أزمانة.
الدراسات التاريخية:
بدات الدراسات التاريخية الأسلامية حيث قامت في البداية علي سيرة الرسول وأخبار غزواتة ومن اشترك فيها من الصحابة وتسجيل أخبار هجرة المسلمين الأوائل الي الحبشة ثم المدينة المنورة وكانت مكة والمدينة المركز الرئيسي لنشاط هذة الحركة التاريخية وكان المؤرخون يعتمدون علي الروايات الشفهية كما كان يفعل المحدثون ، وبهذا تعد كتب المغازي والسيرة أقدم الكتب التاريخية التي تجمع بين الحديث والتاريخ ، وكان سبب الأهتمام هو أهتمام المسلمين بأقوال الرسول وأفعالة للاهتداء بها والأعتماد عليها.
علماء التاريخ الأسلامي:
كان من اشهر علماء التاريخ الأسلامي ابان بن عثمان بن عفان ، ومحمد بن شهاب الزهري ، وابن اسحاق ، واعوانة بن الحكم الكلبي ، ويوسف بن عمر الكوفي ، والمدائني الذي يعد من أهم الاخبارين وذلك الاعتمادة علي كثير من الاسناد في الحديث اكثر من غيرة واتباع اسلوب المحدثين في نقد الروايات وتمحيصها وتنظيمها.
مناهج الكتابة التاريخية:
كتب السيرة النبوية:
حيث دفع اهتمام المسلمين باقوال الرسول وافعالة الاهتداء بها والاعتماد عليها في التشريع الاسلامي والنظم الأدارية الكتاب الي التصنيف في سيرة الرسول ويمكن تقسيم رواة السيرة الي ثلاث طبقات الاولي من ابرز رجالها عروة بن الزبير بن العوام ، وابان بن عثمان ، وشرحبيل بن سعد ، والطبقة الثانية محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ويعد من ابرز وأعظم مؤرخي سيرة الرسول ، اما الطبقة الثالثة فمن اشهر رجالها محمد بن اسحاق وتنسب الية اقدم كتب السيرة التي وصلتنا في سيرة الرسول علية افضل الصلاة والسلام.
كتب الطبقات:
عرفت الثقافة التاريخية الأسلامية منذ وقت مبكر كتب الطبقات وهي تلك التي تتعلق بتدوين الحديث الشريف وتوثيقة فادي ذلك الي النظر في اسانيد الحديث وأحوال الرواة ومن ثم ولادة فكر الطبقات نفسها.
كتب التراجم:
وهي مصنفات تعرض لسير حياة المشاهير من الناس التي تجمعهم صفة الشهرة وفي مجال تخصصهم وبشكل موسوعي وتتناول الأدباء والعلماء والقادة والخلفاء واشهرها “معجم الأدباء” لياقوت الحموي ، “اسد الغابة في معرفة الصحابة” لابن الاثير ، “وفيات الأعيان” لاحمد بن ابراهيم بن خلكان ، ومن اشهر كتب التراجم “فوات الوفيات” لابن شاكر الكتبي.
كتب الفتوح:
وهي التي اهتمت بفتوح الأمصار والبلدان مثل كتاب “فتوح مصر” وكتاب “فتح المغرب والاندلس” لابن عبد الحكم 257 هجريا وكتاب ” فتوح البلدان” للبلاذري وكتاب “فتوح الشام ” للواقدي.
كتب الأنساب:
وتهتم بأنساب العرب وأصولهم وقد كان للعرب ولع خاص بهذا العلم ، نظرا للعصبية القبلية التي كانت متأصلة فيهم قبل الاسلام وكان من اشهر النسابين محد بن السائب الكلبي صاحب كتاب “جمهرة النسب” ومصعب الزبيري مؤلف كتاب ” نسب قريش” ، وهناك ايضا كتاب ” جمهرة أنساب العرب ” لابن حزم الأندلسي.
التواريخ المحلية:
وهي المصنفات التاريخية التي كرست لتاريخ بلد معين بكثير من التفاصيل ومن أشهرها كتاب “ولاة مصر وقضاتها” لابن عمر الكندي ، “وكتاب تاريخ بغداد” للخطيب البغدادي ، وكتاب “تاريخ دمشق” لعلي بن حسن العساكر ويقع الكتاب في ثمانين مجلدا وكتاب “البيان المغرب في أخبار المغرب” لابن عذاري ، وكتاب ” النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة” لجمال الدين يوسف بن تغري بردي في سنة 874 هجريا.

كتب التواريخ العامة:
توسعت اهتمام المؤرخين فنشأت الي جانب السير والتراجم مؤلفات أرحب واوسع وأشمل يطلق عليها كتب التواريخ العامة ، وهي التي تعني بكتابة التاريخ مسلسلا وفق تعاقب السنين ويسجل فيها المؤرخ تاريخ البشرية منذ بدء الخليقة ، مرورا بالرسالات السماوية قبل الأسلام كذلك التاريخ الجاهلي، وعصر النبي والخلفاء الراشدين الي التواريخ الأسلامية الاحقة.
الكتابة التاريخية:
وهناك صور اخري من صور الكتابة التاريخية التي أوصلها بعض المؤرخين الي نحو من الف نوع من أنواع الكتابة التاريخية وذكر العالم الذهبي اربعين نوعا من الكتابة التاريخية منها السيرة النبوية ، وقصص الأنبياء ، وتاريخ الصحابة ، والخلفاء ، والملوك والدول ، والوزراء ، والامراء ، والفقهاء والقراء والحفاظ والمحدثين والمؤرخين ، والادباء والزهاد والصوفين والقضاء ، وزالولاة والمعلمين ، والاطباء والفلاسفة.
اسباب نضح علم التاريخ الأسلامي:
كان وراء نضج علم التاريخ الاسلامي عند العرب والمسلمين عدة عوامل وهي ، دراسات المحدثين وتنميتهم النقدية في لتعريف اصول الحديث الشريف وكذلك ظهور الفتوحات الأسلامية ومانجم عنها من احتكاك بشعوب مختلفة لها تاريخها وحضاراتها مما دفع المؤرخين العرب الي استطلاع أمورها ومدوناتها التاريخية ، وكذلك تكامل أطر الدولة العربية الأسلامية وتنوع دواوينها ووفرة ثقافتها ووثائقها التي هي مصدر جوهري للتاريخ الأسلامي ، وكذلك التنافس والصراع السياسي الأدبي بين العرب والموالي ، وكذلك تشجيع الخلفاء والأمراءوالسلاطين ورجال الحكم بصفة عامة في المشرق العربي والمغرب والأندلس بل توظيف مؤرخين رسمين للدولة ، وكذلك ظهور حركة الترجمة عن الغات الاجننبية كالفارسية واليونانية والسيريانية وترجمتها الي العربية ، وظهور النهضة الفكرية التي شهدها العصر العباسي بارتقاء العلوم الدينية والغوية ، وكذلك ظهور المؤسسات والمكتبات العامة مثل مكتبة بيت الحكمة في بغداد ، وكذلك تطور تقنيات الكتابة وتوافر وسائل التدوين ، وتوافر الورق بعد أن تعرف العرب علي صناعة الورق في القرن الثاني الهجري وكذلك وفرة النساخين المثقفين.
خاتمة:
ليست الحضارة الأسلامية مجرد حلقة من حلقات التاريخ الأنساني وليست الأسهامات الأسلامية مجرد اضافات الي حضارات الدنيا حيث أن الحضارة الاسلامية قدمت النموذج الحضاري الذي يجب أن يحتذي بة من العالم اجمع ، وابرز مافي هذا المقال هي زيادة اهمية الكتابة في هذا الموضوع من الهجمة الشرسة الموجهة الي الأسلام والمسلمين ووصفهم بالجمود والهمجية حيث أن العالم الغربي ينكر تطور حضارة المسلمين ،وانما هي حضارة يتحتم علي العالم أن يعرفها بل أن يدرسها.

المراجع:
1- ماذا قدم المسلمون للعالم ، تأليف راغب السرجاني.
2- الرؤية الحضارية للتاريخ ، تأليف قاسم عبدة قاسم.
3- العبر وديوان المبتدا والخبر ، تأليف ابن خلدون.
4- فجر الأسلام ، تأليف احمد أمين.
5- تاريخ الحضارة الأسلامية في العصور الوسطي ، تأليف عبد المنعم ماجد.
6- سير اعلام النبلاء ، تأليف الذهبي.
7- تهذيب التهذيب ، تأليف ابن حجر.
8- شذرات الذهب ، تأليف الأصفهاني.
9- معجم الأدباء ، تأليف يا قوت الحموي.
10-الأعلام ، تأليف الزركلي.
المواقع:
موقع تاريخ ألأسلام اشراف الدكتور راغب السرجاني.

 
 
*باحث في التاريخ والتراث
 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق