قراءات ودراسات

فضاءٌ لا يُرى إلّا من رؤاهُ يُطلُّ عليه.

ديوان الشاعر باسل عبد العال " لا أطلُّ على أحد"

عبد الفتاح عبد العال*

في مُطلقٍ مفعمٍ بالشعرِ واضحٍ بأصالةِ التكوين من حيثُ المكان المُستبين برؤيا النَّفسِ النضّاحةِ بالإلهامِ متى شاءَ شاعِرُنا باسل عبد العال، يَنطلقُ الحِبرُ بما يُفضي إلى ما لا نرى من أحدٍ سواهُ، يَطلُّ على ما لا يُرى سِواهُ من النظرةِ الأُولى، بصورتهِ التي ارتسمت بحالةِ “النَّرسيس” في مضمونِ البعثِ المتوقّدِ في ماءٍ معرفيٍّ يُشيرُ إلى الدَّلالةِ مِن فضاءِ روحهِ، ليستيقظَ الوقتُ، من لحظاتِ الشوقِ المُتفرّدِ في رؤياهُ فيما يُصبحُ بُعداً أكيداً لتعلاّتِ البقاءِ على خُطاهُ المثيرةِ للاعتقاد بأنَّ باسل عبد العال في هذا المجال، يميّزهُ المجاز الرشيق بساعدِ مُبتداهُ ومُنتهاهُ، هُنا العلاقةُ بينهُ والإداءِ، تجعلهُ مطمئنّاً جيّداً بما يخطُّ من الهواءِ الحادِّ في أصولِ الخُلقِ بالمعنى والحياةِ التي تسيرُ على هواهُ بكلِّ صراحةٍ يسكُبها بكلِّ قصيدةٍ، بل بكلِّ صورةٍ أو حتّى كلمةٍ ينبضها بحروفِ هواجسهِ التي دخلت رحلةُ التجسيد في فصل الحقيقة، مُذ بدأت جوارحها بأنفاسِ الخيال الذي يدبُّ على أرضِ الكلامِ بكلِّ تأكيدٍ بجملةِ الشاعرِ الذي يبدو أنّهُ يرى ما يريدُ …
من أوَّل القولِ شعراً، يقولُ:
لِماذا نسمّي الخُرافة شعراً؟
لكي نطحن القمحَ/ قمحَ الحقيقةِ خبزاً
وتفتحُ أنثى بكلتي يديها الصّباحَ الخفيفْ،
شعورٌ لا يوصفُ هذا الذي يحملنا فيه الشاعر ويأخُذُنا في مدارهِ مُشبعين بنعمةِ التعبير إلى أقصاهُ لنعودَ إلى أنفسنا مثل الصباح الخفيف، مشرقين كوجنةِ أنثى، وما إلى هُنالك من بواطنِ البحرِ الشاسعِ من ما وراءِ ما يسمرُ إليهِ، شعراً.. يتابع:
لماذا نُسمّي الربابةَ شعراً؟
لكي نرقُص التانغو مع خصرِ تفعيلةِ البحرِ
ننسى سلامةَ أحلامنا والخريفْ،
وضوحٌ يجمعُ بين السهلِ والممتنعِ فيما يقنعُ الوصفَ بما يحقُّ لهُ أن يصولَ بلا مماطلةٍ استعراضيّةٍ في التوقِ إلى الوصولِ لغايةِ البيانِ بسحرِ المقارنةِ البديهيّةِ فيما بيننا القارئ الراقصُ التانغو مع خصر تفعيلةِ البحرِ، لننتهي في طقوسِ الحفيف.
وفيما لا يستطيعُ من التوجُّسِ نشوةً كبرى تفيضُ بها الصلةُ النازفةِ بنهايةِ الأمرِ، لأنّهُ لم نعدْ نستطيعُ احتمال الوقعِ من هذا العلوِّ الوقيدِ بذروةِ اللفظِ، يقولُ:
لماذا لماذا نُسمّيكَ؟
خفّف علينا،
وسامحْ ضحايا النجوم التي سقطت
من علوٍّ مخيف.
يا لهذا المدى المحضونِ بالمقدرةِ على تسجيةِ الشعرِ ليضحي العالمُ الكّلي في مرمى الشاعر المبعوثِ منهُ، المحسوسِ بصرفِ اريحيّتهِ الفريدةِ من جهاتِ الرؤيا التي لا تنطبقُ إلا على نظراتهِ، ليتمكن منها ولها في كلِّ منحى من مناحي الصفعاتِ الغزيرةِ بالفكرةِ المُتشبثةِ بموضوعِ الخلودِ الذي لا ينشقُّ عن الولادةِ في مصير الشاعر المتجدّدِ في شذورِ الأسفارِ التي لا تنطفي بثقافتهِ الغرّاءِ والتي تجرّدُ انطباعاتهِ في الترابِ على أثرهِ وآثاره، فمن قصيدتهِ ” الزعتر الأخير” التي استقرأ منها ما يرى من روايةِ والدهِ الروائي مروان عبد العال ” الزعتر الأخير”، يقول في القصيدة:
تعبتَ ولكنَّ الروايةِ ها هُنا
مجاز الكلام الآن يحصدُ سُنبلة،
وميلادُ جفرا حين كانت تسيرُ في
بلادي وتروي سيرة الطين جُلجلة،
وخذ بيدي فالموجُ يصعدُ هائجاً
إلى جهةِ المجهولِ يَترُكُ مسألة.
من هُنا يفضي لمجملِ الإشراقِ من مآقي الطين، يُمتِّعُنا بمكنونِ الهوى الأبديِّ، بل الأزلي بسفرِ الكلام وأبجديّتهِ الآدميّة، حين تروي صحيفة روحهِ عشقاً لا ينتهي بمدى بلاغتهِ التي استاقها من الأعلى بنفس الماء عوداً إلى أوّل العقيدة، في المطلع المؤدّي إلى النبعِ، يتابع:
هو الوحيُ يأتي للقصيدةِ حافياً
فهل أنت قربي هاهُنا كي أُعدّلهْ
أبي كم من الوقتِ السريعِ أُريدهُ
لكي لا أرى الأحلامَ تهبطُ أسفلهْ.
ومن ها هُنا القريبُ من أبيهِ وابن أبيهِ المتشدِّدُ في استحضارِ الحسِّ الفوقيِّ ينطلقُ الواجدُ لهذا الإلمامِ المُلهمِ بعيداً عن الحشو المربكِ يمضي بنا إلى كنوزهِ المفروشةِ على قدسِ الأكوانِ لنغرق في اللمعانِ الذي لا ينضبُ ولا يملُّ منهُ، بلا فراغٍ في القُوى، يحشو مسامعنا بألوان المعين المستوي على جوديِّ البقاء كالفُلكِ، بعد طوفانٍ من الجماليّاتِ، وما عليها من الصعودِ ومن الهبوطِ ومن البعيدِ ومن القريبِ، ومن الوصولِ إلى قرارة ما بدى لا يطلُّ على أحدٍ وإن كان كلُّ المقتضي يطلُّ عليه.
ففي قصيدتهِ التي يحملها الكتابُ عنواناً، يكمًنُ الحسُّ الرفيعُ بسيرتهِ الشعرية بأبهى طلّةٍ يغمُرُنا فيها البارع في السردِ الخفيفِ الظلِّ بما لا يدعِ مجالاً للشكِّ بقدرتهِ على صياغةِ أفكارهِ بأسلوبٍ روائيٍّ فريدٍ يشهقُ في ابتكارٍ لا يوصفُ والتعبير عن دلالات جواهُ، بمردودِ صداهُ الذي لا يعودُ لهُ، بالشكلِ والشيءِ، بالشكلِ يذكرُ في استعاراتِ باسل التي لا تكفُّ عن التوالدِ، من الانطلاق إلى الحياةِ..
إذا حملتْني الطيورُ إلى شَجرٍ
يابسٍ في الزمانِ
كبرتُ ولم أنتبهْ للفوارقِ
بين أنا الأمسُ
بين أنا الآن…
وتكثرُ التفاصيل التي لا تصيبُ بالسأمِ مطلقاً لبراعتها في اقتناصِ الصيغةِ البكرِ في كلِّ روعةٍ،
أهذا الذي في المرايا أنا؟
لو أقولُ كما قال نرسيسُ للماءِ؟
لو أستطيعُ الرجوعَ إليَّ؟
مسارات وضيئة، تعودُ فيهِ إلى الغيبِ ليتضحَ منبعاً لابتكار الروحِ من بكرةِ الشعر، ولا ينتهي المُشتهى أبداً، إذا ما انتهى من فرضِ القصيدة.
أنا الآن لستُ أنا الغدُ
كنتُ قبلتُ الخسارةَ في لعبةِ الحظِّ
ثمَّ اختصرتُ السَّبيلا.

لا تنتهي بك القصيدة في الخاتمة، لتعودَ رغماً عنك إلى الماوراءِ المنتصف، يتابع:

فلستُ أرى النجمَ إلا القصيدةَ مصباحَ روحي إليَّ
تغيّرتُ شُكراً،
نعمْ قد تغيّرْتُ،
قصةُ شَعري وخوفي على المفْرداتِ
وما عدتُ أؤمِنُ أنّ النُّجومَ تسيرُ على الأرضِ
أؤمِنُ أنّ الحروفَ تطيرُ إلى الضوءِ
أؤمِنُ أنّ البحيرةَ أنثى
وليس الأميرُ الجميلُ.
ولا ينتهي هُنا البحث أيضاً، وإن كان مسقطُ رأس القصيد بما يراهُ الشاعر بمنطقِ راحته العميقة في احتواء النفس البشرية بالمطلقِ من خلالِ ايمانهِ، ويقين شغافهِ ليكملَ ما بدء في الحصولِ عليهِ من النُّهى..
وأؤِمنُ أنّي إذا قد نسيتُ تذكّرتُ جرحاً قديماً
وأؤمنُ أنّ التفاصيلَ تلك التي تركتْني صغيراً
نمتْ زعفراناً وَصارت
. قصيدةَ هذي القصيدةَ
وَكأنّها الخاتمة بدأت … بدأت هُنا، مع أنّها متصلة في الصِّلاتِ إلى المزيد من البيان اللوتسي الذي يحبُّ الوقوع على الماء… في كلِّ مدى من رحلةِ الشاعر في الشعر.
هذا الذي لا يمكن لنا أن نفيهِ حقّهُ في قلب وروحٍ وعقل باسل المتفرّدِ بهذه الأقانيم الثلاثة بكلِّ جدارةٍ وحرارةٍ، وسلاسةٍ، وسهولةٍ لا تعترضُ على فصولِ القضاء.

*كاتب وشاعر فلسطيني
 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق