قراءات ودراسات

الفلسفة كحالة انسانية

عبدالقادر الهلالي

عندما نقرأ بسرعة أو بطء أكثر من اللازم لا نفهم شيئا. بليز باسكال

لنبدأ الكلام بهذه المقولة العزيزة على فاتزلافيك paul watzlawick صاحب “منطق للتواصل” (une logique de la communication) كن عفويا فعل أمر لا يجوز، قولة لا تختلف  من حيث القيمة عن التي قالها بن عربي في وقته: ما لا يؤنث لا يعول عليه، وأحافظ على القيمة نفسها عندما أقول مثلا: «je n’ vais pas bien. كل واحد يبحث عن القيمة الاصلية.

إذا طبيبك النفسي يأمرك مثلا: كن تلقائيا في تصرفاتك، أواجه نفس المشكل العويص كلما فقدت نظاراتي الطبيّة : يجب أن أجدها أولا قبل أن أبحث عنها، ما يسمى في لغط المناطقة: معضلة أو مأزقا فلسفيا أي مشكلا من غير حل و بالأحرى مشكلا غير قابل للحل لنقل باختصار : ليس هناك مشكل أصلا. المشاكل التي يثيرها الفلاسفة المحترفون منذ بدأت الفلسفة تُدَرَّسُ  ليست مشكلاتي الفلسفية. ليست عندي أنا مشكلة مع الفلسفة، أنا أعيش حالة فلسفية فقط وأعاني بعض الصعوبات في ترتيب ما هو قيمة عندي، دائما أشبه القيمة الاساسية بمثال الدمية الروسية المشهور. نظام القيم مثل لعبة الدمى الروسية (ماتريوشكا) حيث تتداخل القيم في بعضها بحيث أن القيمة التي نخلعها (قيمة ثانوية) تظهر من تحتها قيمة أخرى أصغر منها وهكذا حتى نصل إلى القيمة الأصلية، نخلع من القيم الثانوية و نخلع على القيمة الأصلية.

ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (أو يغيروا ما بقيمهم

إن الله لا يغير الناس ولكن يغير قيمهم، نتحدث هنا عن قيمة أساسية: الانسان لا يهتم بالأشياء إلا للقيمة التي يودعها في هذه الاشياء، التقييم عمل أساسي في حياة الناس، ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا  قيمهم (وأولها القيمة الجنسية أوالجنوسية[1]).

فيلسوف تلقائي مثلي، لا يريد أن يتكلم فلسفة و لذلك لا يدعي أنه يعرف كل المتون الفلسفية التي أبدعها الآخرون، لا يدعي لنفسه أستاذية بأي معنى (فلسفتي فلسفة ممانعة ضد كل ماهو مدرسي وأولها الأستاذية)، و ما قرأت لا يخولني أن أكون شارحا أو محللا أو ناقدا، لا أحتاج إلى هذا العلم كله لأقوم  بنشاط إنساني أولي بسيط مارسه الإنسان بأشكال مختلفة منذ قرر أن يكون “حيوانا شيطانياhomoerraticus” أليست الفلسفة أولا حالة إنسانية

الفلسفة درجة صفر

في روايته يبدأ ألبير كامي روايته المشهورة الغريب (L’étranger)  بالجملة الآتية: (Aujourd’hui ma mère est morte) “اليوم توفيت أمي “،  بلا بلاغة، الشفافية والوضوح، يتحدث الناقد هنا عن التطابق بين الدال والمدلول، بين الفكر واللغة(الفكر= اللغة)، لغة حيادية، غريبة، وهذه الغربة أي غربة الأدب تعبر عن غربة الإنسان، في السلوك، في الرؤية ..ولدت في اللحظة الموالية أو اللحظة التي سبقت. الكتابة في درجة الصفر. هل بهذا المعنى يتحدث

رولان بارت، في”درجة الصفر للكتابة” ليميز بين اللغة –استعمال لسان معطى- ، ثم الأسلوب. وظيفة الكتابة لا تكمن فقط في التواصل أو التعبير، لكنها تؤسس لما بعد اللغة: بعد اللغة يبدأ التاريخ، و… أشياء اخرى، نحن الآن في مستوى يختلف عن التواصل والتعبير و والكتابة هي أيضا،  هذا العالم المضمر، الذي يدل سرا أبعد من المعنى الحرفي والقواعد التركيبية ،

يقول بارت على صواب : (لا توجد لغة تكتب بدون إعلانات). بيد أن الإعلان، الذي يتكلم عنه ذو طابع تاريخي يخرج ثانية من السوسيولوجيا وكل ما سميناه لهجة ،كي نميزه عن الأسلوب الذي يصنع مجراه بصيغة أكثر عمقا.

اما اذا كانت درجة الصفر تهم الحالة الانسانية، بأبعادها النفسية، الفكرية…الخ،  نتحدث عن الحالة الفلسفية في درجة الصفر، أنا عندما أتفلسف في اللحظة صفر، اللحظة تضع الفلسفة بين الأقواس، لتعزلها عن الفلسفة، تاريخ الفلسفة لا علاقة له بالفلسفة، عمل الناقد الذي يشتغل على الفلسفة يسير من غير فلسفة، الناقد من حقه أن يفتح الأقواس أو يعلقها حسب حاجته (توجد خارج الفلسفة)، لذلك اهتم النقاد بشكل خاص بتاريخ الفلسفة وفلسفة التاريخ ونسوا أن الفلسفة حالة تسكن دواخلنا، عناء يقابله عناء وليس يقابله الراحة ، الفلسفة ليست نشاطا نستريح منها بين الفترة و الأخرى، الفلسفة قبل أن تكون فعلا يحرك ما هو ساكن في زمننا النفسي أو الزمن المستحيل، الفلسفة هي فعل اللحظة ذاتها، هل يمكن أن نتصور أن فيلسوفا يقول: سأتوقف الآن عن التفلسف، وكأن الفلسفة مشروع قابل للإرجاء. الفلسفة فعل تلقائي. الوجود مشروع (مصطلح وجودي نقي) ولكنه مشروع من غير تخطيط مسبق (تحضير الاجراءات)، ومن غير قرار (تحديد الاجراءات) اتُّخِدَ من قبل، لأن هذه الاجراءات لا تظهر إلا عند التنفيذ، المشروع لا يوجد إلا عندما يظهر، يُنَفَّدُ ويَنْفُذُ (ينتهي في نفس اللحظة،)، ووجوده يتحقق ويكتمل عندما نصل الى الاجراء النهائي. نسميه مشروعا كما قد نسميه برنامجا. كلها أوهام مفيدة لنتمثل ما هو موجود وقبل أن يوجد.

الفلسفة نصرفها على أفعال الحالة

افعال الحالة  : verbes d’état في اللغة العربية ما يقابل فعل الكينونة être الذي هو مصدر أساسي لكل المشتقات اللغوية الوجودية، هو فعل “كان” ومنه اشتققنا : الكينونة والكائن والكون وجمعها الأكوان ولا يقف الاشتقاق عند حد، ولكن حين يُصَرِّفُ الفرنسي وأبناء عمه الأصل : devenir الذي يسمح بتمرين بسيط في تصريف الأفعال، أجد نفسي أنا الذي أقول للناس بتكبر لا مزيد عليه : الأرض بتكلم عربي، لا أستطيع أن أفهم في كلام الأرض المزعوم فَلْسَفَةً، أرجع إلى نفسي صاغرا وأتلعثم في الكلام، علامة من علامات أن هذا الكلام فيه تكلف، التلعثم يجعلني أثق أكثر في المتلعثم، التواضع يعبر عن نفسه متلعثما أَبْلَغَ من التواضع الفصيح، هل يمكن لحرف بسيط نستعمله عادة لإرجاء فعل ما، حرف السين عندما نقول مثلا س (نفعل) أن يسعفنا هنا فنقول (سيكون)، فعل الحالة (verbe d’état être ) المستقل بذاته، في كل الفلسفات الوجودية العالمية، فعل فيه التباس (هو أصل كل تفلسف)، في اللغة العربية لا يكفي الالتباس البسيط، ونزيد التباسا مركبا، حين نقول (سيكون) نضيف مفهوم الإرجاء على حرف السين، كغريق يتشبث بغريق آخر، العربي لا يعبر عن وجوديته إلا حين يفكر بلغة أخرى. سارتر وكامي كانوا فرنسيين من غير صدفة، الوجودية العربية مثلا هي تفلسف عن طريق الترجمة  فقط،  العرب الفرانكفونيين هم الوجوديون العرب بامتياز، لا اجرأ أن أقول  وجوديون بالترجمة، حتى لا أتناقض مع نفسي. ألم أقل ان الفلسفة أولا حالة انسانية، هل تكفي أفال الحالة الفرنسية مثلا لنصنع حالة فلسفية؟

نحتاج الى أفعال حالة أخرى، ليس من الضروري أن ننضبط لسلطة فقهاء اللغة، يمكن أن نتحرر لغويا فنتذكر لغتنا العربية،  وعلى قياس الافعال “كان وأخواتها” النحويات، سنبتدع عائلة فلسفية نسميها أيضا ” كان وأخواتها “، ونقصد “أفعال الحالة “، وإذا تحدثنا عن الحالة الفلسفية، نصرف بامتياز فعل الحالة “أتفلسف” ، لا حظوا ان التصريف هنا يقبل فقط صيغة واحدة : صيغة المتكلم المفرد .

لست بخير والحمد لله

وسعنا دائرة أفعال الحالة عن الأصل الفرنسي، لنستفد من هذا الاجتهاد على حالات أخرى، ليس من الضروري أن تكون حالات فلسفية. قد تكون حللة نفسية أو اجتماعية، خذ مثلا le verbe aller،  مازلت أفكر في الافعال الفرنسية: هذا الفعل aller، ليعذرني الفرنكفونيون،

Permettez moi tout d’abord de classer Le verbe aller comme un verbe d’état  comme les

verbes être , avoir…ce n’est pas  du français classique , ça va de soi.

فعل “سار” الفرنسي ، سنضمه الى “أفعال الحالة “. عندما أقول مثلا: «je n’ vais pas bien»

نحن الفرانكفونيون، نترجم (عن الفرنسية) قبل ان نفكر بالعربية،يمكن أن أضيف: “والحمد لله “.

أفتونا أيها الفقهاء الفرانكفونيون في هذا الأمر من فضلكم، أما اذا قلنا بالفرنسية «:«je n’ vais pas bien»

و نضيف بالعربية هنا أيضا: “والحمد لله “، هكذا أنا مرة واحدة (et d’un seul coup) أنا أبرم الصلح مع كل الفقهاء، أبدأها مع الفقهاء على سنة السلف الفرنسي الصالح ، ولماذا أخاصم  الفقيه السلفي الذي يحمد الله على كل ما سلف؟

سفير النوايا الحسنة

اذا كان الفرنسيون وأبناء عمومتهم بحتفون بفعل الكائن l’être ، نقارن ذلك بنظيره العربي “كان”: فعل كان ماذا ينقصه؟  ينقصه النية: عندما كنت طفلا وبحت لمعلم العربية بهذه المكنونات النحوية، استخرج أدواته الدوسيمولوجية، وضع صفرا وعلق عليه (وكأن الصفر لا يكتفي بنفسه): تلميذ يدرس علم النحو بنية سيئة، الآن أنا أدافع عن نفسي بعد أكثر من خمسة عقود من الاكتئاب الدوسيمولوجي:  كادت النية الحسنة أن تكون مرادفا دوسيمولوجيا للتصنع، يمكن أن نقف عند تخريجة مختلفة كهذه: في البداية كان …سبقته النية، ولكن النية تأتي في الآخر، تكملة  فعلية ( للفعل كان) الذي كان ناقصا وتسبب لي في سوء تفاهم كبير مع معلم اللغة العربية،

تجربتي مع سوء النية بدأت مبكرا (مع معلم اللغة العربية) تنفع أن أنوه بها في سيرتي الذاتية curriculum vitae مع الشهادات التي حصلت عليها،  الوظيفة التي أتقدم لها كسفير النوايا الحسنة (للرجال طبعا) عند من يقابلهم من الإناث،

pour un ambassadeur de bonne foi je postule، الغرور من المؤهلات المطلوبة، هل ينطبق الغرور على النيات أيضا،

ثم النيات من يقول أنها حسنة أم سيئة، الإناث أم الذكور،

ثم النيات نفسها قبل أن نحاكمها أمام الذكور والإناث هي حالة سابقة قبل الفعل، فهل نحاكم الفعل (الذي لم يخلق بعد) بشيء سبقه، أُفَكِّرُ في الفعل الأول الذي هو الخلق(فعل ماض كامل (من مجاميعو) بجميع المقاييس (فعل مطلق) ثم أفكر ثانية في (كان) الفعل الذي اخترع له النحاة المسلمون (لا أقول النحاة العرب) اسما صرفيا يحمل دلالات لا يفهمها ولا الفلاسفة،أشرح لكم معنى: كان فعل ماض ناقص:

ما لا يؤنث لا بعول عليه

أنا الذي أعلن عن الانتماء الى الفلسفة العفوية، خرجت الى الفلسفة كلها من جبة الفيلسوفات النسويات، ومن باب التناص intertextualité بين الفلسفة الحديثة (الفلسفة النسوية بامتياز) والقاموس…

… التقليداني (مالا يؤنث لا يعول عليه مقولة قديمة لابن عربي[2])

… أو القاموس الشعبي، من لا تعجبهم فلسفة النساء مثلا يقولون أيضا: “لازين لا فلسفة !” مثلما نقول ايضا باللسان الدارج”لا زين لا مجي بكري”

بن عربي الذي  كان يبحث عن شيء له قيمة فوجد نفسه متصوفا:

يحتج بعض من يدافعون عن التصوف بهذه القولة التي ينسبونها الى الإمام مالك: “من تَفَقَّهَ ولم يتصوف فقد تَفَسَّق، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تَحَقَّق”

قرأت قولة  نسجها صاحبها على نفس المنوال، هذه المرة ننسب القولة الى بن تيمية:  “من تعلم ولم يَتَرَبَّ فقد تَفَسَّقَ، ومن  تَرَبَّى ولم يتعلم فقد تزندق ومن جمع بينهما فقد تَحَقَّقَ.

نحن لسنا متأكدين من القائِلَيْنِ، وفي هذه الحالة سوف نرتب القولتين ترتيبا مؤقتا يسمح بقلب الترتيب من غير أن يتغير المدلول المشترك بين القولتين، بن مالك  عاش قبل بن تيمية،لنقرأ القولتين بنفس الترتيب، هل يجوز  أن نبني على معلومة مشكوك فيها(من القائل؟) حكما يقينيا(أي القولين سبق؟)، ثم أنا لا يهمني إلا جانب البلاغة في القولتين كل على حدة أو القولتين معا.

بالتأكيد أن القائل الذي جاء كلامه متأخرا، اطلع على الصيغة الأولى، والبلاغة الثانية هي أبلغ من الاولى لان الانتقال من الاولى الى الثانية هو من المجازات البلاغية العميقة من حيث الشكل(هذا أمر واضح جدا) ومن حيث المضمون ايضا. الأصالة من بلاغة الشكل (الدال) والعمق من بلاغة المضمون (المدلول).

تقريبا لاستحضار القولتين معا سوف نكتبهما في صيغة مندمجة( نضع الكلمة الموازية بين الاقواس):

من تفقه(تعلم) ولم يتصوف(يتربى) فقد تفسق ومن فعل العكس  (فقد تزندق).

اذا ابتعدنا عن الكمال فثمة نقص قد نسميه فسوقا اذا اقتربنا من جهة التربية، وقد نسميه زندقة اذا نظرنا اليه كفقهاء.

الفقه يتماشى مع مفهوم التعليم مثلما يتماشى مفهوم التصوف مع التربية. العلاقة تعليم/تربية هي علاقة تحيل الى فقه/تصوف. التربية والتعليم يتصلان بنفس الدور: تغيير المعلومات أو تغيير السلوك. موضوع نرحب به في حضرة الفلسفة. قبل ذلك يجب أن نتفق على معنى القيمة: أجد نفسي كالعادة خارج أي نموذج نمطي، لأن القيمة الأساسية عندي هي قيمة سلبية بمعنى أنها تبنى على نقيض قيمة اخرى، من نقيض المركزية، ،نقيض الذكورية الى  نقيض النمطية (التلقائية). مازلت أبحث عن” القيمة الأصلية”

ما رأيكم أنني لن أصل الى نقطة نهائية لان الطريق المستقيم الذي يصل الى القيمة الأصلية هو البحث عنها. البحث نفسه ليس طريقا مستقيما وإلا فهو المصادرة على المطلوب (لا قيمة له).

خاتمة ولا علاقة

من المستحيل أن تبحث عن الله عندما يكون عقلك مضطرباً بسبب البحث.بول كاولو

نحن مستريحون الى الآخر لأننا لا نبحث بالكل، لماذا نتعب في البحث عن الله اذا؟

هوامش:



[1]

[2] يقول الشيخ محي الدين ابن عربي:

1.  الوجدُ الحاصل عن التواجد ، لايُعَوَّلُ عليه

2.  والوجود الذى يكون عن مثل هذا الوجد ، لايُعَوَّلُ عليه

3.  الخاطر الثاني ، فما زاد ، لايُعَوَّلُ عليه…

الى ان يقول(الفقرة 28):المكان إذا لم يؤنث ، لايُعَوَّلُ عليه

29.  المكان إذا لم يكن مكانة لايُعَوَّلُ عليه

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق