قراءات ودراسات

“تلك الأيام” للناقد يوسف اليوسف سيرة لوعة وبطولة روح

د. ماجدة حمود

رحل الناقد يوسف اليوسف في منفى آخر، بعيدا عن فلسطين الوطن الذي رافق أحلامه، ودمشق التي أحب، وقد جاءت سيرته الذاتية عبر الأجزاء “تلك الأيام” لتتيح لنا معايشة أوجاعه في المنافي، إذ قدَم لنا خلاصة روحه وفكره ورؤيته للحياة! فعايشنا مفهوما جديدا للسيرة الذاتية! بعد أن أخرجها من معناها الضيق، الذي شاع في أدبنا العربي، فتجاوزت تفاصيل الحياة اليومية غير الموحية، مما أتاح الفرصة للقارئ لمعايشة أعماقه، وما نبضت من تجارب روحية وأزمات فكرية، دون أن يغفل تجارب حياتية ذات أبعاد تاريخية واجتماعية ووجدانية.

لذلك لم نجد “تلك الأيام” عبر أجزائها الأربعة معنية بسيرة فرد فقط، بل هي سيرة قهر، غرز مخالبه في وجدان الشعب الفلسطيني بأسره، فهي سيرة اللوعة، التي ما تفتأ تعلن وجع إنسان فقد الوطن، وحارب ندوبا لا تفارق الروح، لهذا لن نستغرب أن تكون الجملة الأولى بعد الإهداء مفعمة بالشموخ ومغمسة بوجع يخفق بقلق وجودي وعدم رضى “كل شيء يخلّ بواجبه نحوي”(1) مما يذكرنا بصرخة بيدرو بارامو “أيتها الحياة لا تستحقينني”(2)

لقد أحس يوسف اليوسف بحصار الحياة لروحه الحساسة، بعد أن تركت النكبة الفلسطينية بصماتها السوداء على وجدانه! فأنهكته، منذ بداية تفتح وعيه،  الهموم والمسؤوليات، لذلك عايشنا في هذه السيرة هول هذه الفاجعة، إذ لم يستولِ الصهاينة على فلسطين فقط بل استولوا على الفرح والجمال وكل المثل التي تتوق إليها روح اليوسف الشامخة، وبذلك استولوا على الحياة، التي تاق إليها، وناضل من أجل الحصول عليها، فكانت كتبه خير معبّر عن هذا الحلم، والرغبة في النهوض لاسترجاعه!

بدت الحياة، في نظره، مرعبة في قسوتها وتدميرها للنفوس الحساسة! إذ يغذيها الشر والزيف والخيانة، فكثيرا ما تنشأ سعادة إنسان من شقاء آخرين، كما حصل في فلسطين! لهذا نحس بأن “تلك الأيام” أشبه بقصيدة هجاء لزمن أجوف، ينخره الشر، فيضيع فيه الوجدان وتنتهك المشاعر، إنه زمن يحتفي بالقبح ويدوس على الجمال!

من هنا لن نستغرب أن تلاحقه مشاعر الخذلان والقهر والخيبة، وقد أخبرنا في سيرته بنتيجة توصل إليها من خلال تجاربه القاسية مع الحياة، وهي أن قيمة أي امرئ تحددها “درجة شعوره بالاغتراب في هذه الدنيا” وقد هزّ وجدانه قول المعري “ما كان هذا العيش إلا إهانة”

تضعنا “تلك الأيام” أمام أسئلة جوهرية تؤرق الوجود الإنساني، والتي هي أسئلة الروح، عندئذ نواجه أنفسنا بوعي أكبر، بعد أن عايشنا، في سيرته، نفسا شفافة صهرتها الآلام، ونغصها شعور الاغتراب والقرف من عالم مادي يمتهن الروح ويؤلّه القشور!

بناء على ذلك كله لن نستغرب أن يختار يوسف اليوسف العيش في الظل بعيدا عن الأضواء والجوائز رغم أهمية إنتاجه النقدي وتنوعه، إذ قدّم للمكتبة العربية أكثر من عشرين كتابا، تناول فيها الشعر الحديث والتراثي، والرواية والقصة والتاريخ! فقد كان لا يحسن لغة هذا العصر أي لغة التملق والمجاملة والتسويق لنفسه ولإبداعه.

إن قراءة هذه السيرة تطرح علينا هذا السؤال: كيف استطاع يوسف اليوسف الاستمرار في هذه الحياة رغم هذا الدمار وهذا الظلم الذي عاناه؟ وهذا القرف الذي لازمه بين أشباه بشر، تصغر نفوسهم، فيتمرغون في الوضاعة، ويبيعون أرواحهم للشيطان، كما فعل فاوست، من أجل المال، وبذلك يضيعون قيما أصيلة، بل يؤذون من يرفض السير في طريقهم، لهذا ابتعد كثير من الفلسطينيين والعرب عن حلم العودة إلى فلسطين، فغرق يوسف اليوسف في الكآبة منذ تفتح وعيه!

لكن الكتابة النقدية والإبداعية، في مراحل حياته كلها، جاءت لتخلصه من التشيؤ، ومن شعوره أنه على الهامش(3) فشكلت عزاء يخفف شعوره بالاغتراب! لهذا حدثنا في سيرته عن علاقة فريدة مع اللغة قائلا “إنني اتماهى معها إلى حد الوحدة والالتحام، وكثيرا ما قلت في سري أنا اللغة واللغة أنا…وأن اللغة منفاي الطوعي الذي أتمطى في جوفه، بل أجد ما يلزمني من حاجات روحية، إنني أوثر العيش في داخلها ومجالها على الاتصال بالواقع الذي تستشري فيه الشرور من جميع الأصناف….”(4)

باتت اللغة (التي يرافقها معظم أوقاته) منفى يختاره، بعد أن أجبر على العيش بعيدا عن الوطن، لكن هذا المنفى الطوعي تبدى بملامح إيجابية، إذ استطاع أن يقيه بؤس الحياة وشرورها، ويقدم له ما يلذّ للروح وما يطيب، لهذا فضل العيش في فضائها الرحب على سجن الحياة وقضبان الواقع! وكي لا يتبادر للذهن أن اللغة الغربية، التي يتقنها ويدرسها، هي المنفى الذي اختاره، كما فعل بعض المثقفين العرب، يسارع إلى تأكيد أن العربية منفاه الاختياري، لما تمتاز به من قدرة استثنائية “على تخريج الباطن ومدخراته التي هي مقومات الماهية الإنسانية الأصلية” لهذا كان رحمه الله مثقفا نادرا، يتميز بالموسوعية في مجالات عدة (نقد، شعر، رواية، تاريخ، علم نفس، فلسفة…)

لقد وجد في الكتابة والقراءة قارب نجاة ينقذه من بؤس عالم بشع! فيستطيع عندئذ أن ينقذ من حوله! لذلك سعى عبر الأدب والنقد إلى بناء إنسان طموح للكمال، يمتلك ذوقا ناضجا، يستطيع عبره معايشة قيم الحياة الخالدة (الجمال والحرية والفرح والحق) كي يصبح أكثر حساسية للذل والظلم، وبالتالي أكثر فاعلية، لذلك يرى أنه مطلوب من الشعر “الإيحاء للناس بأن الحياة البشرية لا تملك أن تتمتع بالأصالة، ثم بالقيمة، إلا إذا امتلأت بالعزة والكرامة واحترام الذات البشرية بوصفها الغاية النهائية للوجود.”(5)

إذاً من واجب الفن العمل على تفتح الروح وارتقائها، عندئذ تمتلئ بالقيم الإنسانية التي تجعل الحياة ذات معنى، إنها قيم الأصالة التي تزيدنا رهافة وكرامة، فنرفض الذل الذي نعيشه، كما نرفض العدوان والظلم الذي يصفع كينونتنا كل يوم!  إنه يحرضنا لنعمل من أجل حياة أكثر عزة وجمالا! وبالتالي نستطيع الاقتراب من حلم العودة إلى فلسطين.

قدّم لنا في سيرته خلاصة تأملاته في الإنسان، فأبرز لنا حقائقه وصفاته وتناقضاته، إنه كائن أناني يعبد القوة (جشع، نهم) يتحمل الشقاء والعذاب، يخاف الموت، لكنه على استعداد للتضحية بحياته من أجل قيمة يؤمن بها، مولع بالجنس الآخر (الغرام والصداقة) مغرم بالمعرفة، مزوّد بغريزة يسعنا أن نسميها غريزة الدين، ومزود بالغريزة الذوقية، مما يجعله ينفعل بالجمال، وكل ما هو متين الصلة بالحساسية والخيال والوجدان.

لقد أمتعتنا هذه السيرة بتأملات للفضاء المكاني ولأعماق الإنسان! وقد تمعن بلحظات الندم التي يعيشها، ثم جلاها لقرائه ولنفسه، حتى إنه رآها “أكثر الأشكال أصالة لتجلي الإنسان الصرف بكامل ماهيته ونقاء صيغته…” وبذلك اختزل ماهية الوجود الإنساني بالطيبة والشرف والأصالة، وجعلها مرادفة  لماهية الضمير ومحاسبة الذات!

وقد استخلص من تجربته القاسية في الحياة نتيجة تعزينا، وهي أن الإنسان لا يكمن في شيء إلا في قدرته “على تحمل الشقاء والألم والعذاب، وليس في العقد الجنسية التي جعل منها علم النفس الحديث أوثانا تتمركز حولها البنية النفسية”

لذلك سعى إلى الربط بين الإنسان والشعر، الذي هو لغة الروح،  فرأى أن انحطاط الشعر دليل على هبوط الإنسان إلى الحضيض، والتشيؤ! ورأى في الحرية رفيقة درب الشعر (والفن عامة) ودعا الشاعر ألا يرضخ عند ممارسته إلا لروحه ومحتوياتها النبيلة، فالنشاط الشعري هو إحالة على جوهر الإنسان النقي!

وقد قدّم لنا عبر سيرته خلاصة نظرته النقدية، إذ يحاول عبر ممارسته النقدية أن يجيب عن أسئلة تقض مضاجع أدبنا، لعله ينقذ الساحة الأدبية من الفوضى التي تعيشها، لهذا مدّ الحركة النقدية بمعايير أصيلة تحدّد قيمة النصوص الأدبية، وتمييز جيّدها من رديئها! وقد جاءت كتبه النقدية لتؤكد لنا رغبته هذه، وأهم المقولات النقدية التي حدثنا عنها في سيرته، مثل كتاب “ما الشعر العظيم” و”القيمة والمعيار” و”الأسلوب والأدب والقيمة”….الخ

وبذلك عايشنا في سيرته الذاتية كثيرا من المقولات التي أسس عليها نقده! فلمسنا الحساسية المرهفة والفكر العميق، لهذا رفض أن يؤطر حياته ونقده بأيديولوجيات أو مناهج تجمّد الفكر وتقيد الطبع.

وقد كان للشعر العربي التراثي مكانة في نفسه، لهذا انصبت معظم دراساته حوله، أما الشعر الحديث فقد رآه يعاني نقصا في الخيال، لكن المثلبة الأكثر فتكا فيه هي غياب العنصر الوجداني الحميم، الذي يعني نضوب الطاقة الوجدانية والعاطفية، التي يراها الناقد الينبوع الأول للشعر العظيم!

إنه يرى أن على الفن أن يتجه صوب إنعاش الإنسان بإذكاء البطولة الروحية التي تعزّز الكرامة في أعماقه، كما أن عليه أن يتحسس الحنين إلى ما هو صلب ومتماسك، فنحن نعيش في زمن يفتقد رسوخ القيم الأصلية الصالحة لاستمرار الحياة! والصالحة لعودة الكرامة ألم تضع فلسطين نتيجة إفلاسنا الروحي والمادي!؟

وقد حمّل النقد الأدبي مسؤولية حماية النص الأدبي من الانحراف عن جادة الحياة والجمال، وهذا يعني الانحراف عن الذوق الرفيع والقيم الأصيلة.

ولعل إيمانه بأن الجمال سينقذ العالم، كما آمن دوستويفسكي قبله، منحه الأمل الذي يراه “صنو الماس” ويشبهه ببزوغ البدر في ليل دامس بهيم، لهذا قاوم فكرة الانتحار التي راودته منذ طفولته، فلاذ بعالم المثل التي هي الجمال الحقيقي، ولا ننسى هنا دور البيئة الدينية التي نشأ فيها في منعه من تحقيق رغبته في تدمير ذاته! فقد كان يقرأ لجده القرآن وهو مازال طفلا!

وقد منحته معايشة الطبيعة عزاء يضاف إلى اللغة، فتفيأ ظلّ جمالها، وشمخ مستندا إلى كبرياء جبالها، أنعشت روحه نضارتها، فأحيت الأمل والجمال في روحه، فنهض من يأسه يواجه القبح الذي يشوّه وجه الطبيعة وروح الإنسان! لهذا كانت غوطة دمشق أحب الأماكن إلى نفسه، أما مدينتها فقد بهرته بعراقتها وجمالها، حتى إنه ألّف كتاب “دمشق التي عايشتها” تحدث فيه عن جوامعها، بوصفها إنجازات حضارية شديدة الرقي، فكان كلما أراد الاستمتاع ذهب إلى الجامع الأموي، وإلى جامع الشيخ محي الدين بن عربي، حتى إن رغبته التي حلم بتحقيقها في منفاه الأخير (مخيم نهر البارد في طرابلس) أن يجول في حي الميدان ليلا.

لقد عايش دمشق أكثر من ستين عاما (منذ الخمسينيات إلى بدايات القرن الحادي والعشرين) فعايش التغيرات التي طرأت عليها، لهذا يقول في سيرته “تلك الأيام” “ثمة رائحة خاصة تبعث الأسى في قاع روحي، أجل نهر بردى، لا تصدر عنه سوى رائحة منتنة في هذه الأيام القاحلة الماحلة…إنني مهموم بهمه وهم دمشق والغوطة، اللتين أنجبهما هذا الجدول الفاتن الصغير منذ آلاف السنين، فمع أن دمشق، لم تحمل بي، بل أنجبتني قرية في جبال الجليل الأدنى، أو تماما في البقعة التي أنجبت المسيح، فإنني أشعر بأنها أمي بالفعل، وذلك لأنني قضيت في رحابها عمري، إن همها يخرّش وجداني، بل يصدّع كياني، ويشعّث نسيج روحي، ولاسيما حين أراها مكسورة مثل أرملة بائسة، بل مستباحة حقا، فيا لهذه المدينة، التي كانت شديدة الجمال، بل باهرة الحسن، بالأمس القريب…”

كتب هذه الكلمات قبل الأزمة، التي تعيشها دمشق اليوم (2009) فقد نشر الجزء الرابع من سيرته (2011)

أعتقد أن ممارسته النقد على حياته الشخصية، كما مارسها على الأدب، أسبغ على سيرته فرادة، فأصبحت قراءتها متعة روحية وفكرية!

لكن كنا نتمنى لو خفّف من حدة لهجته التعميمية، خاصة حين تحدث عن الغرب واليهود، صحيح أن بعض هؤلاء هم سبب دمارنا اليوم، لكن بعضهم الآخر يقف إلى جانبنا، بل يقاتل معنا في خندق واحد!

لقد وصلت لهجته التعميمية إلى حد وصف اللغة الإنكليزية، التي يستطيع أن يقرأ بها ويكتب، بأنها “لا تزيد عن كونها صنف من أصناف الرطانة الهمجية المنفرة” ونسي أنها أمتعته، فتغنى بشعرائها (شكسبير، ووردزرث، …) وبروائييها، حتى إنه في كتابه “مقال في الرواية” لا يرى رواية تستحق القراءة سوى الرواية الغربية في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين!!

لكن رغم ذلك كله عايشنا في هذه السيرة مرحلة حرجة من مراحل أزمتنا مع الآخر الغربي والصهيوني، فتجسدت أمامنا بشاعة الظلم والقهر الذي قتل أحب الناس إليه (والده) ودمر طفولة أبناء فلسطين، مثلما حاصرهم ببؤس مفزع! فبدت لغة الهم العام مسيطرة على فضاء هذه السيرة، لكن ميزة هذه اللغة أنها باتت لغة همه الخاص أيضا، فقد صاغ ضياع فلسطين وجدانه وأفكاره وأحلامه!

كما ظفرنا في هذه السيرة على وثيقة نادرة، نسمع فيها صوت الرجل وهو يتحدث عن حبه العذري، ومكانة المرأة الحلم في وجدانه! لكننا كنا نتمنى لو عايشنا الصراع الداخلي بين الحلم والرغبة، وبين المثال والحياة! فقد بدت لنا تلك العلاقة العذرية مفعمة بالجمال، لا تنغصها أية آلام!! وسيطور هذا الحديث عن المرأة الحلم، ويجعله أشبه برواية في “رسالة إلى سيدة” الذي كان آخر إصداراته.

يبدو تأثره بنظرة المتصوفة للمرأة واضحا في إبداعه وفي لغته النقدية، فقد استخدم الكثير من مصطلحاتهم فيها، فقد أسس هؤلاء وجدانه وفكره، فهو يؤكد لنا في عصر تشوه فيه الدين بأن الله تعالى “لطف ومحبة وجمال، أما الرعشة الصوفية فهي التي تحيل العالم إيخائيا، بدل كونه عدائيا أو مأهولا بالشرور.”(6)

ولعل معايشته لمتصوفة التراث الإسلامي شكل دعما معنويا له، وزادا جماليا، يعزز روحه، ويقويه في مواجهة بشاعة البشر، وقبح الشر الذي يدمر النفس، لهذا رأى أن المفكرين الصوفيين يمثلون “حالة من حالات الاستنارة والانفتاح الحر على كل أفق أو جهة…إذ أنفوا من كل انتماء قفصي، واتجهوا صوب بواطنهم يستنبعون منها الفحاوي الكبرى للوجود البشري…”(7)

ولعل ثباته على مبادئه، وعدم مجاملته لأية سلطة خير تجسيد لانسجامه مع ذاته، لهذا لن نستغرب انسجام حياته مع نقده، فقد عايشنا في سيرته الذاتية كثيرا من المقولات الصوفية التي أسس عليها نقده! فلمسنا الحساسية المرهفة والفكر العميق، والصدق ورفض المجاملة، لهذا رفض أن يؤطر حياته ونقده بأيديولوجيات أو مناهج تجمّد الفكر وتقيد الطبع.

لكن كنا نتمنى لو خفّف من حدة لهجته التعميمية، خاصة حين تحدث عن الغرب واليهود، صحيح أن بعض هؤلاء هم سبب دمارنا اليوم، لكن بعضهم الآخر يقف إلى جانبنا، بل يقاتل معنا في خندق واحد!

إن ما يؤخذ على هذه السيرة أن  المرحوم يوسف اليوسف سلّط الضوء على امرأة الحلم وأغفل امرأة الواقع (الزوجة، الحبيبة، الصديقة) ندرك أن فن السيرة فن حساس، ولكن باستطاعة من يملك لغة رائعة كلغة اليوسف أن يواجه ذلك التحدي! خاصة أن اللغة الحميمية هي التي تمنح السيرة جمالها وتأثيرها في المتلقي!

أمتعتنا السيرة بلحظات صدق مع الذات، إذ لم نجده يسعى إلى تجميلها، فأبرز لنا نقاط ضعفه، وبعض زلات ارتكبها في حياته! وقد تمعن بلحظات الندم التي عاشها، ثم جلاها لنا! رغم ذلك يعترف في الجزء الرابع من “تلك الأيام” قائلا: “إنني صمت عن بعض صفاتي الشخصية ولاسيما السلبية، التي هي جزء من ماهيتي، فقد كنت نزقا أحيانا، وأحيانا عنجهيا، أو فجا بعيدا عن النضج وضبط النفس…ومازلت فقيرا إلى الخبرة، أو حسن التعامل مع الأشياء، ثم إنني ساذج أو سهل الانقياد…في بعض الأحيان أكون شجاعا، ولكنني في أحيان أخرى أراني جبانا إلى حد يذهلني أنا نفسي.”(8)

أعتقد أن ممارسته النقد على حياته الشخصية، كما مارسها على الأدب، أسبغ على سيرته فرادة، فأصبحت قراءتها متعة روحية وفكرية!

إن ما يميز هذه السيرة أنها أطلعتنا على معاناة ناقد من ممارسة هذه المهنة، التي كثيرا ما يساء فهمها في مجتمعنا المتخلف، الذي ينتج أشباه مثقفين يحتفى بهم، فيرى الأديب في الناقد عدوا له، يريد تحطيمه، ويجد في النقد الموجه إلى أدبه نقدا يمس شخصه ومكانته الاجتماعية، فيرد على الناقد بالإهانة والتجريح، ليحرف هذه الفعالية عن طريقها، لهذا وجدناه يقول عن هذه المهنة “أوجعت الكتابة رأسي، أعني أنها سببت لي مشاكل كثيرة مع الناس، ولا سيما مع المنتحلين والهجائين، أولئك الذين لا يطيقون أن يروك وأنت قادر على أن تكتب جملة مفيدة.”0(9)

يحس المتلقي أنه كتب هذه السيرة مقيدا بأعراف مجتمعه وأفكار سائدة، لهذا ابتعد عن تجسيد الصراع الداخلي الذي ينشأ في داخل كل منا بين الإيمان والشك، وبين الغيب واليقين، مع أنه ألمح إلى كونه تأثر بأفكار تعزز هذا الصراع (الماركسية والوجودية)!

رغم ذلك لايمكننا إلا أن نعترف بأن هذه السيرة تحوي الكثير من لحظات الصدق مع النفس، فكانت محاولة تستغور الأعماق، لتفهم ذاتها، وتقدمها للآخرين، لعلهم يعيشون معه تجربة الدفاع عن قيم أصيلة، هجس فيها طيلة حياته، فتبدت في مؤلفاته النقدية مثلما تبدت في سيرته الذاتية، كأنه يعلن لنا عبر كل ما كتبه: بأنه لن تعود فلسطين مادام الإنسان في الشرق والغرب يعاني من الانحطاط الذوقي والخلقي، ويؤلّه المادة على حساب الروح.

الحواشي:

1. يوسف اليوسف “تلك الأيام” الجزء الثاني، دار كنعان، دمشق، ط1، 2006، ص7

2. هذه الصرخة لبطل رواية “بيدرو بارامو” لخوان رولفو، تر جمة صالح علماني، وزارة الثقافة، دمشق، ط 1، 1983

3. يوسف اليوسف “تلك الأيام” ج4، دار كنعان، دمشق، ط1، 2011، ص90

4. “تلك الأيام” ج2، ص176

5. يوسف اليوسف “القيمة والمعيار” دار كنعان، دمشق، ط1، 2000، ص88

6. يوسف اليوسف “الأسلوب والأدب والقيمة” وزارة الثقافة، دمشق، ط1، 2011، 217

7. يوسف اليوسف “ابن الفارض شاعر الحب الإلهي، دار الينابيع، ط1، 1994، ص9

8. “تلك الأيام” ج4، ص171

9. المصدر السابق، ص173

 

* *أستاذة النقد بجامعة دمشق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق