ثقافة السرد

من وحي الواقع الصّعب

أسامة طبش *

قطرات ماء المطر تنزل من السقف، وتتابع دقات عقارب الساعة المهترئة، تُشِير إلى بدأ أفول نور النهار وحلول ظلمة المساء، عجوز قد أعيته سنون الحياة المُمضّة، قابع في كوخه القذر في إحدى ضواحي مدينته المكتظة، ينظر بعينين حزينتين مكلومتين إلى حاله البائس، قلبه يتقطع كمدا ولا يملك إلا التسليم بواقعه المرّ.cلا زوجة ولا أولاد ولا دفء أسرة يكتنفه، هو الآن على مشارف عقده الخامس، احدودب ظهره واضطرم الشعر شيبا، غارت العينان وبدا فكا الأسنان، أصبح جسمه نحيلا ضعيفا، دوما ما يستعين بعكازه الذي عده رفيقا مخلصا له، يقضي به حاجاته اليومية بمشقة متناهية.

فقد فرصة عمل كريمة فألفى مقعدا رغما عنه، لا يمضي قُدما في حياته ولو لخطوة واحدة، تائه ضائع في لجته الحالكة، يمني النفس يوما بحفظ بعض من كبريائه، لكن لا مناص له،  اقتصر على عربة صغيرة في ناصية في آخر الشارع، يبيع فيها ألعابا لأطفال صغار، بالكاد يجني بها قوتا يسد رمقه الظمآن.

يُقلّب الأفكار في رأسه وهو يُصْعِدُ ناظريه وينزلهما، الحيرة تفتك به والأسى يقضّ مضجعه، العطالة والبطالة قتلت روحه ولم تترك له حيلة لينجو بنفسه، يقول:( لم يبقى لي أمل في هذه الحياة! التفتوا إلى هؤلاء الشباب وقد ازدردتهم آفة المخدرات في زهرة أعمارهم، لم يبصروا وميض نور في حياتهم…).

تخجل أخته الوحيدة من زيارته لها، فبعد أن تزوجت ومنّ الله عليها برجل يصون عفتها، شعر أخوها بعبئه الثقيل يثقل كاهلها، آثر الانسحاب في هدوء دون أن تحدث خطواته صخبا من ورائه، فهم أنه من الواجب أن يمنحها فرصة لأن تتنفس قليلا هي أيضا، إن كانت أحلامه قد خُنقت في مهدها في أنفاسه، تمنى من أعماق فؤاده أن تنعم هي بهذا الأمل.

سكنت روحه وهو يقضى جل حياته في معاناة ونصب، ذلك هو قدره المحتوم الذي لا مفر له منه، كم أنت عجيبة أيتها الحياة في أوطان أعيتها أزماتها، أصبحنا نعيش على أحلام اليقظة التي نستيقظ فيها على سراب: متى ينقشع الظلام ليحل محله ضوء السّنا؟ متى ينصلح الحال وتُفْتَح أبواب الفرج؟؟ الله وحده الأعلم بما يحمله لنا المستقبل، دعوتي لأن نتقاسم أعباءنا علّها تخف قليلا، فوالله لا لذة ولا طعم لسعادة في هذه الحياة، دون أن نتقاسمها، دون أن يحسّ أحدنا بوجع الآخر، إن النفس ضعيفة والفقر لا يرحم، فلنرحم بعضنا البعض، حتى يرحمنا من في السماء.

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق