قراءات ودراسات

رسائل مجهولة لوديع فلسطين.. الأدب أعلى من الحواجز المصطنعة

تيسير النجار

تكشف رسائل مجهولة بخط الأديب وديع فلسطين إلى صديقه الأديب عيسى الناعوري عن تأريخ سياسي وأدبي – فكري لحقبة زمانية تمتد من 11 آب/أغسطس 1960 حتى 24 أيلول/سبتمبر1985.
وتوّثق الرسائل مُدّة ربع قرن من المناخ الثقافي الفكري الذي كان سائدا في مصر ولم يكن وديع فلسطين يعيش بمعزل عنه، هذا المناخ تتعدد صوره الإيجابية، ومضامينه في تعليقات موشحة مرة بالمدح، ومرات بالسخرية والنقد البنّاء.
والرسائل التي يتم تسليط الضوء عليها للمرة الأولى عبر هذا المقال يبلغ عددها (204) رسائل، وتكشف عن صداقة نبيلة يعّزُ نظيرها في عصرنا الحالي ما بين الأدباء، فمنذ الرسائل الأولى ومرورا بمئات الرسائل لا يكفُ وديع فلسطين عن تفقد أحوال صديقه الأدبية منها والإنسانية أيضاً، وإن كانت الأولى قد طغتْ على الثانية.
هذه الرسائل المجهولة حصلت عليها من أهل الأديب الأردني عيسى الناعوري في سياق مشروعي (عيسى الناعوري وأعلام عصره ـ مراسلات أدبية)، إذ قمت بنشر الكتاب الأول منها في عام 2002 وهي مراسلات نازك الملائكة مع عيسى الناعوري والذي يُعدّ أول كتاب مراسلات أدبية في التأريخ الأدبي الأردني.
ويتبيّن من الرسائل أن أكثر من توطدت صلة الناعوري بهم هم المهجريون، وخاصة الشاعر إلياس فرحات، فقد بلغ عدد رسائله إلى الناعوري ومثلها عدد رسائلِ الناعوري إليه (121) رسالة، وبعض هذه الرسائل مفقود، وتليها مراسلات الناعوري مع الشاعر جورج صيدح، وبلغ عددها ما يزيد على (70) رسالة.
ثم تجيء مراسلات الناعوري مع الشاعر القروي رشيد سليم خوري وقد بلغت (22) رسالة (وهي معدّة وجاهزة للنشر).
وهي من الأهمية بمكان، إذ إن هؤلاء الشعراء المهجريين الثلاثة الكبار كانوا من أحب الشعراء المهجريين إلى الناعوري وأقربـهم إليه. ورسائل هؤلاء جميعاً أصبحت تعتبر مراجع كبيرة الأهمية للدارسين والباحثين في الأدب المهجري، وهي غنية بما فيها من معلومات أدبية وتاريخية ووطنية.

عيسى الناعوري

ولد عيسى الناعوري في قرية (ناعور) قرب عمّان، عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية، عام 1918. وأتمّ دراسته الابتدائية في القرية، والثانوية في المدرسة الإكليركية في القدس. عمل في تدريس العربيّة وآدابها خمس عشرة سنة في مدارس أهلية في فلسطين والأردن. عمل سكرتيراً ومفتشاً لإدارة مدارس الاتحاد الكاثوليكي في الأردن ثلاث سنوات (من 1949 ـ 1952م). عمل موظفاً في وزارة التربية والتعليم إحدى وعشرين سنة ـ من عام 1954 إلى أن اعتزل الوظيفة سنة 1975م. عمل أميناً عامّاً لمجمع اللغة العربية الأردني، منذ إنشائه في 1/10/1976م لغاية رحيله في 3/10/1985. زار القسم الأكبر من البلدان العربية، وكثيراً من البلدان الأوروبية ـ الغربية والشرقية ـ والولايات المتحدة الأميركية، وتايوان وبانكوك. كان ذا صلة وثيقة بالعديد من أعلام الأدب العربي في مختلف الأقطار، وأعلام الأدب الإيطالي، والمستشرقين في أكثر البلدان الغربية.

“تكشف رسائل مجهولة بخط الأديب وديع فلسطين إلى صديقه الأديب عيسى الناعوري عن تأريخ سياسي وأدبي – فكري لحقبة زمانية تمتد
لربع قرن”

نال بعثة أدبية من منظمة اليونسكو مدّتها ستة أشهر (1960 ـ 1961) قضاها في إيطاليا للاطلاع على الحركة الأدبية فيها، والتعرف شخصيّا بأعلام الأدب الإيطالي الأحياء. كتب مئات الأحاديث والبرامج الأدبية لإذاعات عربية وأجنبية متعدّدة، وكتب للتلفزيون، وشارك في العديد من الندوات الإذاعية والتلفزيونية في الأردن وغيرها. ظهرت مؤلفاته لدى ناشرين كثيرين ـ في الأردن، ومصر، وسورية، ولبنان، وتونس، وليبيا، ومالطة، وإيطاليا. يجيد الإيطالية والإنكليزية، ويترجم عن الفرنسية والإسبانية. كتب في عشرات الصحف في الأقطار العربية والمهاجر، وفي عدد من الصحف الإيطالية. أصدر مجلة (القلم الجديد) الشهرية الأدبية في عمان (أيلول/سبتمبر 1952 ـ آب/أغسطس 1953) وصدر منها اثنا عشر عددا، ثلاثة منها أعداد خاصة عن (الأردن، وليبيا، والمهجر). له ستون كتابا مطبوعا، وعدد كبير من الكتب لم يطبع بعد. وتشمل كتبه المطبوعة: القصة القصيرة، والرواية، والشعر، والنقد الأدبي، والبحث والدراسة، والتراجم والسِيَر، وأدب الأطفال والأحداث، والترجمة من اللغات الغربية وإليها، والكتب المدرسية. ومن مؤلفاته ثلاثة كتب باللغة الإيطالية، وبحوث عديدة منشورة باللغة الإيطالية، وكتابان باللغة الإنكليزية، ومجموعة شعرية باللغة الإيطالية غير مطبوعة. له محاضرات كثيرة بثلاث لغات: العربية، والإيطالية، والإنكليزية، ألقيت في الكثير من الأندية العربيّة والغربيّة، وفي بعض الجامعات العربية والأوروبية، ولا سيما في إيطاليا، والاتحاد السوفييتي، والمجر، وإسبانيا، والصين الوطنية. كثير من أعماله الأدبية، ولا سيما القصصية والشعرية والروائية، ومن بحوثه ومحاضراته، مترجم إلى عدد من اللغات الغربيّة، وخصوصاً الإيطالية، والإسبانية، واليابانية، والإنكليزية، والروسيّة، والمجريّة، والرومانية، وبعضها أصبح يدّرس في بعض الجامعات الغربيّة، وظهرت حوله رسائل جامعية، وبشكل خاص في الأردن، وإيطاليا، والاتحاد السوفييتي.

وديع فلسطين
بعد ولادته بشهر لحق وديع بأبيه فلسطين حبشي، الموظف بحكومة السودان وقضى بها ست سنوات في العطبرة، وبعد إحالة والده إلى التقاعد في عام 1930 عاد إلى القاهرة والتحق بمدرسة الجيزة الابتدائية الأميرية ثم المدرسة الإنكليزية بجزيرة الروضة، ثم الجامعة الأميركية بالقاهرة حيث تخرج منها عام 1942 بدرجة البكالوريوس في الصحافة.

“تتنوع العلاقات الأدبية الراقية، وتمتد المساحة الفكرية وتشترك في الرسائل ما بين عيسى الناعوري ووديع فلسطين إذ ترد في متن الرسائل تفاصيل للمناخات الأدبية في الحقبتين: الستينيات والسبعينيات”

بعد التخرج عمل في جريدة الأهرام في قسم التوزيع، كما مارس الكتابة في العديد من الصحف مثل “منبر الشرق” لعلي الغاياتي و”الشعلة” و”الإنذار” في المنيا و”الراوي الجديد” وغيرها. في عام 1945 تولى رئاسة قسم الترجمة في جريدة المقطم ومجلة المقتطف وكان يحرر المقالات الرئيسية وعمل أيضا بتحرير المقالات الأدبية والاقتصادية فيهما، وظل فيهما إلى أن أغلقت الدار في أواخر عام 1952. في تلك الفترة أنشأ د. إبراهيم ناجي “رابطة الأدباء” فتولى وديع فلسطين منصب الوكيل فيها. وخلال تلك الفترة أيضا عمل أستاذا للصحافة في الجامعة الأميركية ومراسلا ووكيلا لمجلة “الأديب” ومراسلا لمجلة “الدبور” اللبنانية ومراسلا لجريدة “الصباح” التونسية، وممثلا لمعهد “الشؤون العربية الأميركية” الذي أنشأه في نيويورك د. خليل طوطح. بين عامي 1953 و1955 حرر مجلة “الاقتصاد والمحاسبة” والتي كان يصدرها نادي التجارة، وحرر الأعداد الاقتصادية بجريدة الأهرام، واشترك في ترجمة الوثائق والمرافعات المتعلقة بقضية قانونية دولية عرفت باسم “قضية أوناسيس” وهي تتعلق بحقوق اتفاقية ناقلات النفط السعودية مع أوناسيس عام 1954، في عام 1956 عين رئيساً لقسم العلاقات العامة بشركة أرامكو فيما وراء البحار للقاهرة، وترقى في المناصب إلى أن أصبح مديراً للشركة عام 1965، كما ساهم بالكتابة في مجلة “قافلة الزيت”.
ترجم عدداً من الكتب منها: مسرحية الأب لأوغست ستريندبرغ، استقاء الأنباء فن، العلاقات العامة فن لأوليفر وندل هولمز، قضية فلسطين في ضوء الحق والعدل لهنري كتن. ومن أشهر مؤلفاته: على درب الحرية، قضايا الفكر في الأدب المعاصر، وديع فلسطين يتحدث عن أعلام عصره (في جزأين)، مختارات من الشعر العربي المعاصر، مي: حياتها وصالونها وأدبها.

يقول وديع فلسطين في رسالته التي حملت رقم (1) والمؤرشفة بتاريخ 11 آب/أغسطس 1960: “لقد سرّني أن أسمع أن كتابي قد انتهى إليكم، وكنتُ أخشى أن تتّلقفه أيدي الضياع. وأطربني أن أسمع منكم كلمة تقدير لما ورد فيه، وهذا رأي أعتّز به كثيرا وأشكركم عليه جزيل الثناء”، ويضيف مادحاً الآثار الأدبية لعيسى الناعوري: “أما آثاركم فإني أتابعها بدوري، وآخر ما قرأت لكم كتابكم عن شعر المهجر، وقرأت قبل كتابكم عن إيليا أبي ماضي في طبعتيْه وأقاصيصكم “بيت من وراء الحدود”، وكتابكم عن إلياس فرحات. ولا يفوتني شيء مما يُنشر في “الأديب” بقلمكم فيعجبني أسلوبكم ومنهاجكم في الكتابة والتفكير، وبيننا الكثير من أسباب التلاقي في الرأي والذوق”.
ويتلاقى الرأي والذوق وتمتد مساحات الانسجام بينهما في الكثير من الموضوعات وخاصة أن كليهما يتفقان على أن الأدب: “أعلى من جميع الحواجز المصطنعة وأن التجارب الفكرية لا يقف في سبيلها شيء” كما يتفقان كلّ الاتفاق على أن “أكبر خطأ يقع فيه الأدباء هو خلطهم بين الأدب والاجتماع حتى تحوّل أدب اليوم إلى أدب عقائد وأيديولوجيات، وصارت خلافات الأدباء خلافات مذهبية وأصبح النقد الأدبي شبيها بالثأر الدموي”. يقول وديع فلسطين في رسالته رقم 67 المؤرشفة (القاهرة في التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر 1965): “أنا معك في استهجان الأدب الذي يمثله ذوو الوظائف والمراتب. فالأدب ليس ثمرة وظيفة يشغلها صاحبها بمحض المصادفة، بل هو موهبة يُفطر المرء عليها ويعمل على تنميتها بالمطالعة والممارسة إلى أن تستقيم له جميع أسبابها”.

نقرأ ما بين سطور الرسائل آراء هامة توثق لظواهر أدبية، وربما لأسماء أدبية لَامعة، أقدم هنا بعضاً منها لأهميتها:

سعيد عقل: يبتدع “شعراً” باللهجة الشعبية اللبنانية وينشره بالحروف اللاتينية، وغيره ينساق مع الانحرافات الوجودية والسريالية فيكتب شعرا وقصة لا معنى لها، وغيره يكتب الشعر ويعربد فيه كما تفعل مجلة “ِشعر” (الرسالة الخامسة ـ القاهرة في 19 نيسان/أبريل 1961).
سلامة موسى: صديق حميم قديم عرفته منذ كنتُ طالبا في الجامعة عام 1940 أو نحوه، وبيني وبينّه مودّات جميلة، وقد كتب عنّي غير مرّة وعندي أغلب كتبه مهداة منه، وسلامة لا يُعوّض، ومثله العقاد ـ أطال الله عمره. (الرسالة رقم 14 ـــ القاهرة في 5 شباط/فبراير 1962)
محمود عباس العقاد: أمس كنت في زيارة هذا الأستاذ الكبير العقاد ومكثت في ندوته نحو ساعتين، فكان كعادته، المحدّث الموسوعي والعبقري العظيم. (الرسالة رقم 20 ـــ القاهرة في 2 حزيران/يونيو 1962).
عائشة بنت الشاطئ: بنت الشاطئ، ردّ الله عليها نعمة التواضع، مشغولة الآن بالحديث عن نفسها في مقالات فيّاضة تنشرها لها جريدة الأهرام كلَّ جمعة. فقد تحدثت فيها عن تحدّيها لليأس وعن كفاحها في سبيل دخول مجمع اللغة العربية وعن اشتراكها في معارك أدبيّة وهميّة وعن وعن. ولستُ ألوم بنت الشاطئ، فكلّ إنسان مغرور بطبعه، ولكنّ اللوّم واقع على الذين يفسحون لها صدر الأهرام ثم على القّراء الذين يتسامحون في قراءة هذا الهذر. ومن طريف ما أذكره لك عن “معركة” بنت الشاطئ لدخول المجمع اللغوي أن أستاذنا العقّاد (كما روى لي ذلك بنفسه) ذهب إلى زملائه في المجمع وقال لهم: ما شاء الله. سنقلب المجمع إذن غرف نوم ونرفع منه المكاتب لينفرد كلّ زوجين بخلوة حميمة. فبنت الشاطئ تريد أن تلحق بزوجها (أمين الخولي) في عضوية المجلس. وسهير القلماوي تريد كذلك أن تنضم إلى زوجها الدكتور يحيى الخشّاب في عضوية المجمع، فنفتح الباب لدخول جميع زوجات الأدباء!. (الرسالة رقم 28 ـــ القاهرة في 30 كانون الثاني/يناير 1963).
أحمد زكي أبو شادي: لعلّك تعرف أنني كنت صديقاً حميماً للمرحوم أبي شادي وللمرحوم عبد المسيح حدّاد، وأنني لم أتشرف أبداً بمعرفة إيليا أبي ماضي. ولكن هذه الصلات الشخصية لم تجعلني أنتقص من قدر أبي ماضي، فكتبت عنه فصلاً في العدد الخاص من مجلة “الرسالة” اللبنانية الذي ظهر بُعيد وفاته والأغلب أنّك اطلعت عليه. وقد قرأت كلّ ما دار من معارك بين أبي ماضي وأبي شادي وأصداء تلك المعارك عنده وعند روكس بن زائد العزيزي، فاحتفظت برأيي لنفسي لاعتقادي بأن أبا ماضي لا يُهْدَم وبأن أبا شادي أحدث أثرا في الأدب لا يُمجد، وبأن لا حرج في أي معركة أدبية ما دامت تستهدف الحق وتتّرفع عن السباب. (الرسالة رقم 32 ـــ القاهرة في الخامس عشر من نيسان/أبريل 1963).
أكرم زعيتر: التقيت بصديقنا المشترك أبي سرّي، وهو كما تعرف من أكرم الأكرمين وقد تحدثت معه مطولا وذكرناك بالخير. ولعلّه الآن مستقرّ في طهران اللهم إلاّ إذا كان أطال إقامته في بلدته نابلس التي أخرجت شقيقه عادل بك العظيم. (الرسالة رقم 40 ـ القاهرة في الثامن عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 1963).
إبراهيم ناجي: مبروك النيشان الذي جاءك عن استحقاق. وأنا مثلك لا أحمل إلاّ نيشان إسبانياً أهديته عام 1951 وكان مفاجأة لم أعرف بها إلاّ من الصحف. ويومها زارني صديقي الشاعر الراحل إبراهيم ناجي وداعبني بأبيات قال فيها:
قد هنأوك بمجدك الإسباني فمتى تكون مصارع الثيران؟
أَمُـنْـحتَ أوسمة، ومجدك أوّل ماذا يهّمك من وسام ثان؟
إنَّي أهنّيك الغداة لأننّي أهواك من قلبي ومن وجداني
إن المقطم والزمان كليهما الخالدات، وكلّ شيئ فان.
(الرسالة رقم 45 ـ القاهرة في السابع عشر من نيسان/أبريل 1964)

وهناك آراء تتعلق ببعض الشخصيات الأدبية لا مجال لسردها.

مناخات أدبية
تتنوع العلاقات الأدبية الراقية، وتمتد المساحة الفكرية وتشترك في الرسائل ما بين عيسى الناعوري ووديع فلسطين إذ ترد في متن الرسائل تفاصيل للمناخات الأدبية في الحقبتين:

“يتلاقى الرأي والذوق وتمتد مساحات الانسجام بينهما في الكثير من الموضوعات وخاصة أن كليهما يتفقان على أن الأدب: “أعلى من جميع الحواجز المصطنعة وأن التجارب الفكرية لا يقف في سبيلها شيء””

الستينيات والسبعينيات، كما ترد معلومات قيمة عن المستشرقين الطليان، وعن الأدباء العرب، وهناك وصف معرفي لرحلاتهما المتنوعة والكثيرة، كما يكثر الحديث فيما بينهما عن المجلات الرائجة آنذاك مثل: “الأديب”، “الآداب”، “المشرق”، “الأفق الجديد”، “القلم الجديد”، “أدب”، “اللغات”، “الهلال”، “الأضواء”، “المجلة”، “الضاد”، “المعرفة”، “هنا البحرين”، “المجمع العلمي العربي”، “الدوحة”، ” الكويت” وغيرها من المجلات الكثير وتركز أغلب النقاشات على مقالات ترد عبر صفحات هذه المجلات.
وقد يكون المقطع التالي من الرسالة رقم (15) والمؤرخة في 25 شباط/فبراير 1962 تحمل بعضا من مواقف وديع تجاه أدباء عصره إذ يقول: “عُقد عندنا أخيرا مؤتمر لأدباء آسيا وأفريقيا، ولم تُوجّه إليّ دعوة عن شهوده. وقد علمت من مكالمات تليفونية كثيرة أن عدداً من أصدقائي الأدباء العرب كانوا بين المدعوين، ولكنّ الوحيد الذي اجتمعت به هو إبراهيم العرّيض وكان ذلك قبل سفره بساعة. ولولا أنه حرص على مقابلتي لما تسنى لي الاجتماع به. ومن الذي اشتركوا في المؤتمر من أصدقائي سهيل إدريس ومحمد يوسف نجم ونازك الملائكة وعبد الرزاق محي الدين وصلاح الأسير. وكان من بين الحاضرين القاص الهندي ” مُلْك راج أنان” الذي ترجمت له أقاصيص مُتفرّقة وكان يسعدني رؤيته لولا أنني لم أرد أن أتطفّل على مجتمعات العباقرة، ولستُ منهم والحمد لله”.
ومن اللافت من بين الرسائل أن الرسالة رقم 52 المؤرشفة (القاهرة في الثلاثين من تشرين الأول/أكتوبر 1964) تحمل نسخة من مقال وديع فلسطين الموسوم بعنوان: “عادل زعيتر: حُجّة العرب وإمام الضاد”.
تحمل الرسائل مضامين لحركة الحياة عبر سنوات ممتدة، وتفاصيل لا نجدها في بطون الكتب ومثال ذلك ما يقوله في الرسالة رقم 79 المؤرشفة (القاهرة في الخامس والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 1966): “بُعيد وفاة الدكتور أمير بقطر، بيعت مكتبته الخاصة ـ وهي أعظم مكتبة في العالم العربي كله في علوم التربية وعلم النفس ـ بالمزاد العلني، فاشتراها ورّاقو سور حديقة الأزبكية بسعر الأُقّة، وتناثرت نسخها في زراية كريهة على الأرصفة، وفرح الناس بأن قبضوا ملاليم ثمنا لها! ولهذا سأوصي بحرق كتبي حتّى لا تتدّعر على أيدي الجلاوزة وأشباههم من سخفاء القوم”.

وللحديث عن هذه الرسائل بقية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق