ثقافة المقال

القراءة في زمن كورونا

عبد الكريم ساورة

لايمكن مقاومة الحجر الصحي بالصراخ واليأس، كما لايمكن مقاومة فيروس كورونا بالخوف وبحساب عدد المصابين كل اليوم بمدن المملكة، أحسن طريقة لمواجهة أي وباء هو خلق صداقة حميمية مع الكتاب، القراءة وحدها تجعلك تصعد إلى الأعلى، تحلق بأريحية وأنت تتنفس عبق الحياة، وحدها القراءة تحررك من الحصار وتجعلك تخرج بالنهار والليل تتجول بأحياء المدينة، تصافح الأصدقاء، تركب الباص وتنتقل من مكان إلى مكان، وفجأة تتذكر السوق القديم، تلك الساحة الفسيحة حيث يتواجد كل يوم ذلك الثنائي الساخر، يالهم من شخصيات كبيرة كم يجعلوننا نضحك بثمن زهيد، وياله من عالم كم نشعر فيه بالحميمية والحب، الناس ملتصقة ببعضها البعض، رائحة الأكل تلوح من كل الاتجاهات، متنوعة، ونساء متواضعات جميلات الملامح يبعن الخبز بأنواعه، يالها من لوحات مشرقة ترتسم بين ثنايا السطور، تستأترني، تسرقني، تشعرني بقيمة الزمان وروعة الأمكنة التي كنت أمر منها مرور الكرام، آه، بفضل القراءة أجد نفسي استرجع تلك الظلال، تلك الأماكن التي حاولنا محوها من ذاكرتنا والانفصال عنها بحثا عن بديل هزيل وممسوخ وغريب، بفضل القراءة استرجع تلك الوجوه من رجال ونساء بسطاء، بسطاء في كل شيء تخلينا عنهم بأنانية ونكران فظيع نبحث عن أناس جدد وماركات جديدة، و علاقات كبيرة مزورة، اليوم في زمن كورونا كلنا نشعر بالغربة، فقدنا كل الأشياء الجميلة، فقدنا أهم شيء وهو مصافحة الآخر.
ماذا بقي لنا إذن في هذه الفترات الصعبة ؟
وحدها القراءة، ملأت كل الفراغات، وحدها فرضت نفسها علينا جميعا رغم هروبنا الجماعي منها مدة طويلة كأنها مصابة بالجذام، اليوم أو هذه الأيام التي فر منا كل شيء جميل، أو هجرنا دون إرادتنا كل شيء جميل، لم يبق لنا من اختيار نختاره لمواجهة المجهول سوى التشبت بعقيدة قديمة – جديدة، تفتح لنا كل نوافذ العالم لنطل منها على الأفق ببراءة الأطفال، إنها عقيدة القراءة وحدها تجعلنا نسافر ونعيد السفر باطمئنان كبير لنكتشف كل شيئ يحدث خارج أسوار البيوت التي كنا نهجرها بافتخار كبير.
اليوم نتصالح مع البيوت، نتحسس كل شيء، نتجول بين كل أركانه، نصافح كل شيء صغير، نتكلم ونلعب مع كل كائنات البيت، وعندما نشعر بالتعب، أو بالضجر نختبئ خلف الباب نخيف الأطفال فتسقط تلك الكؤوس الزجاجية الكبيرة المنقوش عليها شعار أحداث ما، مع مرور الزمن نسينا مناسبة شرائهما، النسيان يقتل كل المناسبات الجميلة، لكن مع هذا العزل الجبري بدأت الذاكرة تشتغل بكرم كبير، تُطْلِعُ كل المحن القديمة، ذلك التاريخ الشخصي الخفي، إنني أتذكر كل شيء فظيع، فتزداد غربتي ، وكم أرفض الاستسلام، فأقاوم وأقاوم بكل ماتعلمته من تقنيات الصراع والمواجهة، فأرفع راية الاستسلام والدخول في متاهات وعوالم الخوف الكبير.
وفي لحظة التردد، أحسم الأمر بدون مواربة، وأقفز من مكاني والاتجاه صوب المكتبة ، وحدها ” عزازيل ” هذه الرواية الملهمة للكاتب الكبير يوسف زيدان سوف تنقدني من التفكير الأسود من هذا الفيروس الخفي كورونا، ويالها من حيلة، إنني أستنجد بالسيدة الجميلة ” هيباتيا ” هذا مكر أخفي به حقيقة المعرفة العليا لهذه العالمة والفيلسوفة التي شغلت الناس في حياتها ومماتها، أنا لايهمني كل هذا فهذا من اختصاص المؤرخ ليقول كلمته بحق أو بزور في حق امرأة قاومت الخرافة وانتصرت للعلم، العلم الذي لازلنا في الوطن العربي نرفض مصاحبته وتبنيه، وهيباتيا هذه المرأة الفاتنة والثائرة على كل شيء، وفي تلك الفترة العصيبة من التاريخ الكنسي استطاعت أن ترفع يافطة الرفض عاليا مكتوب عليها بخط بارز ” لا ” ، وكم كانت منسجمة مع فكرها وأفكارها ، ألم يقل الفيلسوف الفرنسي ” ألان ” : ” أن تفكر هو أن تقول : لا .
كم أشعر بالمتعة وأنا أعيد قراءة هذه الرواية من جديد، أريد أن أحطم شيئا ما يسكنني، هل الخوف من الموت ؟ هل هو الإحساس بالعجز، لكننا كلنا في هذه الأيام نشعر بالعجز، مؤسسات وحكام كبار ودول عظيمة وأفراد، ومفكرين…. أين هو إذن الإشكال ؟
الإشكال هو استهانة الإنسان بالطبيعة، واعتقاده بأن التقدم سوف يمكنه من التحكم في كل شيء يقف في طريقه كما قال أحد الفلاسفة، لكنه يوما بعد يوم يشعر هذا الكائن المتهور بالفشل، بالفشل الدريع، وعليه إعادة التفكير في كل شيء، أليس هذا ما توصل ليه بطل رواية ” عزازيل ” هيبا، الطبيب والراهب الذي لم يجد الخلاص سوى في مكتبته الصغيرة ومجموعة من الكتب والمخطوطات التي كانت تدفئ بيته الصغير في الصومعة، ولهذا لم يجد أي دواء رغم أنه الطبيب الماهر لوحدته وحريته سوى الكتابة، وحدها الكتابة كان يعتقد بسحرها وسفرها عبر كل الأوطان ولهذا كان يوصي نفسه بالقول ” أكتب ياهيبا فمن يكتب لايموت ” .
وهل من لا يقرأ يموت ؟
ربما..
يقول شيشرون: ” ذلك بجرة قلم : لاوجود لمسن ينسى أين خبأ كنزه “، هذا الأمر يتعلق برجل يحب المال، وماذا لو كان رجلا مرتبطا بالكتب مثلي، أو برجل استثنائي كالعجوز إيغوشي، بطل رواية ” ذاكرة غانياتي الحزينات”، للكاتب الكبير غابرييل غارسيا ماركيز، هذا البطل الذي قضى كل حياته بين النساء والشهوة والكتب، لكن السؤال كيف استطاع أن يقاوم عزلته الاختيارية وهو الرجل الذي تجاوز التسعين سنة من عمره ؟ أليس هو القائل في لحظة تيه قاسي : ” ليس هناك نكبة أسوأ من موت المرء وحيدا…” لكن علاجه الوحيد هو مكتبته المتنوعة، هو إدمانه على القراءة رغم الشيخوخة وعوالمها الغريبة، استطاع العجوز إيغوشي أن يفوز بوسام التقدير عندما نجح بطريقته الخاصة أن يجعل الآلاف من الشباب يتابعون كل سبت عموده المثير، وبذلك تمكن من صنع شريحة كبيرة من القراء يشعرون بالمتعة والفرح رغم تباين الأعمار.
هذه الرواية ” ذاكرة غانياتي ..” رغم مافيها من التركيز على الاستفادة من الحياة، ومحاولة ما أمكن طرد الملل والقلق، لكنني أجد أن الفرح ليست مهنتي على حد تعبير الشاعر السوري الكبير محمد الماغوط، ويوم بعد يوم يتسرب اليأس والخوف إلى قلوبنا، إننا نحاول قدر المستطاع أن نتشبت بالأمل ونقاوم، ألم يكن يقول الكاتب والروائي ” توماس مان ” على لسان أحد شخوصة في رواية ” موت في البندقية ” إن الصمود للقدر وملاقاة الشدائد بالإبتسام، شيء يعلو على معنى النصر.. إنه ردة فعل للعدوان ونصر ايجابي “، لاأخفيكم أنني أشعر بالخوف ولاأعرف لماذا ؟ ولكنني عندما أصافح كتاب ما، ويصافحني كاتب ما وهو يبتسم أشعر بالأمل، أشعر فعلا أنني أسافر عبر كل الأقطار، متجاوزا عنف الحجر الصحي وأنا أشعر بالانتصار…

كاتب مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق