ثقافة المقال

بلاغة الحديث القدسى

د.محمد عبدالحليم غنيم

يعرف الشريف الجرجانى الحديث القدسى فى كتابه ‘‘ التعريفات ’’ فيقول : هو من حيث المعنى : من عند الله تعالى ، ومن حيث اللفظ من رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ، فهو ما أخبر الله تعالى به نبيه بإلهام أو بالمنام ، فأخبر عليه السلام عن ذلك المعنى بعبارة نفسه ، فالقرآن مفضل عليه ، لأن لفظه منزل أيضاً ” .
أما نسبة هذه الأحدايث القدسية ، فهى قدسية وذلك لإضافة معناها إلى الله وحده ، ومن ثم سمى هذا النوع من الحديث بالقدسى والإلهى والربانى . وعلى الرغم من أن الاحاديث القدسية منزلة من عند الخالف جل شأنه وعلا بواسطة جبريل أو الوحى أو الإلهام أو المنام من حيث معانيها وليس ألفاظها ، فإن بينها وبين القرآن فروقا كثيرة ، منها أنه لا تصح الصلاة بها ، ومنها عدم حرمة لمسها وقراءتها للجنب والحائض والنفساء ، ومنها عدم تعلق الإعجاز بها .
ولرواية الحديث القدسى صيغتان : الأولى هى : ” قال رسول (صلى الله عليه وسلم) فيما يرويه عن ربه ” والثانية هى :” قال الله تعلى فيما رواه عنه رسول (صلى الله عليه وسلم)” .
وللأحاديث القدسية خصوصيتها من حيث كونها موحى بها من رب العزة – سبحانه وتعالى – وهى فى ذلك تتباين عن الأحاديث النبوىة الأخرى التى هى ترجمة لرسالة السماء بعد نزول القرآن الكريم ، فإن الأحاديث النبوية غبر القدسية على رغم من كونها غير موحى بها ، إلا أنها منبعثة من لدن الرسول البشر الإنسان الذى أعده الله لحمل رسالته وتبليغها فى نطاق العصمة التى خصه بها دون سائر البشر ، واختاره واصطفاه ، ثم أدّبه الأدب الربّانى الذى أهله لأن يكون رسولاً ومعلماً وهادياً وبشيراً ونذيراً ، ومن ثم وصفه فى محكم كتابه بقوله عز وجل : ” وإنك لعلى خلق عظيم “. ثم عبر الصادق الأمين عن هذه المنّة الربّانية العظمى بقوله (صلى الله عليه وسلم ) :” أدّبنى ربّى فأحسن تأديبى” .
وحتى يستطيع المرء التعرف على الاحاديث القدسية حق المعرفة فإن عليه أن يستقصى مصادرها فى كتب الحديث ، وأن يغمس نفسه فى بركتها ، وأن يغمر ذاته فى فيوضها . متفرغاً لها كل التفرغ وقد استطاع العلامة الدكتور مصطفى الشكعة فى كتابه ‘‘ البيان المحمدى ’’ حصر الأحاديث القدسية فى القضايا الآتية :
– التوحيد وتنزيه الخالق عن الولد والشريك .
– التوحيد والتكبير والحمد والتمجيد والخشية والمغفرة .
– فظاعة الشرك وتقبيح الرياء والعمل لغير الله فى نطاق البطولة والعلم والجود .


– فضل العبادات وثوابها كالصلاة والإنفاق فى سبيل الله .
– فضل ذكر الله وصيغ التسبيح
– التوبة ومضاعفة الحسنات وغفران السيئات ورحمة الله الواسعة وما أعده سبحانه وتعالى للصالحين ما لم يشرك به .
– الجهاد والشهادة فى سبيل الله .
– الصبر على المكاره من فقد للأبناء والأقربين والمرض والعسر والاضطهاد .
– الظلم وتحريمه والرياء والسمعة .
– الأخوة والتحابّ فى الله ومكارم الأخلاق .
– أحاديث الشفاعة : شفاعة محمد (صلى الله عليه وسلم) .
– الحشر والنشوء والموقف والحساب والصراط .
– وصف الجنة والنار .
وعند التأمل فى الموضوعات السابقة يتضح من أغراضها أنها ذات خصوصة مميزة ، لأن المولى سبحانه وتعالى جعلها معبرًا بين كتابه الكريم وبين حديث رسوله الصادق الأمين ، وخاطب بها عباده وأجرى معانيها على لسان سيد الخلق الذى لا ينطق عن الهوى . وتتخلص هذه الخصوصية فى أنها تستهدف صله العبد بربه فى نطاق أساسيات الإسلام وأهدافه الكبرى التى تتجلى ذروتها فى التوحيد وتنزيه الله تعالى عن أن يكون له ولد أو شريك .
ولعله من المفيد فى ختام هذه المقالة أن نورد نموذجًا لحديث قدسى لتوضيح مدى ارتباطه بالموضوعات السابقة وبيان آفاق بلاغته .
– عن أبى هريرة ، عن النبى (صلى الله عليه وسلم ) قال : قال الله تعالى: ” كذَّبني ابنُ آدمَ ولم يَكن ينبغي لهُ أن يُكذِّبني وشتَمني ابنُ آدمَ ولم يَكن ينبغي لهُ أن يشتُمَني أمَّا تَكذيبُه إيَّايَ فقولُه إنِّي لا أعيدُه كما بدأتُه وليسَ آخِرُ الخلقِ بأعزَّ عليَّ من أوَّلِه وأمَّا شتمُه إيَّايَ فقولُه {اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} وأنا اللَّهُ الأحدُ الصَّمدُ لم ألِد ولم أولَد ولم يَكن لي كفُوًا أحدٌ “
وأول ما نلاحظه فى الحديث السابق اتفاق لفظه مع لفظ القرآن الكريم ، وثانى الملاحظات هذه الصيغة الأسلوبية التى تعتمد الحوار بين الخالق والمخلوق مرتكزااً لها . أما ثالث هذه الملاحظات فعلى مستوى المضمون نجد أن مقصد الحديث فى الأخير هو توحيد الله وتنزيهه عن الشريك به ، ويعلق ابن حجر العسقلانى على هذا الحديث مؤكدا ما ذهبنا إليه فيقول : تنزيه الخالق عن أن يولد أو يلد ، لأن الولد والوالد لا يكونان إلا من جسمين ، وهما منالأغيار والأغيار نقص يتنزه الله تعالى عنه .
وإذا نكتفى بهذا النموزج موجزين القول ، فاننا نلفت النر إلى أن بلاغة الأحدايث القدسية تحتاج إلى قراءات متجددة من العلماء لبيان قيمتها ، وكشف فيضوها الربانية .وفيما لى نماذج غير مشروحة لطائفة من الأحاديث القدسية .
1-عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل: ” كُلُ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلا الصَوم، فَإِنهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ”رواه مسلم وهذا لفظه، وروى نحوه أحمد والنسائي وابن ماجه
2- عن أبى أيوب الأنصارى رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه سلم ،قال فيما رواه عن رب العزة : ” لَا يحلُّ لرجل أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَياَلٍ، يَلْتْقَيِاَنِ، فَيُعْرِضُ هَذَا ،وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بالسَّلَامِ ” .
3- عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل :” الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار”
4- عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقُولُ اللَّه تَعالى: ” أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعهُ إِذَا ذَكَرَني، فَإن ذَكرَني في نَفْسهِ، ذَكَرْتُهُ في نَفسي، وإنْ ذَكَرَني في ملإٍ، ذكَرتُهُ في ملإٍ خَيْرٍ منْه ، وإن اقترب إلى شبرا اقتربت إليه ذراعا وإن أتانى يمشى، أتيته هرولة “
5- عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل : ” أعددتُ لعبادي الصالحينَ ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ ، ذخرًا بَلْهَ ما أطلعتُهم عليه ، اقرأوا إن شئتم فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوْا يَعْمَلُونَ ” صدق الله العظيم ورسوله الكريم .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق